لقد كان المغرب ضحية الموجة الشيوعية التي ضربت المنطقة المغاربية، إبان ستينيات وسبعينيات القرن العشرين، فمن المعروف أن الدولة السوفياتية قد تبنت منذ ظهورها مبدأ حق الأمم في تقرير مصيرها، باعتباره مبدأ أساسيا للتسوية السلمية التي أعقبت الحرب العالمية الأولى، كما أنها كانت تعده أساس سيادتها بصدد القوميات، إذ لا يقوم موقفها في هذا المجال على الدفاع عن مبدأ القوميات، بصورة تقليدية، بل تعطي مبدأ تقرير المصير أساسا أكثر عمقا، حين تقرن مسألة القومية بمسألة التحرر من الاستعباد الأمبريالي، لشعوب المستعمرات والبلاد التابعة. وبما أن المغرب كان يمثل الخيار الليبرالي/الرأسمالي في المنطقة المغاربية، فإنه اعتبر من طرف الإيديولوجية الشيوعية تابعا للأمبريالية، ولذلك فما يصدق على «الأمبريالية» ينطبق على المغرب كذلك. هكذا كانت الحقوق التاريخية والجغرافية للمغرب مستهدفة بقوة من طرف تحالف اشتراكي عالمي، يمتد من أمريكا اللاتينية إلى شمال إفريقيا. وقد استغل هذا التحالف مبدأ تقرير المصير، لتصفية حساباته الإيديولوجية مع المغرب، وقد نجح حقا في قلب الحقائق من خلال النجاح في تزوير مبادئ القانون الدولي، لتحويل المغرب من دولة مستعمَرة (بفتح الميم) تطالب بتقرير مصيرها، إلى دولة مستعمِرة (بكسر الميم) مطالبة من طرف «حركات التحرر» بتقرير مصير «الشعب الصحراوي». لقد أدى المغرب ثمنا غاليا في معاناته مع الأطروحة الانفصالية في أقاليمه الصحراوية، وذلك من منطلق مبدأ تقرير المصير دائما، فجبهة البوليساريو تتخذ هذا المبدأ كشعار لفصل امتداد ترابي مغربي خالص، بمعايير التاريخ والجغرافيا والقانون الدولي، عن الوطن الأم. لكن هذا المبدأ يحضر -كما أسلفنا- من منطلقات قانونية خاطئة، تطالب بتطبيق الشرعية الدولية لكنها تخرقها في نفس الآن، وذلك لأن مبدأ تقرير المصير ارتبط في القانون الدولي بحق الدول/الشعوب المستعمرة من طرف قوى أجنبية في تقرير مصيرها. لكن الصحراويين ظلوا، على امتداد التاريخ، القديم منه والحديث، مواطنين مغاربة كاملي المواطنة، لأن المغرب ليس دولة طارئة على التاريخ بل يمتلك سيادة ومؤسسات لأكثر من إثني عشر قرنا. وطوال هذه القرون، لا يسجل التاريخ أن سكان الصحراء المغربية شكلوا دولة مستقلة عن المغرب، كما لا يثبت التاريخ أن الصحراويين شكلوا يوما شعبا خاصا منفصلا عن المغرب، وذلك لأن المغرب دولة صحراوية في الأساس، أغلب الأنظمة السياسية التي حكمتها ذات أصول صحراوية. إن البوليساريو تطالب بتطبيق مبدأ تقرير المصير من منطلقات غير قانونية، لأن الصحراويين لم يمتلكوا عبر التاريخ دولة منفصلة عن المغرب، كما لم يشكلوا عبر التاريخ شعبا منفصلا عن الشعب المغربي. وعلى خلاف ذلك تماما، فإن مبدأ تقرر المصير ارتبط، في القانون الدولي، بالدول/الشعوب المستعمرة. والقرارات الأمية تؤكد بالواضح والمباشر أنها غير مسؤولة عن أي تأويل لقراراتها، للمس بسيادة الدول وسلامتها