إطلاق رصاص لتحييد خطر كلب شرس خلال توقيف مجرمين    هذه توقعات أحوال الطقس اليوم الأحد    المغرب التطواني ينتصر على الوداد الرياضي برسم ثمن نهائي كأس العرش    إصابة أربعة أشخاص في حادث اصطدام سيارة بنخلة بكورنيش طنجة (صور)    الاتحاد الإسلامي الوجدي يقصي الرجاء    منتدى يدعو إلى إقرار نموذج رياضي مستدام لتكريس الريادة المغربية    اعتصام ليلي بطنجة يطالب بوقف الإبادة الإسرائيلية في قطاع غزة    مأساة بحي بنكيران.. وفاة فتاة يُرجح أنها أنهت حياتها شنقاً    بلاغ جديد للمنظمة الديمقراطية للصحة – المكتب المحلي للمركز الاستشفائي الجامعي ابن سينا – الرباط    في مباراة مثيرة.. الاتحاد الوجدي يُقصي الرجاء ويتأهل لربع نهائي كأس العرش    يوم غضب أمريكي تحت شعار "ارفعوا أيديكم".. آلاف الأميركيين يتظاهرون ضد ترامب في أنحاء الولايات المتحدة    "لن أذهب إلى كانوسا" .. بنطلحة يفضح تناقضات الخطاب الرسمي الجزائري    توقيف أربعيني بطنجة روج بمواقع التواصل لعمليات وهمية لاختطاف فتيات    أمن طنجة يفند أخبار اختطاف فتيات    حركة حماس تشيد بموقف المهندسة المغربية ابتهال أبو سعد واصفة إياه ب"الشجاع والبطولي"    باريس سان جرمان يحرز بطولة فرنسا    طنجة تتصدر مقاييس الأمطار المسجلة بالمملكة خلال ال 24 ساعة الماضية.. وهذه توقعات الأحد    طنجة .. وفد شبابي إماراتي يطلع على تجربة المغرب في تدبير قطاعي الثقافة والشباب    برشلونة يسقط في فخ التعادل أمام ريال بيتيس    هذا ما يتوقعه المغاربة من المعطي منجب؟    المغرب يرسخ مكانته كحليف تاريخي و إستراتيجي في مواجهة سياسة ترامب التجارية    فرنسا: خسائر ب15 مليار دولار بسبب التعريفات الجمركية الأمريكية    الدار البيضاء تستحضر ذكرى 7 أبريل 1947.. محطة مشرقة في مسار الكفاح الوطني والمقاومة    تحالف استراتيجي بين الموريتانية للطيران والخطوط الملكية المغربية يعزز الربط الجوي ويفتح آفاقًا جديدة للتعاون الإفريقي    جهة الداخلة وادي الذهب تستعرض تجربتها التنموية في المنتدى العالمي السادس للتنمية الاقتصادية المحلية    العودة إلى الساعة الإضافية وسط رفض واستياء واسع بين المغاربة    الفكر والعقل… حين يغيب السؤال عن العقل المغربي في الغربة قراءة فلسفية في واقع الجالية المغربية بإسبانيا    الأسرة الكروية المغربية تودّع محسن بوهلال بكثير من الحزن والأسى    دعم الدورة 30 لمهرجان تطوان لسينما البحر الأبيض المتوسط ب 130 مليون سنتيم    أداء أسبوعي خاسر ببورصة البيضاء    رحلة ترفيهية في القطب الجنوبي تقيل نائب الرئيس الإيراني    فيديو يوثق استهداف إسرائيل لمسعفين    انطلاق الدورة الربيعية لموسم أصيلة الثقافي الدولي بمشاركة فنانين من سبع دول    الفئران قادرة على استخدام مبادئ الإسعافات الأولية للإنعاش    دعوات للمشاركة المكثفة في مسيرة "الرباط الوطنية" للتنديد بالمحرقة المرتكبة في غزة    سفير جمهورية السلفادور: المملكة المغربية تعد "أفضل" بوابة للولوج إلى إفريقيا    عرض مناخ الأعمال وفرص الاستثمار في المغرب خلال ملتقى بباريس    خبراء "نخرجو ليها ديريكت" يناقشون موضوع انتشار الوسطاء والشناقة داخل الأسواق    حصيلة الزلزال في بورما تتجاوز 3300 قتيل    وكالة الأمم المتحدة للتجارة والتنمية: النظام التجاري العالمي يدخل مرحلة حرجة مع فرض الولايات المتحدة رسوما جمركية جديدة    'مجموعة أكديطال': أداء قوي خلال سنة 2024 وآفاق طموحة    ماذا بعد استقبال مجلس الشيوخ الفرنسي لحكومة جمهورية القبائل؟    