عاشت منطقة «الكوت داوزر» الفرنسية، في نهاية الأسبوع قبل الماضي، على إيقاع فيضانات مدمرة أتت على الأخضر واليابس في «سويعات» معدودات، جعلت قاطني هذه «الجغرافية» الراقية ، يصبحون على كابوس أعاد عقارب أحلامهم المستقبلية إلى ساعة الصفر. دمار أثار تساؤلات محيرة وسط سكان المنطقة خاصة والفرنسيين عموما، عنوانها الأبرز: لماذا لم تستطع الأرصاد الجوية الوطنية توقع طوفانية الأمطار المبشر بسقوطها في تلك الليلة حتى تنتقل درجة الخطر من اللون «الليموني» إلى «الأحمر» ، والتي تستدعي استنفارا شاملا من قبل مختلف السلطات الأمنية والمنتخبة؟ خبراء الأحوال الجوية ، ليس في فرسا فقط ، ولكن في دول أوربية أخرى ، ردوا بأن السرعة التي تحولت بها قوة الأمطار المرتقبة لا يمكن لأي خبير «توقعها» بشكل علمي دقيق كيفما كانت حداثة التقنيات المتوفرة ، غير أن الجميع اتفق على أن وطأة الكارثة كان من الممكن أن تكون أخف لولا حضور عامل سلبي أساسي إسمه « غزو الأسمنت» ؟ نعم، هي حقيقة توحدت حولها تصريحات مهندسين معماريين ، خبراء في التوسع العمراني ، منتخبين ، إطفائيين ، جمعويين ...أشارت بأصبع الاتهام إلى تمدد البناء على حساب الأراضي المخصصة للمساحات الخضراء أو للنشاط الفلاحي في ما يتعلق بالمناطق الضاحوية للمدن. تصريحات تجعل المنشغل بالشأن المحلي وطنيا يتساءل في قرارة نفسه: ترى هل هناك وعي بهذه الحقيقة عندنا، أم أن المتحكمين في زمام أمور مدننا، لهم أولويات أخرى أكبر من حماية الأرواح البشرية؟ دخلت العديد من الحواضر المغربية في سباق ضد الساعة، من أجل تدارك الزمن الضائع تنمويا على أكثر من صعيد ، وهي مسألة لا يمكن للمرء سوى تثمينها والابتهاج لها ، باعتبار أنها تقطع مع سنوات من الجمود لم تحصد من ورائها البلاد سوى التخلف والعديد من « الألقاب» التي تعزز موقعنا في «ذيل ترتيب «لوائح النمو والتقدم بالمقياس المتعارف عليه دوليا؟ غير أنه سباق يأبى البعض إلا أن يترك فيه بصمته «السلبية» كما هو حال الجهات المانحة للترخيص بالبناء على حساب ابتلاع الهكتارات الشاسعة من الأراضي الفلاحية - الدارالبيضاء نموذجا – التي انمحت المئات من أشجارها ذات العمر الطويل، ل»تزرع «مكانها بنايات أسمنتية من مختلف الأحجام ، سواء القانونية منها أو العشوائية . بل حتى المساحات التي خصصتها التصاميم لإنجاز مرافق خضراء - حدائق صغيرة مثلا – يتم الالتفاف عليها في غالب المشاريع لترتدي لبوس «الياجور» ، ولتذهب صحة القاطنين إلى الجحيم، ومع أولى التساقطات الغزيرة – ولو بمعدل أقل مما نعاينه في بلدان أخرى - تحدث الفاجعة ويغرق الحجر والبشر، وللتأكد من هذه الحقيقة تكفي «قراءة» الفيضانات التي أصبحت معظم المدن المغربية ، الكبيرة منها والمتوسطة، عرضة لها كل موسم ، في السنوات الأخيرة ، خلافا لما كان عليه الأمر في عهد الأسلاف . العديد من كبار السن – من الذين تجاوزوا الثمانين والتسعين – ممن عاشوا هول الفيضانات السابقة ، أجمعت تصريحاتهم