لايتوانى الأستاذ ادريس المسفر في النبش داخل مجاهل حقب مضيئة من تاريخ المغرب ولا تفتر همته عن سبر أغوار أحداث جميلة رصعت مسيرة مضيئة من تاريخ هذا البلد الجليل. ولا غرو في ذلك فالرجل مازال مفتونا بما يطلق عليه العصر الذهبي حين كان المسرح مسرحا والشعر شعرا والكفاح كفاحا. يشهد على ذلك (الفرقدان) وهو اللقبُ الذي أطلقه المرحوم الأستاذ العلامة المختار السوسي على ادريس المسفر والمرحوم علي بركاش في معتقل أغبالو نكردوس. عندما يتحدث رجل من طينة الأستاذ إدريس المسفر الذي يمكن وصفه بالوطني الصادق والأديب والصحفي والفنان ورجل الأعمال الناجح يتذكر بحرارة دوافع إنشائه لفرقة مسرحية وعرضها لمسرحية أمام المغفور له محمد الخامس. ومازال يعتبر هذا الحدث حدث مفصليا في حياته لأنه نجح في ان يمرر عبره رسائل من أجل الوطن. والرجل رغم أنه مرصع بالعديد من شواهد التقدير والمكافآت فإن أعزَّ ما يفتخر به هو انتماؤه لحزب الاستقلال، ولذلك فإنه لايتردد في أكثر من مناسبة إلى إشهار بطاقة تعود إلى النشأة الأولى للحزب وعليها صورته ومهمته ككاتب لفرع الحزب، مقرونة ببطاقة مراسل (العلم) ومازال الأستاذ ادريس المسفر يصر على تحقيق العديد من طموحاته التي تصب في التأليف والنشر والتعريف بألوان موسيقية يخشى أن يطالها النسيان، لذلك فهو يرأس جمعية هواة الموسيقى الأندلسية، ويعمل على إحياء سهرات لنشرها والتعريف بها وإحياء بعض مقاماتها ولايكل ولايمل من عقد الاجتماعات والاتصالات في بيته الذي يعتبر بالنسبة له محراب فنان، زاره كبار الفنانين في المشرق والمغرب. في هذه المقالة نسوق نموذجا مما أبدعته أنامل الأستاذ ادريس المسفر: في أواسط أربعينيات القرن المنقضي لعب المنشط الفرنسي السيد أديغار دورا كبيرا من أجل جعل مدينة الجديدة تعرف حجما كبيرا من الأنشطة الثقافية بشكل مكثف ودائم. لذلك حثنا على التفكير بجدية في تقديم عروض مسرحية من إنتاجنا. وبالفعل اجتمعنا وأسند لي الإخوة محمد التازي وبنحمو التومي واحمد السرغيني والغالي العراقي رحمه الله جميعا مهمة كتابة مسرحية »مصرع الأمين« وهي مسرحية تاريخية تحكي قصة الخلاف الذي كان محتدما بين الأمين والمأمون ابني الخليفة هارون الرشيد. مسرحية مصرع الأمين ورغبة منا في المساعدة في تمويل بناء المدرسة قررنا أن نقوم بنشاط مسرحي، وبعد الاجتماع بشباب الجديدة وطرح الموضوع عليهم وافقوا بالإجماع على هذه المحاولة. فألفت إذ ذاك رواية »مصرع الأمين« ابن هارون الرشيد وعرضتها عليهم فأظهر الشباب الجديدي حماساً كبيراً لهذه الفكرة، بالرغم من أنه لم يكن لهم اهتمام بالمسرح أو التمثيل، ولم يسبق لهم أن خضعوا لأي تكوين من قبل في هذا المجال.. فقد ظهروا في المسرح وكأنهم محترفون ونجحوا في أداء أدوارهم نجاحاً كبيرا، خصوصا الأخ أحمد السرغيني والأخ محمد بن حمو التومي والأخ محمد التازي، وعلى كل حال فقد عزمنا وكلل الله جهودنا بالنجاح. وتسرد الرواية وقائع الخلاف الذي قام بين ابني هارون الرشيد الأمين والمأمون والدسائس التي كانت تحاك من طرف البطانة والحاشية لإذكاء نار الفتنة بينهما، وبصعوبة كبيرة استطعت أن أقنع المكلف بالرقابة لدى الإقامة العامة إذ ذاك الكولونيل التمسماني فوافق وأعطانا الرخصة بعرضها. وكانت أول مسرحية تعاملنا معها هي مصرع الأمين ابن هارون الرشيد، التي ألفتها لغاية واحدة: هي تخصيص ريع مداخيلها بعد عرضها لفائدة مدرسة الصفاء الحسنية، ثم أتت مهمة إسناد الأدوار، ولم نكن كلنا إلا مبتدئين، إن لم أقل متطفلين على المسرح، ولكن الله وفقني بمساعده الإخوان, أن أسند كل دور لمن يناسبه فكانت الأدوار كما يلي: أدى دور الأمين »ادريس المسفر« والفضل بن الربيع »عبد الواحد عمور« وزبيدة أم الأمين »محمد التازي« وفي دور سلمان المنجم »أحمد السرغيني« وفي دور المعلم سمعان »المرحوم عبد الرحمن بن الحاج ابراهيم ولد الطويلة« وفي دور »مسرور السياف« المرحوم محمد بنحمو الكومي وفي دور بهزاد زعيم الفرس الغالي العراقي. وكانت لجنة التزيين تتكون من المرحوم سيدي عبد الرحمن المسفر والمرحوم سيدي عبد الواحد القادري والمرحوم أحمد الشيخ لحلو والسيد مصطفى العروسي وغيرهم، وكانت التمرينات على المسرحية تتم دائما بالمدرسة أو بمنزلي. وقمنا بعرضها مرتين بالمسرح البلدي للجديدة سنة 1947 حيث حققت نجاحا وإقبالا كبيرين وتألق جميع الإخوة في أدوارهم مما حفزنا لعرضها بالدارالبيضاء. ولاقت المسرحية مرة أخرى إقبالاً كبيراً لدرجة أن المرحوم الأخ المهدي بن بركة اتصل بي هاتفيا، وطلب مني عرضها بالرباط. وبعد موافقة الإخوة في الجديدة قررنا تشكيل وفد لمقابلة جلالة الملك المغفور له محمد الخامس لطلب تشريفنا بإسناد رئاسةولي العهدالمحبوب إذ ذاك مولاي الحسن لهذا العرض. وفعلا تكون الوفد من محمد التازي والغالي العراقي والمرحوم الغالي المسفر وإدريس المسفر، وتوجهنا نحو القصرالملكي، حيث استقبلنا في البداية الصدر الأعظم المرحوم الحاج محمد المقري، فسألنا عن أنسابنا وطلب منا أن نعطيه نبذة عن المسرحية التي نود عرضها فأعطيته بعض الإيضاحات عن فحوى المسرحية والصراع الذي نشب بين ابني هارون الرشيد الأمين والمامون، فأظهر غضبه لذلك، وقال لنا: »من العار أن تمثلوا بملوك المسلمين«، فأجبته أن المسرحية تاريخية، وأنها تسجل حقبة من التاريخ الإسلامي وأننا حصلنا على رخصة عرضها من مصلحة الرقابة ومع ذلك أصر على رفضه التمثيل بملوك المسلمين. إذ ذاك حضر قائد المشور الحاج بناصر وطلب منا مرافقته لمقابلة جلالة الملك، وعندما مثلنا بين يدي جلالته شرحنا له أسباب العرض وأهدافه ومراميه المتمثلة أساسا في جمع أموال للمدرسة الحرة، فابتهج لذلك رحمه الله وقدمنا له نسخة من المسرحية، ليطلع عليها، وأعطانا موافقته على رئاسة ولي العهد مولاي الحسن وسألنا عن مكان العرض فأجبناه بأننا لم نحدد بعد المكان، فاتصل شخصيا بالسيد »ميلسون« مدير المسرح الملكي »سينما الملكي حاليا« وطلب منه أن يخصص لنا يوما للعرض، كما طلب منه استقبالنا فورا لضبط كل الإجراءات، فخرجنا من القصر، لاتسعنا الدنيا من فرحنا بهذه المقابلة الكريمة، وبما أنعم به علينا جلالة الملك رحمه الله من عطف وحنان أبويين، وذهبنا إلى المسرح حيث أتممنا جميع الإجراءات. أخبرنا الإخوة عن موعد ومكان العرض، وذهبنا الى مطبعة الرسالة رفقة الأخ الأستاذ المهدي بن بركة الذي قدمني لمدير »العلم« آنذاك المرحوم