الركاني: من يدعم فلسطين توجه له تهم جاهزة وعواقب وخيمة ستلاحق كل من تواطئ لجعل غزة مسرحا للجريمة    في قلب باريس.. ساحة سان ميشيل الشهيرة تعيش على إيقاع فعاليات "الأيام الثقافية المغربية"    "نفس الله" عمل روائي لعبد السلام بوطيب، رحلة عميقة في متاهات الذاكرة والنسيان    شركة "رايان إير" تُسلّط الضوء على جوهرة الصحراء المغربية: الداخلة تتألق في خريطة السياحة العالمية    بحضور عائلتها.. دنيا بطمة تعانق جمهورها في سهرة "العودة" بالدار البيضاء    الوزيرة السغروشني تسلط الضوء على أهمية الذكاء الاصطناعي في تعزيز مكانة إفريقيا في العالم الرقمي (صور)    الوديع يقدم "ميموزا سيرة ناج من القرن العشرين".. الوطن ليس فندقا    تكريم المغرب في المؤتمر الأوروبي لطب الأشعة.. فخر لأفريقيا والعالم العربي    دراسة: الفن الجماعي يعالج الاكتئاب والقلق لدى كبار السن    دراسة: استخدام المضادات الحيوية في تربية المواشي قد يزيد بنسبة 3% خلال 20 عاما (دراسة)    خبراء الصحة ينفون وجود متحور جديد لفيروس "بوحمرون" في المغرب    العيد: بين الألم والأمل دعوة للسلام والتسامح    أجواء روحانية في صلاة العيد بالعيون    طواسينُ الخير    تعرف على كيفية أداء صلاة العيد ووقتها الشرعي حسب الهدي النبوي    الكسوف الجزئي يحجب أشعة الشمس بنسبة تقل عن 18% في المغرب    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



حوار مع الاقتصادي المغربي إدريس الكراوي أمين عام المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي
نشر في الاتحاد الاشتراكي يوم 01 - 03 - 2014

كيف يمكن للاجتهاد في الاقتصاد أن يوفر عوامل التحديث والتأهيل ويؤمّن مستلزمات الرفع من الفعالية العامة للاقتصاد والمجتمع؟ وماهي السبل الكفيلة باحتواء الأبعاد الاجتماعية للتحديث الاقتصادي؟ ثم ماذا عن النظام الاجتماعي الذي يطرحه الدستور الجديد للمغرب؟ هل من الممكن التوفيق بين الليبرالية الاقتصادية والتماسك الاجتماعي لتحقيق التنمية المستدامة دون إشراك المجتمع المدني في هكذا مَسعى؟ إذن كيف يمكننا توسيع فضاء الحوار المدني، وإشراك الشباب في هذا الحوار، لترسيخ حكامة ديمقراطية تشاركية في بلادنا؟
هذه الأسئلة اقترحها ياسين عدنان أرضية لنقاش معرفي تم بثه على شاشة القناة الأولى من خلال برنامجه مشارف. وهو الحوار الذي دعا له عدنان رجل اقتصاد من عيار ثقيل هو الباحث في العلوم الاقتصادية والاجتماعية الدكتور إدريس الكَراوي الذي راكم العديد من الدراسات، وتحمل العديد من المسؤوليات أيضا. عضو الكتابة العامة للمجلس الوطني للشباب والمستقبل سابقا. مستشار سابق مكلف بالقطب الاجتماعي لدى الوزير الأول: عبد الرحمان اليوسفي، ثم إدريس جطو، فعباس الفاسي. رئيس جهة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا للمجلس العالمي للعمل الاجتماعي. وطبعا أمين عام المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي.
