تشهد الساحة السياسية المغربية في الآونة الأخيرة مظاهر توتر متزايد داخل التحالف الحكومي، أبرزها المواقف الصادمة لحزب الاستقلال، والتي أثارت العديد من التساؤلات حول تماسك الأغلبية ومدى قدرتها على الاستمرار حتى نهاية الولاية. ففي خطوة غير متوقعة، دخل الحزب العريق بقيادة أمينه العام نزار البركة، مضمار الخطاب النقدي ضد الحكومة، مستهدفًا سياساتها الاجتماعية والاقتصادية، وعلى رأسها ملف الغلاء وتدبير الدعم المالي، إضافة إلى اختلالات البرامج الموجهة للفئات الهشة. هذا التحول المفاجئ في خطاب حزب الاستقلال، والذي تجسد في خروج نزار البركة بقوة خلال عدد من اللقاءات الحزبية، كشف عن تباين عميق في الرؤى داخل الأغلبية، خاصة بين حزب الاستقلال والتجمع الوطني للأحرار الذي يقود الحكومة. البركة، الذي لا يزال يشغل حقيبة وزارية محورية (التجهيز والماء)، بدا وكأنه يخلع جلباب الوزير ليرتدي عباءة المعارض، مطلقًا رسائل مشفرة وصريحة في آن، تنم عن خلافات بنيوية تتجاوز مجرد تباين في وجهات النظر. ويبدو أن علاقة نزار بركة برئيس الحكومة عزيز أخنوش أصبحت أكثر برودة، في ظل ما يصفه مراقبون ب"الضغط الممنهج" الذي يتعرض له كوزير، خاصة من قبل برلمانيين ينتمون لحزب الأحرار، الذين قاطعوا أنشطته الميدانية في أكثر من جهة. كما يشير البعض إلى أن التأخير في تنفيذ اتفاقيات التنمية القروية، والتهميش في تدبير ميزانية صندوق التنمية القروية، كلها مؤشرات على تصدع العلاقة داخل الجهاز التنفيذي. ويرى خبراء في الشأن السياسي أن هذه التصريحات لا تُعد تعبيرًا نزيهًا عن انشغال حقيقي بمعاناة المواطنين، بقدر ما تعكس استراتيجية حزبية محكمة تهدف إلى خلق مسافة سياسية من حكومة أخنوش، تحضيرًا للانتخابات المقبلة. البركة، حسب هؤلاء، يدرك جيدًا أن فشل الحكومة قد ينعكس سلبًا على صورة حزب الاستقلال، لذلك اختار التموضع في منطقة رمادية تتيح له انتقاد السياسات العامة دون الخروج رسميًا من التحالف. هذا التموضع، وإن بدا تكتيكيًا، يُعد سابقة سياسية لافتة، حيث لم يسبق أن هاجم وزير في الحكومة أداءها من داخلها بهذا الشكل العلني. فقد اعتبر البركة، في خطاب لافت من قلب قرية "حد ولاد فرج"، أن الحكومة دعمت استيراد القطيع في عيد الأضحى ب500 درهم للرأس، ليُباع لاحقًا للمواطنين بأضعاف ثمنه، ما يمثل – برأيه – دعمًا غير مباشر للمضاربين والسماسرة. ولم يتوقف بركة عند هذا الحد، بل دعا خلال دورة المجلس الوطني لحزبه إلى وقف استنزاف الطبقة المتوسطة، التي وصفها بالعمود الفقري للمجتمع، مطالبًا بإجراءات عاجلة للحفاظ على قدرتها الشرائية وسط موجة ارتفاع الأسعار التي مست المواد الأساسية، من اللحوم إلى الزيتون. من جهة أخرى، أطلق حزب الاستقلال في يناير الماضي حملة موجهة للشباب والعمل التطوعي، تستمر طيلة سنة 2025، في مؤشر على رغبته في استعادة زخمه الشعبي واستقطاب قواعد جديدة. ويقرأ المتابعون هذه الحملة باعتبارها جزءًا من خطة تعبئة مبكرة تمهد لاستحقاقات 2026، وربما تُذكّر بتجربة الحزب في انتخابات 2002، حينما اختار التموضع إلى جانب المعارضة لإعادة التموقع بعد مغادرته حكومة اليوسفي. وبينما يُتوقع أن يعيد حزب "الميزان" ترتيب أوراقه، وربما بناء تحالفات مع أحزاب ذات مرجعية قريبة منه مثل العدالة والتنمية والحركة الشعبية والاتحاد الاشتراكي، إلا أنه من المرجح أن يتجنب تكرار سيناريوهات صدامية كتلك التي عرفها الحزب في عهد حميد شباط. أما على مستوى الأداء الحكومي، فإن الورقة السياسية لرئيس الحكومة عزيز أخنوش بدأت تفقد بريقها، خاصة في ظل فشل حكومته في السيطرة على الأسعار، وتزايد شعور فئات واسعة من المواطنين، خصوصًا ذوي الدخل المحدود، بالتخلي عنهم في وجه مضاربات السوق وشركات التوزيع. وفي هذا السياق، يعتبر البعض أن إعلان إلغاء أضحية العيد هذا العام – ولو بشكل غير مباشر – هو بمثابة "شهادة فشل" لحكومة أخنوش. كل هذه المؤشرات تضع التحالف الحكومي أمام مفترق طرق حاسم، حيث تتزايد الفرضيات حول احتمالية انسحاب حزب الاستقلال من الحكومة، أو على الأقل اتخاذه موقفًا أكثر جرأة في مواجهة حزب الأحرار. كما لا يُستبعد أن نشهد خلال 2026 إما انهيار التحالف القائم، أو الذهاب نحو حكومة وحدة وطنية لمواجهة التحديات الكبرى التي تعرفها البلاد على المستويين الداخلي والخارجي. في نهاية المطاف، يظل المشهد السياسي مفتوحًا على سيناريوهات متعددة، تتراوح بين إعادة تشكيل الأغلبية، وتوسيع المعارضة. وما بين خطاب نقدي يُخفي نوايا انتخابية، وصراع خفي داخل الأغلبية، يبدو أن المرحلة المقبلة ستشهد تحولات جذرية في ميزان القوى السياسي بالمغرب.