محمد نوفل عامر يوسم وسام الاستحقاق الكشفي    البون شاسع والحق لغير ذكر الحق مانع    أوبك بلس تؤكد عدم إجراء أي تغيير على سياسة إنتاج النفط    الرباط تصدح بصوت الشعب: لا للتطبيع..نعم لفلسطين    المدير العام لONMT: هدفنا مضاعفة عدد السياح الإيطاليين أربع مرات    صابر بعد إقصاء الوداد: "الجميع مسؤول على هذا الإقصاء والفريق لا يدار بالعشوائية "    آسفي.. شخصان في قبضة الأمن بسبب حيازة السلاح الأبيض وتهديدات خطيرة    اعتقال المعتدي بالسلاح الأبيض على سيدة بالجديدة    السفارة الأمريكية توجه تحذيرا لرعاياها بالمغرب    تظاهرة لليمين المتطرف دعما لمارين لوبن وسط توترات تشهدها فرنسا    جمال بن صديق ينتصر في بطولة الوزن الثقيل ويقترب من اللقب العالمي    روسيا تكشف تفاصيل عن إقامة بشار الأسد في موسكو    من التفاؤل إلى الإحباط .. كيف خذل حزب الأحرار تطلعات الشعب المغربي؟    لسعد الشابي: الثقة الزائدة وراء إقصاء الرجاء من كأس العرش    أمن طنجة يوقف أربعينيا روج لعمليات اختطاف فتيات وهمية    أمن تيكيوين يوقف متهماً بإحداث فوضى والاعتداء على طاقم صحفي    القافلة الطبية الخامسة لطب الأعصاب تحل بالقصر الكبير    توضيحات تنفي ادعاءات فرنسا وبلجيكا الموجهة للمغرب..    مدريد تحتضن حوار الإعلاميين المغاربة والإسبان من أجل مستقبل مشترك    كأس إفريقيا لأقل من 17 سنة بالمغرب تتحول إلى قبلة لكشافين أوروبيين.. وعبد الله وزان يثير اهتمام ريال مدريد    أساتذة "الزنزانة "10 يرفضون الحلول الترقيعية ويخوضون إضرابا وطنيا ليومين    وزارة الزراعة الأمريكية تلغي منحة مخصصة للمتحولين جنسيا    توقعات أحوال الطقس اليوم الأحد    آلاف المغاربة في مسيرة ضخمة دعماً لغزة ورفضاً للتطبيع    وزير الخارجية الفرنسي يزور الجزائر بعد أشهر من التوتر بين البلدين    الرجاء يفتقد خدمات بولكسوت في "الديربي" أمام الوداد    ترامب يدعو لخفض أسعار الفائدة: الفرصة المثالية لإثبات الجدارة    المغرب يتوعد بالرد الحازم عقب إحباط محاولة إرهابية في المنطقة العازلة    وسط موجة من الغضب.. عودة الساعة الإضافية من جديد    إصابة أربعة أشخاص في حادث اصطدام سيارة بنخلة بكورنيش طنجة (صور)    المغرب التطواني ينتصر على الوداد الرياضي برسم ثمن نهائي كأس العرش    منتدى يدعو إلى إقرار نموذج رياضي مستدام لتكريس الريادة المغربية    اعتصام ليلي بطنجة يطالب بوقف الإبادة الإسرائيلية في قطاع غزة    بلاغ جديد للمنظمة الديمقراطية للصحة – المكتب المحلي للمركز الاستشفائي الجامعي ابن سينا – الرباط    يوم غضب أمريكي تحت شعار "ارفعوا أيديكم".. آلاف الأميركيين يتظاهرون ضد ترامب في أنحاء الولايات المتحدة    "لن أذهب إلى كانوسا" .. بنطلحة يفضح تناقضات الخطاب الرسمي الجزائري    طنجة .. وفد شبابي إماراتي يطلع على تجربة المغرب في تدبير قطاعي الثقافة والشباب    تحالف استراتيجي بين الموريتانية للطيران والخطوط الملكية المغربية يعزز الربط الجوي ويفتح آفاقًا جديدة للتعاون الإفريقي    الفكر والعقل… حين يغيب السؤال عن العقل المغربي في الغربة قراءة فلسفية في واقع الجالية المغربية بإسبانيا    دعم الدورة 30 لمهرجان تطوان لسينما البحر الأبيض المتوسط ب 130 مليون سنتيم    انطلاق الدورة الربيعية لموسم أصيلة الثقافي الدولي بمشاركة فنانين من سبع دول    أداء أسبوعي خاسر ببورصة البيضاء    الفئران قادرة على استخدام مبادئ الإسعافات الأولية للإنعاش    في قلب باريس.. ساحة سان ميشيل الشهيرة تعيش على إيقاع فعاليات "الأيام الثقافية المغربية"    "نفس الله" عمل روائي لعبد السلام بوطيب، رحلة عميقة في متاهات الذاكرة والنسيان    