مع تعقد المسألة الاقتصادية اليوم في ظل العولمة المتنامية وهذا الانفتاح والتحرير الاقتصاديين غير المتحكم فيهما، ألا ترى أننا صرنا اليوم أحوج من أي وقت مضى إلى الاجتهاد لكي نحقق الأمن الاقتصادي في بلادنا، ثم لكي نحتوي الأبعاد الاجتماعية للتحديث الاقتصادي. أستحضر هنا كتابك حول «الاجتهاد الاقتصادي» وأنا أطرح عليك هذا السؤال: كيف يمكن للاجتهاد في الاقتصاد أن يؤمّن مستلزمات الرفع من الفعالية العامة للاقتصاد والمجتمع؟
الفعالية العامة للاقتصاد والمجتمع تقاس اليوم بمدى قدرة الأمم على خلق الثروة . لأن الاقتصادات الوطنية والتجمعات الجهوية أصبحت خلال العقد الحالي من هذا القرن أمام تحدي كبير توفر على الموارد الضرورية لتمويل النمو الاقتصادي والتضامن الاجتماعي داخل مناخ يشهد بصفة متنامية احتدام الضغط على الطلب الاجتماعي وكذا الاستثمار المنعش للشغل من جهة وندرة الموارد من جهة أخرى.
فمحددات الاستجابة لهذا التحدي لم تعد رهينة بتوفر بلد معين على عوامل الانتاج التقليدية، بل على الذكاء الاقتصادي واليقظة الاستراتيجية . وهذا التوجه أضحى اليوم رهينا بدور وبقدرة الامم على التثمين الأمثل لنبوغها الوطني من خلال قدرتها على تطوير اقتصاد المعرفة ونظم الابتكار وإصلاح منظومة التربية والتكوين والتطوير الارادي والبحث العلمي في شتى تجلياتها.
لأن اقتصادنا الوطني ولج عمليا مرحلة النُّدرة: من ندرة الموارد المائية والطبيعية حتى ندرة الموارد البشرية المؤهلة. وتبقى الفلاحة ربما الأكثر تضررا في هذا الإطار. ولأنك ألفتَ كتابين حول الفلاحة والتنمية في المغرب، أريد أن أسالك كيف يمكن للمغرب أن يدبِّر ندرة المياه وإشكالية الجفاف وظاهرة عدم الاستقرار المناخي في ظل غياب نظام قارّ للتضامن والتأمين في هذا المجال؟
إن ما يميز اقتصاديتنا ومجتمعاتنا اليوم هو أنها بالفعل دخلت مرحلة الندرة في مفهومها الشامل، أي ندرة الموارد الطبيعية من ماء وطاقة وأراضي صالحة للزراعة ومراعي وغابات وثروات سمكية، وكذا ندرة الموارد البشرية النوعية ذات الأهلية والكفاءة العالية، وكل هذا في ظل تنوع المخاطر واحتدام التقلبات الفجائية للأسواق وتطور الكوارث الطبيعية وتنوع أشكالها وتسارع دوريتها. وكل هذه العوامل بقدر ما تؤدي إلى صعوبة التحكم المسبق في انعكاساتها، بقدر مابدأت تحث الحكومات على بلورة أنظمة وطنية للتأمين والوقاية واليقظة والتخزين الاحتياطي وكذا إلى ابتكار أشكال جديدة من أنماط الانتاج والتبادل و التدبير قوامها الضبط الاستباقي واليقظة الاستراتيجية.
طبعا الفلاحة كغيرها من القطاعات الاقتصادية في المغرب مفتوحة بدورها على رهانات التحديث. وأولى مظاهر هذا التحديث تتجلى في بروز جيل جديد من المقاولين خصصتَ لهم أنت والأستاذ محمد نور الدين أفاية دراسة مهمة. سؤالي سيكون عن سلوكات هذه النخبة الاقتصادية الجديدة: هل تحس بأنهم بدؤوا يحدثون قطيعة مع الصورة الشائعة عن أرباب العمل التي تصورهم كنافذين يتغذون بالقرب من السلطة ويراهنون على الريع والمحسوبية أكثر مما يراهنون على المنافسة؟ أم أن نخبتنا الاقتصادية الجديدة بدأت تتشبع بروح المواطنة والمسؤولية الاجتماعية؟
ما يمكن قوله بهذا الصدد هو أولا الاقرار بأن المغرب يعرف، بالفعل، على صعيد الحقل الاقتصادي والانتاجي بزوغ وتطور نخب اقتصادية جديدة، وأن هذا الواقع تواكبه تحولات نوعية عميقة على صعيد سلوكات هذه النخبة رغم أن هذه السلوكات ليست سائدة على صعيد كل مكونات النخبة الاقتصادية.