عبد الجليل القباج، وكان من بين الإخوة الذي قدمني لهم الأخ علي بركاش والأخ محمد بن الراضي والأخ المرحوم عبد الكريم الفلوس، والأخ سيدي السيتيل العيساوي، وبهذه المناسبة أنوه بها قدموه لنا من خدمات جليلة، وما لمسته فيهم من غيرة وطنية صادقة. وقمنا بطبع الإعلان الذي جاء كما يلي: »نخبة من الشباب الجديدي تقدم مسرحية مصرع الأمين ابن هارون الرشيد.. تأليف ادريس المسفر تحت رئاسة ولي العهد المحبوب الأمير مولاي الحسن« وبالطبع كان الإعلان باللغتين العربية والفرنسية، تركنا مهمة إلصاق الإعلانات للإخوة بالرباط، ولم يبق أمامنا سوى أسبوع واحد، الخميس السابق ليوم العرض. وبعد وصول الإخوة الجديديين إلى الرباط ذهبنا رأسا إلى المسرح لتهييء الديكور، ولا أنسى هنا ماقام به الإخوان عبد الرحمن المسفر وعبد الواحد القادري وأحمد الشيخ لحلو ومصطفى العروسي وعدد من الإخوة من مجهودات جبارة حتى ظهر المسرح في حلة بهرت الجميع، وأصبح كأنه قصر من قصور العباسيين. في البداية بدأ الوزراء والمناديب وعلى رأسهم الصدر الأعظم يتوافدون على المسرح، وقد أحضرنا كرسيا كبيراً وطلبت من الصدر الأعظم الجلوس ومن سائر الوزراء الانتظار الى حين وصول ولي العهد المحبوب، ووقف الجميع منتظمين في صفين.. وفي الساعة التاسعة وصل ولي العهد في سيارته وكان مرفوقا بمولاي العربي العلوي ولدى وقوف السيارة تقدمت وفتحت الباب واستقبلته، وما أن وضع رجليه الكريمتين خارج السيارة حتى تعالت الهتافات والزغاريد، والكل كان يهتف بحياة جلالة الملك، وحياة ولي العهد المحبوب، وحياة حزب الاستقلال. وكانت حقا لحظة من أسعد اللحظات التي لن تبرح مخيلتي أبدأ، فقد تنفس الجمهور الصعداء، وعبَّر دون خوف ولاتردد عما يكنه لملكه ولأسرته الشريفة من حب وولاء تلقائيين ولوطنه وقادة الحركة الوطنية من تقدير، وهكذا كان الجميع يردد: عاش الملك، عاش ولي العهد، عاش علال الفاسي، يحيى الوطن، يسقط الاستعمار الخ.. وتحول العمل المسرحي إلى تظاهرة وطنية سياسية. ووسط هذا الزخم من العواطف الصادقة الجياشة دخل ولي العهد إلى المسرح متبوعا بالوزراء والمناديب ورافقته حفظه الله حتى المخدع المخصص لسموه، حيث وجد في استقباله أعضاء اللجنة التنفيذية، وكانت عناقات حارة ودموع الفرح تملأ عيوننا جميعا. أما الوزراء والمناديب فخصصنا لهم مخدعين خاصين، وما أن أخذ صاحب السمو الملكي مكانه حتى نزلت إلى خشبة المسرح بسرعة، إذ كان علي أن القي كلمة الترحيب والشكر لجلالة الملك على عنايته ورعايته لهذا الشباب الطموح من خلال هذا العرض المسرحي الذي كنا نطمح أن يجد فيه الجمهور متعة وفائدة لنفسه. وكان الأخ سيدي السيستل العيساوي هو الذي تكفل بتقديم المسرحية والممثلين. وأذكر هنا أن المرحوم الأستاذ عبد الوهاب اكومي رافقنا صحبة جوقه في عرضنا؛ إذ كان يغني بين الفصول قصيدة للزعيم المرحوم سيدي علال الفاسي ومطلعها: »يا حبيبي لم التجني علي وأنا ما جنيت في الحب شيا« وقد قوبل الأستاذ اكومي بما يليق من إعجاب وتقدير من طرف الجمهور. ولما انتهى العرض، استدعيت من طرف ولي العهد المحبوب مولاي الحسن، فشكرني وشكر كافة الإخوة الممثلين، وأبدى إعجابه بالعرض كله