شركة "رايان إير" تُسلّط الضوء على جوهرة الصحراء المغربية: الداخلة تتألق في خريطة السياحة العالمية    وكالة الأمم المتحدة للتجارة والتنمية: النظام التجاري العالمي يدخل مرحلة حرجة مع فرض الولايات المتحدة رسوما جمركية جديدة    بحضور عائلتها.. دنيا بطمة تعانق جمهورها في سهرة "العودة" بالدار البيضاء    الوزيرة السغروشني تسلط الضوء على أهمية الذكاء الاصطناعي في تعزيز مكانة إفريقيا في العالم الرقمي (صور)    الوديع يقدم "ميموزا سيرة ناج من القرن العشرين".. الوطن ليس فندقا    تكريم المغرب في المؤتمر الأوروبي لطب الأشعة.. فخر لأفريقيا والعالم العربي    دراسة: الفن الجماعي يعالج الاكتئاب والقلق لدى كبار السن    دراسة: استخدام المضادات الحيوية في تربية المواشي قد يزيد بنسبة 3% خلال 20 عاما (دراسة)    العيد: بين الألم والأمل دعوة للسلام والتسامح    أجواء روحانية في صلاة العيد بالعيون    طواسينُ الخير    تعرف على كيفية أداء صلاة العيد ووقتها الشرعي حسب الهدي النبوي    الكسوف الجزئي يحجب أشعة الشمس بنسبة تقل عن 18% في المغرب    









هل يؤمن المغاربة بثقافة الفضاء العام
المجال العام.. نسق مكثف للعلاقات الاجتماعية والسلوكات السياسية والاقتصادية
نشر في المساء يوم 19 - 02 - 2011

«الفضاء العام» أحد المفاهيم التي أنتجتها الأزمنة الحديثة، لأنه جاء كترتيب للعلاقة بين الخاص أو الفردي والشخصي، من جهة، والعمومي أو المجتمعي والجماعي، من جهة أخرى،
وهو أيضا ترتيب للعلاقة بين الحق والواجب، الحرية والالتزام، الأنا والآخر، الفرد والمؤسسة، وهي قضايا ما تزال تطرح هاجسا حقيقيا في منبتها الأصلي، ونقصد أوروبا الحديثة، رغم أن الإسهام الأنواري شكّل علامة فارقة في تاريخ البشرية ككل... ونظرا إلى مشكلة التأخر التاريخي، الذي ما يزال يرهن المغرب في شرنقة قيم القبيلة والعائلة في العلاقات الاجتماعية وقيم الفروسية والمبارزات من الناحية النفسية وقيم الريع و«جابْها الله»، من الناحية الاقتصادية، فإن مشكلة الفضاء العام تشير، بالإضافة إلى كل ما سبق، إلى تحولات يشهدها المغرب في اتجاه تغليب وجه أحادي لقيم الفردانية، في أنانيتها ونرجسيتها، والحرية، في فوضويتها وميوعتها، والالتزام، في انغلاقه وتزمته، حتى إن الناظر في مجالنا العمومي سيلاحظ غيابا شبه تام لأخلاق الفضاء العمومي، فالإقصاء والتمييز و الاحتقار والاستفزاز والتحرش أصبحت محط تنافس، في حين أن الاحترام والتسامح والاعتراف والإنصات والتواصل أضحت محط احتقار وإسفاف، بشكل لا يطرح فقط تحديات أمنية وحقوقية على الأفراد الضعفاء، نساء وأطفالا وعجزة ومعاقين، بل يطرح تحديات على كل مؤسسات المجتمع، فهي تحدٍّ للأسرة وللمدرسة وللمجتمع المدني وللتنظيمات السياسية والنقابية وأيضا تحد للإعلام، فما يُمارَس في مجالنا العمومي اليوم، في الشارع وفي الساحات العامة، في النادي الثقافي والمدرسة، في الإعلام العمومي والمقهى، وفي الإدارات والمقاولات... يجعلنا، كبلد، نغوص عميقا في حضيض الأمم، ومن أغرب مظاهر هذا الحضيض أن تصبح كلمة الشكر أو طلب العفو أو الكلام الطيب، عموما، علامة على ضعف صاحبه ويصبح قول الحقيقة والجهر بها والامتعاض من الأخلاق الفاسدة علامة على التخلف والتزمت. وبالمقابل، أضحى التنابز بالألقاب والكلام السوقي وإشاعة الأخلاق الفاسدة وتقديم الرشوة وإعلان العلاقات الزبونية.. علامة على انتماء صاحبه إلى الزمن المعاصر «ولد الوقت» وعلامة على قوته «ساط»... هكذا، انقلبت المعايير جذريا، فالمرغوب فيه لِذاته أضحى يُطلَب كوسيلة لبلوغ غايات أدنى، أما غير المسموح به فأضحت له «شرعية» عند المغاربة، ضدا على الدين والعقل والذوق العام...