الإقليمية واستقلالها السياسي: لا يجوز، بأي حال، تفسير أي جزء من هذا الإعلان على أنه يسمح بأي نشاط يتعارض مع مقاصد الأممالمتحدة ومبادئها، بما في ذلك المساواة في السيادة بين الدول وسلامتها الإقليمية واستقلالها السياسي (الإعلان الأممي 135/47 المؤرخ في 18 دجنبر 1992). إن جبهة البوليساريو تبني مطالبتها بتقرير مصير ما تسميه «الشعب الصحراوي» على أساس جغرافي، باعتبار أن سكان الصحراء المغاربة يتميزون عن سكان الجبال والسهول المغاربة، في أشكال العيش وفي اللهجة وفي العادات والتقاليد... ومن ثم، فهم يشكلون مجموعة بشرية خاصة ضمن سكان المغرب، وهذا ما يؤهلهم -حسب البوليساريو- ليشكلوا شعبا خاصا! لكن لنعتمد هذه المنطلقات الجغرافية للتعامل مع باقي ساكنة المغرب التي تتميز بالتنوع، فهل من هذا المنطلق الجغرافي يمكن لسكان الجبال أن يشكلوا شعبا خاصا داخل المغرب؟ ومثلهم في ذلك، هل يمكن لسكان السهول أن يشكلوا شعبا متميزا؟ إذن، عن أي مغرب نتحدث إذا حذفنا هذه المكونات السكانية؟! وجميع المؤرخين والأنثروبولوجيين يقرون بأن المغرب بلد التنوع السكاني على امتداد أكثر من اثني عشر قرنا (تاريخ نشوء الدولة المغربية)، حيث تعايشت جميع الانتماءات الإثنية واللغوية بسلام وأمن، في احترام تام لكل أشكال الاختلاف، ومن دون أن يثار يوما سؤال الاختلاف من منطلقات انفصالية، وحتى في أحلك اللحظات التاريخية التي مر منها المغرب إبان تقسيمه بين القوى الأمبريالية. هكذا، يبدو أن مطالبة جبهة البوليساريو بتقرير مصير السكان الصحراويين المغاربة، فيها الكثير من التجني على القانون الدولي. ولعل ما عاناه المغرب طوال هذه العقود داخل أروقة الأممالمتحدة، ليس له أي تفسير قانوني مقنع ضمن القرارات الأممية المؤطرة لمبدأ تقرير المصير. نعم، يمكن أن نقر بأن القضية سياسية ذات أبعاد استعمارية، نظرا إلى التاريخ الاستعماري للدولة الإسبانية في منطقة الصحراء، وكذلك ذات أبعاد إيديولوجية، نظرا إلى الصراع الإيديولوجي الذي عرفته منطقة المغرب العربي خلال مرحلة الحرب الباردة بين المغرب، الذي مثل الخيار الليبرالي/الرأسمالي في المنطقة، وبين ليبيا والجزائر اللتين مثلتا الخيار الشيوعي/الاشتراكي. ونظرا إلى هذا التداخل بين الأبعاد الاستعمارية والإيديولوجية، فقد تم تحريف مبدأ تقرير المصير لخدمة أجندة خارجية، إقليمية ودولية، وتم تقديم سكان مغاربة كشعب يطالب بتقرير مصيره، في تحد سافر لروح القانون الدولي. إن ما يجب أن نَعِيَه جميعا هو أن جبهة البوليساريو، في تزويرها للمبادئ الأساسية للقانون الدولي، لا تخدم أجندتها الخاصة لأن قدراتها السياسية لا تمكنها من ذلك، ولكنها تخدم مصالح استعمارية وتوسعية واضحة، إقليميا ودوليا. وهذه المصالح تنبني على أساس استغلال الشرعية الدولية، بدعم من قوى دولية فاعلة، وهذا أمر أصبح طبيعيا الآن في ظل الاستراتيجيات النيوكولونيالية الهادفة إلى تفكيك الدول خدمة لمصالحها. انتهى/