وهذا التطور يتوجه نحو التشبع بقيم الاستحقاق والمبادرة والمخاطرة والمنافسة الحرة النزيهة والوطنية الاقتصادية والمواطنة والمسؤولية الاجتماعية والبيئيية والمجتمعية الرامية كلها إلى احترام فعلية الحقوق الاقتصادية والاجتماعية الاساسية داخل المقاولة، وإلى تحديث العلاقات المهنية وإلى تغليب التعاقد والحوار، والتشاور داخل المقاولة.
سألتك عن هذه النخب لأن تحديثها، إلى جانب تحديث الإدارة، هو الذي يمكنه أن يفتحنا على نموذج مغربي للتنمية. وعندنا نماذج تنموية نجحت من نفس محيطنا الإسلامي مثل ماليزيا. وأنت والأستاذ أفاية توقفتما عند تحليل «غي صورمان» الذي أشاد باستثمار الماليزيين الجيد للإسلام بوصفه عاملا اقتصاديا يؤسس لأخلاقيات العمل، فيما انتقد الصيغة الإقطاعية التي يتم فهم الإسلام بها في المجتمع العربي. يعني هنا واضح أن الاقلاع الاقتصادي مرتبط عضويا بالتحديث الفكري والثقافي؟
حالة ماليزيا وكذا أندونيسيا تظهر بما لا يدع مجالا للشك، وكما يؤكد على هذا كي صورمان، بأن الإسلام ليس نقيضا للديمقراطية وللتنمية، بل على العكس من ذلك هنالك في القيم الإسلامية ما يدعو إلى المبادرة والابتكار والمنافسة النزيهة والاحتكام إلى العمل والعلم والاستحقاق وإلى تخليق الاقتصاد، وكلها قيم في صلب التجربة الماليزية والاندونيسية وغيرها من الدول الاسلامية التي نجحت في بناء وتطوير نظم للإنتاج سماتها التحديث الاقتصادي والفعالية العامة للمجتمع.
إلا أن هذه التجارب تبين، كذلك، أن التحديث الاقتصادي دائما ما تحضره نخب متنورة، متشبعة بروح العصر، منفتحة على أجود وأرقى وأنبل وأسمى ما تنتجه الحضارة الانسانية . وهذه النخب الثقافية والعلمية كانت دائما حاملة لمشعل التنوير والتحديث والإصلاح. وعادة ماكانت اهتماماتها تتقاطع مع النخب السياسية والاقتصادية والمدنية في المجتمع لما لها من آثار على مسار شعوبها.
طبعا رهان الاقلاع الاقتصادي يجب ألا ينسينا واجب التنمية الاجتماعية وضمان حد أدنى من الحماية الاجتماعية للمغاربة. وفي هذا الإطار أريد أن أعرف هل يمكننا اليوم أن نتحدث عن نموذج اجتماعي مغربي؟ وإذا كان الجواب بالإيجاب، فما هي معالم السياسة الاجتماعية العمومية في بلادنا؟
النموذج الاجتماعي هو منظومة تشمل مجموعة من الحقوق الاساسية تتعلق بمختلف جوانب العمل الاجتماعي والتضامني، هدفها توفير حد أدنى للعيش يسمح بتلبية الحاجيات الاساسية المتعارف عليها مجتمعيا.
وهذه المكونات هي الحق في التربية والتكوين ، والصحة، والسكن، والتغذية، والشغل اللائق، والتغطية الصحية، والتقاعد، والتعويض عن فقدان الشغل والرعاية الاجتماعية لفائدة الأرامل، والأشخاص المسنين، والأشخاص في وضعية إعاقة والأطفال المتخلى عنهم.
ومن هذا المنظور يصح لنا القول بأن المغرب يتوفر بالفعل على نموذج اجتماعي متكامل يشمل العديد من البرامج في عدة مجالات مرتبطة بالعمل الاجتماعي والتضامني.
لكن هذا النموذج لا يغطي كافة الفئات والحاجيات والمناطق، خاصة تلك المتواجدة في الوسط القروي والمناطق الجبلية وهوامش المدن والقطاع غير المهيكل.