ليس الفضاء العام مجرد تجسيد مادي ملموس، أي تكوينات وهندسة معمارية، مفتوحة للقاءات الناس ولممارسة أنشطتهم الحياتية اليومية بمختلف أبعادها ومحتوياتها (مدارس، ساحات عامة، مرافق وفضاءات عمومية... إلخ)، ولكنه، وهذا هو الأساس، تكثيف لعلاقات اجتماعية ولسلوكات وتعبيرات قيمية ولعلاقات سياسية واقتصادية أيضا. هذه الكثافات الإنسانية والاجتماعية هي ما يمنح الفضاءات العمومية محتواها وأبعادها الفعالة، كمجالات لممارسة الشأن العام، بشكل ما من الأشكال، وللتوحد مع الآخرين، ضمن منظور هادف، يكون همُّه الأساس خدمة المصلحة العمومية، باعتباره الهم الذي يكشف عن حس المواطنة ومدى تجذره لدى كل فرد على حدة ولدى الجماعة ككل.
لهذا السبب، يرتبط الفضاء العام، ضرورة، بثقافة ووعي معينين، يرومان احترامه والحفاظ عليه واعتباره مكسبا من المكاتب العمومية التي ينبغي لسلوكنا إزاءه أن يكون سلوكا مواطنا، خصوصا إذا وضعنا في عين الاعتبار أنه يُشيَّد بأموال عامة مستخلصة من دافعي الضرائب، أي من المواطنين أنفسهم. كلما كان المواطن أو أحس تحديدا أنه معني بالشأن العام ومنخرط انخراط الفاعل والمشارك فيه، كلما كانت ثقافة الفضاء العام والوعي بأهميته ووظائفه عالية جدا، لأن المواطن الفاعل لا يمكن بالضرورة أن يفسد المكان العام الذي يمارس فيه مواطنته، أيا كانت أشكالها. وكلما أحس المواطن أنه مقصي من الشأن العام، كلما كان وعيه بالمصلحة العمومية متدنيا جدا وغابت لديه، بالضرورة، الثقافة والموقف الإيجابيان إزاء الفضاء العام وسيحدث، بالتالي، نوع من القطيعة معه، والتي يصعب محوها بسهولة.
تتعلق المسألة إذن، بردة الفعل التي يمكن أن تكون إيجابية أو سلبية، حسب الوضع الاعتباري الذي يحوزه المواطن وحسب المكانة التي تكون له داخل المجتمع والشأن العام عموما، أي حسب الإحساس بالانتماء والمواطنة أو غيابهما القسري.
مولد المواطنة
لا يولد الإنسان مواطنا، بل يصير كذلك داخل الفضاءات العامة التي يمارس فيها مواطنته، سواء كانت فضاءات مرتبطة بالسلطة السياسية ومجسدة لسيادتها (إدارات عمومية بمختلف أنواعها ووظائفها) أو فضاءات ثقافية تسهم، إلى حد ما، في توعيته وتثقيف مهاراته وشحذ قدراته الإبداعية، أو فضاءات رياضية يمارس داخلها قدراته ومهاراته البدنية. إن الفضاء العام، أو ثقافته تحديدا، لا تكون بدون التحقق الفعلي للمواطنة وثقافتها، باعتبارها خلقا للإنسان الفعال، الذي يتمتع بحقوقه ويعي واجباته تمام الوعي ويسهم، عبر ذلك بالذات، في بناء إنسانيته ودوره في الحياة الاجتماعية، التي تُكوِّن بالتالي الحياة الجماعية لمواطنين متساوين في الحقوق والواجبات.
