يتساقط الفنانون كأوراق الخريف، يحجزون مساحات ورقية في أركان التعازي، ويشيعون إلى مثواهم الأخير في صمت، وتختتم التراجيديا بتأبين يلعب فيه الفقيد آخر دور للبطولة ثم تنتهي المأساة. مات الفنان الكوميدي عزيز العلوي بعد معاناة مع داء أجبر قلبه الطيب على التوقف عن النبض، مات الرجل الذي ظل يراوغ آلامه إيمانا منه بمغزى «العام طويل»، وهو يصدق أطباء لطالما طمأنوه ب«سير حتى تجي»، قبل أن تتحول أسرته الصغيرة إلى «دار للورثة». وداهم نفس المرض الفنان محمد رويشة ففارق الحياة، تاركا أوتار «الراغول» يتيمة أو متخلى عنها، وكأن صمامات قلوب الفنانين تحتاج إلى صيانة بعد كل عمل فني، مات الفنان الأمازيغي صاحب رائعة «شحال من ليلة وليلة أنا ضحيت»، والتي تختزل معاناة فنان عاش بسيطا ومات بسيطا. ومن مكر الصدف أن يشيع في نفس اليوم جثمان الفنان محمد السوسدي، أحد أقطاب مجموعة لمشاهب، بعد معاناة مع مرض القلب ومرض الجيب أيضا، إذ عاش في آخر أيامه أقسى حالات التهميش، ولم تنفع صيحته في رائعته «داويني» أو حين غنى «يا الطالب كتب ليا حجاب نبرا»، في ما يشبه اللجوء الثقافي إلى الدجالين الذين يصادفهم كل يوم حين يغادر بيته القريب من قيسارية الحي المحمدي. في المقبرة يلتئم الفنانون فيودعون زميلا، ثم يقفون أمام عدسات الهواتف النقالة لأخذ صور تذكارية مع قناصي المناسبات، قبل أن يعودوا إلى كراسيهم في مقاهٍ تحولت إلى باحة استراحة وهم يذكرون أمواتَهم بالخير، ووزراءَ الثقافة والهيئاتِ النقابية بالشر. مات عزيز العلوي ومحمد رويشة ومحمد السوسدي ومصطفى سلمات وعائد موهوب وابراهيم السايح وعبد النبي الجيراري وعائشة مناف، وغيرهم من الفنانين المبدعين، فكان نصيبهم تعزية في أسفل الصحف وتأبينا واعترافا مؤخر الدفع. ولم يسلم من مسلسل «سفر بلا وداع» بعض الوجوه الشابة كعبد القادر عبيث الفائز بجائزة برنامج كوميديا نسخة 2010، إثر حادث سير، بينما يقضي خريج آخر وهو الكوميدي المراكشي هشام الفني، الشهير بتيكوتا، وضعا صحيا صعبا بسبب داء خطير يداهم المعدة، كما سقط زميله باسو فوق خشبة معهد الطاقة بالرباط بعد أن نفدت طاقته وكاد يلتحق بغرفة قريبة من الغرفة حيث يرقد بها تيكوتا لولا الألطاف الربانية. استضاف جناح العناية المركزة في مستشفى زايد بالرباط أبرزَ الفنانين المغاربة، كالفنان الشعبي موحا والحسين أشيبان الذي حال المرض بينه وبين رقصته الشهيرة وهو يقود أوركسترا فن أحيدوس، والفنان محمد بنبراهيم الذي فقد من شدة ضغط الدم وداء السكري جزءا من حاسة البصر، كما يعاني عبد القادر مطاع من ذات المرض، لكنه يصر على أن يظل يسير في عالم الفن منتصب القامة مرفوع الهامة، وغيرهم من أهل الفن الذين يموتون بالتقسيط، في زمن تنعم فيه فنانات رفعن ساق المغرب عاريا في المحافل الفنية بكل أشكال العناية والرعاية والريع. في ظل هذا الوضع، ندعو وزير الثقافة محمد الأمين الصبيحي إلى الاهتمام بالأوضاع الصحية للفنانين المغاربة، وتعزيز الهيكلة الإدارية لمصالح وزارته بمصلحة للرعاية الاجتماعية لرجال ونساء الفن، تعنى بأوضاعهم الصحية والاجتماعية قبل وبعد الوفاة، حتى لا يقف الجمهور قبل كل مسرحية دقيقة صمت لقراءة الفاتحة على ممثل راحل، على غرار ما تعيشه ملاعب الكرة.