وبالتالي لازالت تعتري هذا النموذج أوجه مختلفة من العجز والاختلالات.
أنا طرحت السؤال لأننا إزاء مفارقات كبرى في هذا الباب: الحكومة تخصص أكثر من نصف ميزانيتها العامة للبرامج ذات الطابع الاجتماعي ومازالت غير قادرة على مواجهة العجز الاجتماعي في الصحة والتعليم والسكن؟ المبادرة الوطنية للتنمية البشرية من 2005 وهي تتواصل بشكل دؤوب، ومع ذلك مازال المغرب لم يحقق أي تقدم يذكر في سُلّم التنمية البشرية عالميا. كيف تفسر هذا الوضع؟
بالفعل تخصص السياسات العمومية الموجهة للقطاعات الاجتماعية مايفوق عن 50 بالمئة من الميزانية العامة للدولة لكن ترتيب المغرب داخل المنظومة الدولية في مجال التنمية البشرية لا يرقى إلى مستوى هذا المجهود العمومي الهام.
وهذا راجع إلى عدة عوامل من ضمنها:
- انعدام قيادة مؤسسة موحدة للسياسات والبرامج الاجتماعية مما له عواقب على تجانسها والالتقائيتها والتنسيق بين مكوناتها مما يتسبب في هدر للموارد المالية البشرية؛
- عدم نجاعة استهداف الفئات الفقيرة والمحتاجة فعليا؛
- ضعف الشراكة بين الدولة والمجتمع المدني والقطاع الخاص في مجال العمل الاجتماعي والتضامني؛
- ضعف المراقبة والتقييم والتتبع والمحاسبة
طبعا لا يجب أن ننسى أننا نطرح قضايا الاقتصاد والمجتمع في وضع غير مستقر. لأن المجتمع المغربي والعربي يمور بالتحولات: تحولات نوعية، ويعرف ظهور جيل جديد من الظواهر الاجتماعية، ويشهد دينامية يراها البعض ربيعا و يتصورها البعض الآخر خريفا. لهذا يهمني أن اعرف ما إذا كان الفاعل السياسي في بلادنا قد بلور استراتيجية للتعاطي مع هذه التحولات، ام انه ما زال يراقب الوضع فقط ويدبر الازمات برؤية يومية؟
الفاعل السياسي منشغل بالسياسة في مفهومها التقليدي. فمعظم الأحزاب السياسية لا تتوفر على أجهزة للدراسات والأبحاث رغم توفر البعض منها على كفاءات عالية في الجامعة ومراكز البحث والإدارات العمومية والمؤسسات المالية وغير المالية ، وذلك لفهم التحولات الاجتماعية النوعية التي يعرفها المجتمع .
كما أنها لا تتوفر على مراكز يعهد إليها المتابعة العلمية للاشكاليات والتحديات الكبرى المطروحة على بلادنا، كأساس لوضع البرامج الانتخابية ولمواكبة العمل داخل البرلمان والجماعات المحلية التي يتواجد داخلها ممثلوها.
وما يجري على الحقل السياسي المغربي يلاحظ على صعيد العالم العربي. وهذا ما يؤدي إلى عدم استثمار الأحزاب السياسية لنتائج البحث العلمي والدراسات الاقتصادية والاجتماعية المتوفرة لدى الجامعات ومراكز البحث الوطنية. مما يضيع عليها فرص تطوير خبرتها الداخلية وجعلها في خدمة فهم التحولات واقتراح البدائل الملائمة.
لكن الفاعل السياسي ليس هو الحزب فقط. إذ ماذا عن الدولة؟ مثلا مؤسسة مثل (المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي) الذي تشغل منصب أمينه العام، وأيضا هيئة مثل (المجلس الاستشاري للشباب والعمل الجمعوي) الذي نص عليه الدستور الجديد، هذه فضاءات وسائطية مهمة توسِّع مجال الحوار المدني وتطوِّر الديمقراطية التشاركية في بلادنا؟
التجربة التي أفرزتها مؤسسة دستورية مثل المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي تظهر أن بلادنا كانت في حاجة ماسة إلى فضاءات لتطوير الممارسات الجيدة في مجال الديمقراطية التشاركية.