بدون بناء هذه المواطنة الحقة، لا يمكن بناء المواطن الذي يتوفر على ثقافة للفضاء العام، مبنية على الاحترام، وسنجد أنفسنا، باستمرار، أمام نفس السلوكات الغوغائية، التي تقوم على التخريب والإفساد، ظنا منها أنها تمارس الانتقام، بينما هي تنتقم، حقيقة، من نفسها، لأن الفضاءات العامة ملكية جماعية للكل، أي تنتقم من حق الآخرين في ممارسة الأشكال المختلفة لمواطنتهم داخلها وتمنعهم من الاستفادة منها في التعبير عن آرائهم وممارسة أفعالهم وأعمالهم.
حين نتحدث عن ثقافة الفضاء العام، نتحدث بالضرورة عن أولوية الثقافة والوعي، لأن الفضاء العام لا يمكن أن يوجد كهندسة معمارية فقط، بل كعقلية وكذهنية تتعرف، عبره، على انتمائها إليه. وبدون العمل من أجل خلق هذه العقلية لدى مستعملي ومرتادي الفضاءات العامة، ستظل هذه الأخيرة مجردَ أمكنة بلا روح. هكذا، نرى كيف تتحول الحدائق العامة، بين ليلة وضحاها، إلى مطارح أزبال وأماكن ل«الانتقام» من إكراهات الفشل الدراسي وانسداد الأفق لدى المراهقين وتصير الشوارع والأزقة والساحات فضاءات بشعة، يرمي فيها الناس الأزبال ويتبولون في جنباتها، دون أدنى وازع ضمير أو وعي... إلخ. القصد من هذه الأمثلة كلها فقط هو الإشارة إلى أن عمومية هذه الفضاءات لا تُبنى خارج ثقافة المواطنة وعمومية الحس المدني المواطن.
الملك العام والثقافة
يمثل الفضاء العام في المجتمعات الإنسانية عموما، وخصوصا المدينية منها، مجموعة أمكنة العبور والتجمع التي يستعملها الناس كلهم، أي الأمكنة المتعلقة بالملك العمومي.
يشير هذا التحديد، بالذات، إلى حالة فعلية تضمن حقوق المواطنين وحريتهم في استعمال الفضاء العام، ومن ضمنها الحق في التنقل، الذي نجد أحيانا كثيرة أن الناس في مجتمعات مختلفة لا يتمتعون به بالضرورة ولا يمارسونه بشكل قائم على المساواة. نجد في هذا السياق أن الفضاءات العامة مقسمة، حسب استعمالاتها ونوعية مرتاديها، تقسيما طبقيا واجتماعيا، إذ هناك فضاءات عامة يرتادها الناس من علية القوم، أي من الطبقة البورجوازية، وأخرى يرتادها أفراد ينتمون إلى الطبقة الوسطى، وأخرى في أسفل الهرم الاجتماعي، ترتادها الطبقة الفقيرة، المكونة من شرائح «البروليتاريا» من العمال والموظفين محدودي الدخل، ثم الفضاءات الهامشية جدا، التي تؤمها «البروليتاريا الرثة» من المهمَّشين والمشردين، المتروكين خارج دورة الاقتصاد الليبرالي المتوحش...
