إدريس أحد الكتاب كتب بأنه يلهو في فرنسا ويكد في ألمانيا وينام في تركيا ويتجدد في سويسرا. المهدي هذا كاتب متحامل لا يمكن أن يكون إلا أمريكيا.فالأمريكيون وحدهم يشبهون الجمل: يرون حدبات الآخرين ولا يرون حدبتهم هم. إدريس ويل لمن لا يرى لا حدبته ولا حدبات الآخرين المهدي هذه حال الميؤوس منه،وأنا أخمن لمن تشير يا أستاذ.وأنا دعوتك –بالضبط- يا أستاذ إلى سويسرا لأن ثمة حساب أحسبه هذه الأيام،و لا أريد أن أحسبه وحدي... حتى لا يبقى لي –كما يقول المثل المغربي - الشائط. إدريس هل ما يتردد عن قرب عودتك إلى البلد صحيح؟ المهدي هذا أمر محسوم.ولكن العودة فيها وفيها. إدريس يعني؟ المهدي أنا بصدد إعادة التفكير في التجربة كلها-تجربة البلد وتجربة الحزب وتجربتنا جميعا...وأنوي كتابة تقرير في هذا الصدد.تقرير أقدمه إلى مؤتمر الحزب القادم. إدريس نقد ذاتي...يعني. المهدي كلمة النقد الذاتي كبيرة جدا.لنقل بالفرنسية C‘est une mise en Equation إدريس في هذه الحالة لا يجب أن تخشى الشائط...ولكن الناقص. المهدي: يعني؟ إدريس أنا أنظر إلى الأمور بمنظار المؤرخ، وأرتب الوقائع والأحداث –بالتالي- في منظور تسلسلها الضمني وليس الظاهري.فالمهم هو اكتشاف الاتجاه العام وليس البحث عن التبرير.فنحن –المغاربة بل العرب عموما- أتخمنا تبريرات ونحتاج إلى من يكشف لنا عن الاتجاه العام للوقائع والأحداث التي تحاصرنا وتغرقنا، وهذا الكاشف يضعنا على سكة اتجاه التاريخ الإنساني العام الحديث والمعاصر. المهدي هذا طموح المثقف الشامل.وهو طموح نبيل ومشروع.لكن للسياسي –بالضرورة- نظرة أخرى ومنظور آخر.وفي حال البلد (وهو ما يهمني أمره هنا) فأنا أقرر أننا ارتكبنا ثلاثة أخطاء قاتلة: الخطأ الأول يرجع إلى سوء تقديرنا لأنصاف الحلول التي كنا مضطرين للأخذ بها، الخطأ الثاني يتعلق بالإطار المغلق الذي مرت فيه بعض معاركنا بمعزل عن مشاركة الجماهير، الخطأ الثالث نشأ عن عدم الوضوح في مواقفنا الإيديولوجية وعن عدم تحديدنا لهوية حركتنا. (صمت طويل يروح خلاله المهدي يتفحص أثر ما نطق به على وجه إدريس.إدريس مستغرق في تفكير عميق) المهدي أنا أنتظر رأيك يا أستاذ. إدريس لا ينكر الوقوع في الخطأ إلا مدعي أو مطموس البصيرة بالكامل.ومع ذلك... المهدي ومع ذلك؟ إدريس ما قلته يالسي المهدي هو شيء هائل ... وحاسم.ومع ذلك فثمة شيء لا أعرف كيف أعبر عنه، بعد ، بوضوح.فالذي يخطئ و يعترف بالخطأ هو يصحح نصف الخطأ.لكن متى وكيف سنصحح نصف الخطأ الثاني ؟ القسم الثاني:المنفى الثاني مقال السارد: غادر المهدي المغرب باتجاه المنفى الثاني يوم 15يونيو 1963. لقد مكث بالمغرب منذ عودته من المنفى الأول ثلاثة عشر شهرا بالضبط. وفي لحظة إقلاع الطائرة، أطل –معلقا بين السماء والأرض- على ما تحول تحت إلى كتلة من البحر واليابسة راحت شيئا فشيئا تغور وتتقلص حتى اختفت تماما فيما يشبه السديم.