يستقبل مركز تتبع وتحليل الشكايات، التابع لوزارة العدل، يوميا، عددا من المواطنين من مختلف مناطق المغرب، الذين يقصدون العاصمة ليوجهوا شكاياتهم إلى وزير العدل، طلبا للإنصاف وتحقيقا للعدالة، فيأتي هؤلاء من أجل رفع تظلماتهم المتعددة والمتنوعة، سواء تعلق الأمر بتظلم من حكم أو من عدم التنفيذ أو من بطء المسطرة أو اشتكوا من تظلم محام أو موظف أو خبير أو قاض لنقل سجين أو عفو وغيرها من التظلمات. في مدخل المركز، هناك قاعة انتظار متواضعة تؤدي مباشرة إلى موظفين مكلَّفين بالاستماع إلى المشتكين وتتبع العديد من المراحل. قد يبدو للزائر العادي، منذ الوهلة الأولى، أن المكلف بالاستقبال يقوم بعمل تقني ويكتفي بأخذ الشكاية، مكتوبةً، من المواطن رفقة المرفقات وكفى.. غير أن الأمر ليس كذلك، فإن المكلفين بهذه المهمة هم منتدبان قضائيان يسهران على استقبال شكاوى الناس ولقائهم والاستماع إليهم. ولعل هذا المكان يعتبر أكثر أهمية لأنه فيه تمارَس عملية التواصل، بشكل يومي، مع مختلف المواطنين من مدن مختلفة، ويسعى هذان المنتدبان إلى فهم إشكالية وتفاصيل النزاع. يقول عبد المجيد وديعي: «نبذل جهدا من أجل الاطلاع على الوثائق وتكون الصعوبة أكثر عندما يكون المشتكي غير متعلم، فنستخرج بمجهودنا الشخصي التظلم ونتبع المسطرة المخصصة للشكايات». بناء على العديد من المعطيات والوثائق، يفهم مستقبِل الشكاية حكايةَ النزاع ونوعَه، فيكون فكرة عامة، فيقوم بتحرير موجز لتظلم المشتكي ويحدد نوع هذا التظلم: هل يتعلق، مثلا، بتظلم من حكم مدني أو عقاري أو زجري. ولعل اختلاف لغات الناس وشخصياتهم، يتطلب من المكلف بمهمة الاستماع تكوينا مستمرا في تقنيات التواصل وأن تكون لديه دراية بعلم الاجتماع وعلم النفس وله إلمام باللغات، وأحيانا، بتعدد اللهجات المغربية، لتواصل أحسن. وتوضح حياة النوالي أن المشتكي، عندما يتوجه إلى وزارة العدل، فإن هدفه هو طلب الحماية منها، بشأن تظلم تعرض له، موضحة أن الاستماع إلى المشتكي يتطلب القدرة على الصبر وحسن الاستماع والسهر على راحة المتظلم، لأنه يشعر بأنه مورس في حقه الظلم وأنه يقصد الوزارة لرفع الحيف الذي لحق به، وهذا يتطلب المزيد من الجهد من أجل الإنصات إليه، بشكل أفضل، حتى يسترجع الثقة التي قد يكون فقدها لدى بعض المؤسسات، وحتى يشعر بالاطمئنان. تقول النوالي: « يكون العديد من المشتكين في حاجة إلى من ينصت إليهم، وقد يستغرق ذلك وقتا طويلا، لكن هدفنا هو أن يجد المشتكي عندنا حسن الاستقبال». ما يخفف عن «حياة» عناء الاستماع اليومي إلى تظلمات المواطنين هو دعواتهم الطيبة التي يقدمونها، عرفانا لها بحسن إنصاتها وبالتوجيهات التي تقدمها لهم. كما يستقبل المركز الأجانب، على تعدد لغاتهم، الذين يقصدونه من أجل التقدم بشكاواهم، فيسعى المشرفون عليه إلى الاستعانة ببعض أطر الوزارة، في حالة ما إذا لم يكن الأجنبي يعرف اللغتين العربية أوالفرنسية. مطالب غريبة... يقال: «الشكل باب العدل»، فبعد المحطة الأولى، المتمثلة في استقبال الشكاية وتسجيلها، تكون القراءة الأولى والتي تركز على ما إذا كانت الشكاية من اختصاص الوزارة. ومن بين الأسئلة التي تعتبر في مسار الشكاية، معرفة ما إذا كانت القضية مطروحة على المحاكم، وهل يتم التدخل فيها؟ وفي حالة عدم عرضها، يتم توجيه النصح للمشتكي، برفع دعوى قضائية في الملف، وهو ما يعني أن الشكاية تم حفظها من لدن الوزارة، حسب ما أكده محمد الصغير، رئيس مصلحة تتبع الشكايات. ولعل من بين الأمور التي يحرص عليها الذين يقومون بتحليل الشكاية معرفة ما إذا كانت هناك شكاية سابقة في الموضوع نفسه، من أجل العمل على ضمها، درءا لكل تكرار قد يحصل، وبهدف التخفيف من قضايا الضم. وتكون المراقبة الأولية هي الموافقة في اتجاه الشكاية التي تم إعداد بطاقة تعتبر بمثابة «الحالة المدنية للشكاية». وبعد القرار الأخير في موضوعها، تكون تلك لحظة وفاة الشكاية، حسب تعبير لحسن بيهي، رئيس مركز تتبع وتحليل الشكايات. فتقدم الأجوبة للمعنيين بالأمر، حيث يحرص المركز على توفير الأجوبة للمشتكين وإرسالها لهم عبر العناوين البريدية الخاصة بمقر سكانهم، ضمانا لتواصل أفضلَ مع المواطنين. ولا يألو الساهرون على شؤون المركز عن توجيه رسائل للمشتكين، في حالة ما إذا كانت هناك معطيات غائبة، من أجل إتمام الملف أو أن بعض المطالب الخاصة بهم ليست من اختصاص الوزارة، كأن يطلب المشتكى مثلا، تمكينَه من «أكريما» وغيرها من المطالب الغريبة، حسب قول رئيس المركز. وتقدَّم النسبة الأكبر من هذه الشكايات المتعددة والمتنوعة، الواردة على المركز، بشكل مباشر، ويراهن المركز على الشكايات الإلكترونية، خاصة أنه واكب التطورات التكنولوجية، عبر إحداث البوابة الإلكترونية، فأصبحت ترِد عليه الشكاوى الإلكترونية، والتي يصل معدلها إلى حوالي 250 شكاية، في ظرف شهرين، تخص نسبة منها الجالية المغربية، حسب ما أكده بوشعيب فليح، مهندس دولة، المشرف على البوابة الإلكترونية. ويأمل فليح أن يلجأ المواطنون إلى استخدام الأنترنت كوسيلة لإبلاغ شكاياتهم، مشددا على أنها تنال العناية اللازمة وتوفر على المشتكي عناء التنقل إلى مقر الوزارة.