تمتد هذه الفضاءات من ملعب الغولف، أو الأندية الراقية إلى المخيمات الصيفية والحدائق العمومية والملاعب الرياضية، إلى الأماكن العمومية التي توجد في الأحياء الشعبية، ذات الكثافة السكانية المهولة، إلى الأزقة الخلفية والأماكن المهملة المنسية، التي يرتادها المهمَّشون، كما هو الحال في فندق «لينكولن» في قلب الدار البيضاء. ينقسم الفضاء العام، عموما، حسب الوظيفة التي يؤديها بالنسبة إلى مرتاديه، إذ هناك الفضاء المدني (civique) والفضاء الديني، كالمسجد مثلا، والفضاء التعليمي والفضاء الترفيهي... إلخ. أما القسمة الأخرى فهي تلك التي نجدها بين المجال القروي والمجال الديني، حيث نلفي الفضاءات العامة محدودة الانتشار أو شبه منعدمة كلية في المجتمعات المعزولة، سواء كانت قبائل تعيش في مناطق نائية، كالجبال، أو ساكنة الجزر أو العوالم القروية، التي لا تربطها الطرق بباقي المناطق. إنها، نوعا ما، قسمة ضيزى تلك التي تجعل الفضاء العام، في أغلب الأحيان، حكرا على المدن، كأن سكان القرى والجبال لا يملكون بالضرورة نفس الحق في فضاءات توجد من أجل المصلحة العامة. إن الثقافة التي يجب أن ترتبط باستغلال الفضاءات العمومية لا يمكن أن تكون، إذن، سوى ثقافة مشتركة بين الكل وعلى درجة عالية جدا من الحس المدني، الذي تسهم في خلقه التربية الأسرية، إلى جانب التربية المدنية التي يُفترض في المرء أن يتلقاها، سواء داخل الفضاء الدراسي أو خارجه، أي في المجتمع.
يتضمن تحديد الفضاء العام، أيضا، تحديد المجال العام والسلط التي تقوم بتدبيره والقوانين التي تنظمه أو الموانع المحيطة بوضعه الاعتباري، كفضاء عام مفتوح يخضع لمنطق الملكية العامة، لذا فإن الثقافة المحيطة بالفضاء العام، أو المواكِبة ضرورة له، يجب أن تكون قانونية أيضا، بقدر ما هي مدنية ومواطِنة، إذ لا يمكن اختزال الفضاء العام إلى مجرد فضاء أحادي الوظيفة وتقني، ولا يمكن حرمان العدد الأكبر منه. إنه مجال أو حقل لحريات أكبر من مجرد حرية التنقل، كحرية التظاهر والاحتجاج والتعبير الفني والتجارة، مثلا. كما أن استعماله يخضع لمجموعة من القوانين المنظمة له، وإلا فإنه يصير مجالا لأنشطة ممنوعة تُفقِد بعض الفضاءات عموميتها ومواطنتها. إن ثقافة الفضاء العام تعبير عن أشكال الحياة الجماعية والأنشطة الاقتصادية أيضا، والحياة السياسية، التي تضمن التعايش على قدم المساواة بين المواطنين، والحياة الثقافية أيضا، لذا فإن الفضاء العام الحقيقي لا يمكن أن يوجد إلا في المجتمعات الديمقراطية الحقة، التي لا تضع أسيجة وحدودا إقصائية بين الأفراد وشرائح المجتمع، أي في المجتمعات التي تنهض فيها الحياة الاجتماعية، بمختلف أبعادها، على منطق المنفعة العامة والمشترَكة.
تلزم الإشارة، في هذا السياق، إلى أن الاستعمال الأول للمفهوم كان فلسفيا عند كانط (kant) وحنا أرندت (Arednt)، لكنْ سرعان ما وظفه الباحثون والمنظرون في العلوم الإنسانية والاجتماعية واحتكروه. يصف الألماني هابرماس (habermas)، في كتابه عن «الفضاء العام»، السيرورة التي عمل بها الناس عموما على التشكل كأفراد يستعملون قدراتهم العقلية لامتلاك الدائرة العمومية المراقبة من طرف السلطة وتحويلها إلى دائرة، أي إلى فضاء يُمارَس داخله النقد ضد سلطة الدولة، وهي السيرورة التي بدأت، حسبه، في القرن الثامن عشر، في إنجلترا وفرنسا بعد ذلك، وهو القرن الذي شهد تطور العمران المدني، وبرز مفهوم الفضاء الخاص لدى البورجوازية الحضرية. بيَّن هابرماس كيف أن الاجتماعات التي كانت تعقد في الصالونات والمقاهي ساهمت في تعدد النقاشات والسجالات السياسية، التي انتشرت عبر وسائط الاتصال التي كانت معروفة إبان تلك الفترة، وهي الرسائل المتبادَلة والصحافة الناشئة حينها.