على خلاصة واحدة هي :» لم يسبق لنا أن عشنا مثل هذه الفواجع . نعم شهدنا فصولا ممطرة، لكن دون أن تصل غزارتها إلى حد إغراق المنازل و إتلاف الممتلكات بشكل متوال ومكرر» ، مفسرين ذلك بالقول :» قبل عقود كانت الأراضي الشاسعة المحيطة بالمدينة ، والمساحات الخضراء المتعددة ، تلعب دورا كبيرا في امتصاص مياه الأمطار وبالتالي الحيلولة دون بقائها على السطح لتقتحم بعد ذلك مختلف البنايات، سكنية كانت أو إدارية ..، علما بأن معظم المدن قديما كانت تفتقر لقنوات الصرف الصحي؟». في سياق علاقة «تسرطن» الأسمنت وحدوث الفيضانات، نشير إلى الترخيص بالبناء أو التغاضي عن زحفه عشوائيا، على أسرة الوديان أو بمحيطها القريب بعلة أنها «نائمة منذ قرون خلت»، كما حصل مع واد سوس الذي انتفض، في السنوات الأخيرة ، ليجرف عشرات البنايات التي انتهكت مجاله بغير استئذان، ووديان أخرى بكل من طاطا وأقا وغيرهما من الجهات ، حيث لا تزال آثار غضبها راسخة في أذهان أبناء هذه المناطق والمنحدرين منها . هذا ويبقى «واد بوسكورة» أسطع مثال على أن التعمير «غير المتحكم فيه» يشكل دافعا قويا لتوقع الأسوأ؟ فهذا الوادي الواقع منبعه على مشارف شمال جماعة النواصر ، كان يصب مباشرة في المحيط الأطلسي شرق « المدينة القديمة « للدارالبيضاء ، ومنذ 1920 بدأت أولى خطوات- لفسح المجال للتعمير - تحويله إلى قناة ، إلى أن أنشئت في سنوات الخمسينات من القرن العشرين ، القناة المجمعة الغربية التي بدأت تستقبل مياه الوادي ، حيث كانت الطاقة الاستيعابية لمجرى الماء في شبكة التطهير السائل للمدينة لا تتجاوز المترين المكعبين في الثانية ، في حين أن منسوب الوادي يتعدى 45 مترا مكعبا في الثانية ، ومع توالي السنين اختل التوازن تحت ضغط مخلفات العمران ، لينطلق مسلسل الفيضانات بداية من تساقطات 21 يناير و18 دجنبر 1996، حيث شكلت المياه المتدفقة من واد بوسكورة سببا في إحداث فيضانات بمنطقة «الكليات» بكاملها ، المنطقة الصناعية لليساسفة ، بمحاذاة الطريق الثلاثية والبنيات الواقعة على مقربة من جنوب «طريق الجديدة» و»مكتب الصرف»... وصولا إلى فيضانات السنوات الأخيرة التي حملت في طياتها تهديدا غير مسبوق «لمساحات « شاسعة من تراب العاصمة الاقتصادية تحتضن آلاف البنايات والمنشآت، السكنية منها والإدارية والاقتصادية الاستراتيجية...؟ تهديد فرض التفكير في إقامة قناة ضخمة لتحويل مياه الوادي مستقبلا استدعت تعبئة ميزانية ضخمة، لو حضر التخطيط العقلاني لدى المسؤولين ، منذ سنوات، لما بلغت تلك الأرقام الغليظة الآن! إنها مجرد «قراءة « خاطفة ل «علاقة «التعمير الخانق للبشر والشجر مع احتمال حدوث الفيضانات- الآخذة في التكرار سنويا – كما وقف عندها «التعاطي» المسؤول ، البعيد عن لغة الخشب، من قبل «أهل الحل والعقد» بالضفة الأخرى للمتوسط - فرنسا -، ونحن في أيام الخريف الأولى/ ، التي خلفت أمطارها مشاهد حزينة في مراكش – الوجهة السياحية ياحسرة – وغيرها من «بلدات» الجوار؟!