ويرجع هذا الواقع إلى قدرة الحوار والانصات الواسع والتشاور مع الفاعلين والقوى الحية للمجتمع المدني المنظم لتقريب وجهات النظر لكل مكونات المجتمع حول الاصلاحات والجوهرية والقضايا الكبرى للأمة في أفق بناء تعاقدات اجتماعية كبرى.
فهذه الفضاءات تقوي الرابط الاجتماعي وتطور المقومات الاساسية للعيش المشترك، مساعدة بهذا تملك المجتمع للتعددية اللغوية والدينية والعقائدية والاجتماعية، و تسلحا بالمبادئ والسلوكات المبنية على المقاربات الهادئة والسليمة والديمقراطية لمعالجة الخلاف والاختلاف والتنوع والصراعات جاعلة من التسامح والاعتراف بالآخر والتعايش بين الاديان والحضارات والثقافات والمذاهب والنماذج التنموية إيمانا راسخا واخيارا انسانيا قارا.
وإني على يقين تام أن الهيئات الدستورية الاستشارية الأخرى التي نص عليها الدستور الجديد كالمجلس الاستشاري للشباب والعمل الجمعوي ستساهم في تقوية هذا الصرح المؤسسي الضروري لبناء مجتمع متشبع بمبادئ ومقومات النظام الديمقراطي ببلادنا.
ولقد استطاع المغرب أن يحقق استقراره السياسي لأنه عزز مؤسساته منذ أواخر التسعينات وأمّن وسائل المناعية السياسية بفعل الإصلاحات التي قام بها.
لأنه كلما وسّعنا المشاركة أكثر وفتحنا المجال للمجتمع المدني نكون عمليا قد أعطينا الفرصة للشباب الذي يتحرك في الفضاء الجمعوي أكثر مما يتحرك في الفضاء السياسي الحزبي. وهذا سيقودنا في آخر سؤال إلى الكتاب الذي ألفته مع نور الدين أفاية حول«الشباب والالتزام». وسؤالي هو: كيف تتصور دور الشباب في صناعة التحولات في بلادنا بعد الربيع العربي؟
كما سبق لي أن وضحت هذا في مناسبات سابقة تظهر كل الدراسات خلاصة مفادها أنه كلما تحركت المؤسسات في اتجاه الشباب كلما انخرط الشباب داخل هذه المؤسسات. ومعنى هذا انه كلما عرضت على الشباب فكرة أو قضية أو مشروع جاد وجدي وواعد كلما تملكها الشباب وجعلو منها قضيتهم ومشروعهم. إلى الشباب المغربي يمر بمرحلة دقيقة تتميز بتطور مذهل وسريع للمهارات والتكنولوجيات ومختلف أنواع النبوغ والذكاء واليقظة، وكذا بتنوع المخاطر والتحديات. لدى علينا أن نعي وشبابنا أكثر أن العالم سوف لن ينتظرنا. ومن هنا تأتي أهمية زرع وتطوير ثقافة الفعل والمشاركة لدى الشباب، هذا الشباب الذي مدعو اليوم أكثر من أي وقت مضى إلى المساهمة في الحركات الثقافية والعلمية والابداعية والمدنية والسياسية الكونية.
فالمؤسسات التي تؤطر الشباب وعلى رأسها الأسرة والمدرسة والحزب السياسي ووسائل الاعلام الحديثة مطالبة اليوم كل واحدة من موقعها أن تنبذ ثقافة العدمية والتيئيس والاحباط وبعبارة أخرى ثقافة الموت وأن تطور ثقافة الأمل والمبادرة والخلق والابداع والابتكار والمسؤولية والمشاركة وبعبارة أخرى ثقافة الحياة. فهذه الثقافة مدعوة أن تمزج بين قيم الحقوق والواجبات، ثقافة تعترف بالشباب وتتق فيهم، ثقافة حداثية عصرية وديمقراطية تنور العقول وتفتح الآفاق للشباب وتطور نبوغهم وذكائهم وتقوي مشاركتهم في بناء مستقبلهم من خلال إسهامهم في تنمية بلادهم.
وهذا ما يتطلب حكامة جديدة للحقل الشبابي قوامها معرفة قضايا الشباب، الاستثمار في الشباب، الانصات إلى الشباب، إشراكهم في العملية التنموية، تم تنظيمهم مؤسسيا ضمانا لتحويلهم إلى نخب المستقبل.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.