البورجوازية وثقافة الفضاء العام
لم تأت ثقافة الفضاء العام من الفراغ، وكما كانت للبورجوازية المثقفة فضاءاتها، كانت للكتلة الكبرى من الساكنة فضاءاتها أيضا، التي عبْرها تصوغ مفاهيمها الخاصة حول حرية الرأي والسيادة الشعبية. من نافل القول إن الفضاءات العامة التي كان يعرفها المغربي، إلى أمد قريب، كانت هي المسجد والساحات العمومية، حيث تُمارَس أنواع الفرجة الشعبية من «حْلاقي» واحتفالات غنائية، والأزقة والدروب في أحياء المدن العتيقة، أو الأماكن التي تقام فيها المواسم والأسواق. أما الفضاء العام، بمعناه المديني والحديث، فقد نشأ عموما بدءا من النصف الأول للقرن العشرين، مع الحماية الفرنسية التي أدخلت نموذج الهندسة المعمارية الحديثة (نموذج الدار البيضاء مثلا). معنى هذا أننا في المغرب حديثو عهد بالفضاء العام، في وظائفه وأبعاده الحديثة، كما بأشياء أخرى على مستوى الخطابات والممارسات، مثل مسألة المواطنة، مثلا، والحقوق والديمقراطية وغيرها، ذاك بالذات ما يجعل ثقافة الفضاء العام محكومة لدينا بالكثير من الموانع والأعطاب، وخصوصا من ناحية الوعي بأهميته الوظيفية والمدنية.
إن علاقتنا مع الفضاء العام في المغرب محكومة، وبالضرورة، بالوعي الشقي الذي يحكم علاقتنا بالسلطة وتجسيداتها المادية والعمرانية. إنها علاقة غير سوية لا على المستوى الاجتماعي والسياسي ولا على المستوى الفردي والنفسي. نرى كيف يسعى كل واحد على حدة إلى الإضرار بالفضاء العام أو إلى احتكاره لمصلحته الخاصة، مثل السطو على الأرصفة واحتلالها وتسييجها بالأسوار والموانع الحديدية، لتحويلها إلى ملكية خاصة، أو تخريب المرافق العمومية وتحويل الشوارع إلى سلال للقمامة وتخريب القاعات الثقافية ودور الشباب، التي من شأن الأجيال الناشئة الاستفادة منها، إلى غير ذلك من «الكوارث» التي ترتبط بالغياب الفادح والكارثي للإحساس بالمواطنة والوعي بأن الفضاءات العمومية في المدن يجب أن تُصان من الإفساد والتخريب.
ما يقع في المغرب، للأسف، سواء من طرف بعض الشرائح الاجتماعية أو من طرف الكثير من المجالس المشرفة على التسيير الجماعي، هو تعميق محو أي ثقافة مدينية ومدنية مرتبطة بالفضاء العام، سواء عبر إهماله والتخلي عنه كلية، أو السطو عليه، بغية إخضاعه لمنطق المضاربات العقارية، حتى تحولت جل مدن المغرب إلى صحارى قاحلة أو أرياض بئيسة يعبث فيها تجار الإسمنت.
يندرج هذا العطب الذي يسم علاقتنا بالفضاء العام بالأعطاب التي تطال الكثير من مستويات الحياة الاجتماعية في المدن. إن علاقتنا بالمدينة، كفضاء للتفاعلات والتواصلات الاجتماعية، تظل دائما مبهمة وملتبسة. نرى، مثلا، كيف تنمو بشكل فوضوي، تماما على شكل تكاثر الخلايا السرطانية، دون أدنى نظام، مما يضاعف من أعداد المهمَّشين والمقصيين من دورة الإنتاج، وهو النمو الذي لا يواكبه أدنى اهتمام بالفضاء العمومي، كما لو أن المدن يجب أن تكون مجرد «غابات» من الإسمنت، دون وظائف اجتماعية أخرى، عدا السكن والشغل. لقد نما جيل بأكمله فوق الإسفلت وعند أبواب العمارات العالية والتجمعات السكانية الكثيفة وعند ناصية الأزقة والدروب، جيل لا يرى الطبيعة إلا في الفضائيات المتخصصة في الحيوانات ولا يعرف الخضرة إلا حين يغادر غابة الإسمنت للذهاب بعيدا، جيل لم يتربَّ على ثقافة احترام الفضاء العام. ليس هذا الجيل وحده المعني، إذ يرى كيف يقضي المسنون المتقاعدون، من أصحاب العمر الثالث، السنوات المتبقية من أعمارهم، وهم على عشب الحدائق يلعبون «الضامة» ويحولون فضاء الحدائق العمومية إلى «مقابرَ» مفتوحة...