وسلمني منحة مالية لفائدة المدرسة، وتهيأ للخروج، فتعالت الهتافات من جديد ووقف كل الحضور وهم يصفقون، وتعالت الزغاريد من كل جنبات المسرح، ورافقت ولي العهد حتى باب المسرح، وعدت لأبلغ إخواني بإعجاب ولي العهد، بما قاموا به جميعا في هذه المسرحية، وأخبرتهم بالمنحة الملكية السامية. وكانت فرحتنا لا توازنها فرحة لما لاقيناه من نجاح سواء على الصعيد المسرحي أو على الصعيد السياسي، ولن أنسى ذلك البشر الذي كانت تطفح به وجوه إخواننا أعضاء اللجنة التنفيذية، ولا ذاك العناق الذي خصني به المرحوم الأخ المهدي بنبركة.. وجمعنا أمتعتنا حيث هيأ لنا الإخوة الرباطيون سيارات لحملها الى فندق اكسليسور الذي كنا نقيم به، وما ان وصلنا حتى اجتمع كافة الإخوة ببهو الفندق، لا حديث لهم إلا عن العرض المسرحي والنجاح الكبير الذي لقيه والذي لم نكن نحلم به، وبينما نحن كذلك إذا بعامل الفندق يناديني للرد على مكالمة هاتفية، فاندهش الجميع خصوصا وأن الساعة كانت الثانية صباحا، فأسرعت إلى الهاتف فإذا بالمتكلم مولاي العربي العلوي رحمه الله، يخبرني بأمر من جلالة الملك أن لا يسافر أي أحد منا، والسبب هو عرض المسرحية غدا بالقصر الملكي العامر في سهرة خاصة. وطلب مني أن آتي إلى القصر الملكي صباح الغد في الساعة العاشرة والنصف صباحا.. لأحظى بمقابلة جلالة اللك. كان الخبر كبيرا، وأكبر من فرحتنا العارمة، وما أن سمع الإخوان بفحوى المكالمة حتى تعالت أصواتهم بالغناء ومنهم من أخذ يرقص، ولم تغمض لنا عين طوال الليل فقد كان الحدث عظيما بالنسبة لنا جميعا. وفعلا وصل الإخوان وكم كانت فرحتنا كبيرة عندما التحق بنا الأخ المرحوم الحاج العربي المهندس الذي كان آية في المرح والفكاهة ودخلنا إلى القصر الملكي العامر فوجدنا أن ما طلبناه من وضع الستارة قد أنجز على الوجه الأكمل فأصبحت القاعة جاهزة للعرض وفي الساعة السابعة تناولنا وجبة العشاء وابتدأ العرض بحضور مولانا صاحب الجلالة حوالي الساعة التاسعة والنصف وكانت بحق ليلة تاريخية من ليالي ألف ليلة وليلة. حيث أمتعنا الله برؤية جلالة الملك محمد الخامس وهو في أتم انشراح بما كنا نقدمه، وعند انتهاء المسرحية قدم الإخوان المسرحية الهزلية الصغيرة التي نالت إجاب مولانا الملك رحمه الله، وغنى كذلك عبدالوهاب أكومي الذي قدمته لصاحب الجلالة وأبديت له رغبته في الإلتحاق بالمعهد الموسيقي في مصر، فوافق جلالة الملك ودعا له، ووعده ببعث توصية من جلالته إلى المعهد. وعند انتهاء كل عرض كان جلالته يطلب منا أن نستمر في تقديم كل ما عندنا، وفعلا قام الحاج العربي المهندس بتقديم بعض المسرحيات الصغيرة التي نالت إعجاب مولانا الملك. ولم تنته السهرة إلا حوالي الساعة الرابعة صباحا حيث ودعنا جلالة الملك وأعيننا مغرورقة بدموع الغبطة والفرح لما نلناه من عطف وحنان من لدن أب الأمة، كما زودنا قدس الله روحه بهدايا للممثلين ومنحة لفائدة المدرسة. وقفلنا راجعين إلى الفندق وظلت رحلتنا إلى الرباط محور أحاديثنا أياما وشهوراً. وما أن رجعنا إلى الجديدة حتى استدعيت من طرف السلطات وأبلغت بمنع عرض رواية مصرع الأمين بعد اليوم. إذ كان صدى المظاهرة السياسية وصل إلى سلطات الجديدة.