إن وعينا بالفضاءات العمومية، الموازية والضرورية في حياتنا الاجتماعية، يظل وعيا قاصرا عن إدراك كنهها وأبعادها. حتى الفضاءات العمومية الأثرية، مثل الأسوار والأماكن التاريخية، لا تفلت من عدوى هذا الخراب، ففي مراكش، مثلا، كما في غيرها من المدن العتيقة، كثيرا ما تتحول الأسوار الأثرية إلى مراحيض عمومية مفتوحة، يؤمها الناس بشكل عادي كأنها بنيت من أجل ذلك. أما أضرحة الشخصيات التاريخية، كمؤسس الدولة المرابطية، يوسف بن تاشفين مثلا، فقد ظلت عرضة للإهمال والنسيان، ناهيك عن الحديث عن ساحة «جامع الفنا»، التي ناضل عاشق مراكش الكاتب والمفكر الإسباني خوان غويتيسولو من أجل الاعتراف بها كتراث شفوي للإنسانية، والتي تحولت (الساحة) إلى فضاء مفتوح لملء البطون وللتفرج على أشكال مشوهة للفرجة الشعبية، بعدما مات أغلب «الحْلايقية» الكبار. إنها فقط أمثلة الخراب الذي طال الفضاء العام في مجتمعنا.


في الحاجة إلى ثقافة المدينة والتحضر
إن ثقافة الفضاء العام ترتبط بالثقافة الحضرية الجديدة التي تروم رد الاعتبار إليه، اجتماعيا وثقافيا وفنيا وسياسيا، ليصير أكثر انسجاما مع طقوس الحياة الاجتماعية، بمختلف تمظهراتها. إن الفضاءات العمومية أمكنة لها خصوصيتها، كما أنها أمكنة للعبور وانتقال الأفراد، بالإضافة إلى دورها الهام في ترقية السلوكات الاجتماعية اليومية وفي إضفاء طابع مدني حديث عليها، ودورها كوسائط تسمح للحياة اليومية بالتبلور، لأنها فضاءات حاملة لقيم متميزة ولسمات ثقافية فارقة.
إن الملعب الرياضي هو فضاء للتنافس الرياضي الشريف، وليس لتنفيس المكبوتات المرتبطة بالقهر الاجتماعي، والحديقة العامة فضاء للتآلف مع المشاهد الطبيعية المنظَّمة، ولاستكناه سمات الجمال، كما أن الفضاءات الفنية أمكنة هامة لاستكناه الذوق الجمالي... إلخ. وهي كلها وظائف تشكل «ملح» الحياة اليومية، لأن الإنسان لا يعيش بالخبر وحده.
إن الفضاء العام يتوفر، إذن، على خصائص ومعنى متميز وعلى قيمة الاستعمال (valeur d'usage) التي تجعله فضاء ضروريا، سواء بالنسبة إلى الناس العاديين أو المثقفين، ومحترفي التخطيط والهندسة الإدارية الحضرية وأصحاب القرار... إنه فضاء قائم بذاته وليس مجردَ فضاء ملحق بفضاءات أخرى، لذا فإن المجتمعات التي تحترم مواطنيها تخطط للفضاءات العمومية في المدن، بنفس القيمة والأهمية والاقتناع التي تخطط بها لفضاءات أخرى، لأن الأمر يتعلق أساسا بما يسمى «سياسة المدينة» (la politique de la ville) أو «الحكامة الحضرية» (la gouvernance urbaine)، وأغلب المدن الأوربية، كما في فرنسا مثلا، دأبت، منذ سبعينيات القرن الماضي، على إعادة تأهيل فضاءاتها العمومية، حتى إن الأمر صار متعلقا بفلسفة جديدة في التهييء المديري للمدن، لضمان تنقل سهل وسريع ولإعادة تقييم وظائف هذه الفضاءات العمومية، سواء في المركز أو في الضواحي، لتحويلها إلى فضاءات للمواطنة والتبادل المدني بين الأفراد، وهو ما يظل، في بعض جوانبه، عالما «افتراضيا» بالنسبة إلينا...


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.