يثير نشاط جمعية مغربية تدعو إلى تعليم اللهجة العامية في المدارس جدلا في المغرب، حيث يتهم الداعمون للتعليم بالعامية بخدمة "الأغراض الاستعمارية". لكن الجدل المحتدم بهذا الشأن لا ينحصر في المغرب فقط، بل إنه موضوع سائد في شتى البلدان العربية، حتى وإن لم يطف على سطح الإعلام.
ففي المغرب، يطالب المدافعون عن الدارجة المغربية بتعليمها ليس بهدف محاربة اللغة العربية الفصحى، وإنما من أجل تعميمها بصورة سليمة حتى تصير لغة إبداع وعلوم وتعبير أدبي. وهذا ما يؤكده دعاة العامية عموما، كما هو الشأن مع شاعر العامية المصري عماد سالم، الذي يصور اللغة بصفتها وسيلة نقل للمعاني.
وقال سالم في لقاء أجراه معه "راديو سوا"، إنه "لا بد أن نعرّف يعني إيه لغة، ويعرّف يعني إيه وزن. اللغة والوزن عبارة عن أداة توصيل، فالمشاعر الإنسانية الجميلة عبارة عن ذهب أو ألماس ينقل من مكان إلى مكان. فأنت تنقله بشاحنة أو بطائرة بأي أداة توصيل مش مشكلة ممكن يكون بالفرنسية، بالإنكليزية، بالعامية، بالفصحى. اللغة ليست مشكلة، المشكلة أن تكون أداة توصيل لفئة معينة".
وإذا كان الوصول إلى هذه الفئات العريضة من الشعب يتطلب استخدام دراجة نارية فلماذا استخدام السيارة أو الطائرة، حسبما قال الشاعر المصري الذي نشر تسعة دواوين كلها بالعامية المصرية.
ولا يختلف مدير معهد الدراسات والأبحاث للتعريب التابع لجامعة محمد الخامس بالرباط محمد الفران مع هذا الرأي كثيرا، بيد أنه يرى أن تعليم العامية إهدار للموارد ما دامت فرعا من اللغة العربية وما دامت الفصحى مفهومة لدى الجميع.
وأردف قائلا إن الفصحى "لم تصبح تلك اللغة الصعبة مثل ما كان الأمر في القرون الماضية بل أصبحت لغة سهلة، ثانيا حتى ذلك الرجل غير المتعلم يفهم اللغة العربية والدليل على ذلك ما نراه اليوم في الفضائيات فأغلب الذين يقبلون على الفضائيات هم غير متعلمين، ولا أريد أن أعطي أمثلة فهي تستخدم اللغة العربية الفصيحة ويفهمها الجميع ولذلك فإنه يجب ألا ننكر العلاقة القائمة بين اللغة الدارجة والعربية الفصحى".
ولا تحول العلاقة الوثيقة بين الفصحى والعامية دون اللبس في كثير من الحالات. وحتى في وسائل الإعلام يختلف استخدام اللغة الفصحى من بلد إلى بلد.
والفصاحة في رأي سالم هي القدرة على التبليغ سواء في الشارع أو في وسائل الإعلام أو في الجامعات، مضيفا أن "الأبحاث التي تجرى والموجهة إلى شرائح الفقراء وشرائح الإدما لا بد ان تكتب بلغتهم، مثلا أرى أن أنا لازم أحدد أنا من أريد أن أكلم".
وهذا الجانب البراغماتي للعامية يجعلها في تصور رئيس جمعية حماة الضاد في لبنان أيمن طرابلسي أداة للتواصل اليومي، وليس لغة للآداب والعلوم.
وفي هذا الإطار، قال طرابلسي "لغة الأم هي اللغة التي ننطق بها ولا نقصد بها اللغة العامية لأنه لا يمكن بأي شكل أن تكون اللغة العامية هي لغة أم بل هي لغة الدارجة كما يقال لها عند أشقائنا في المغرب العربي، ولكن اللغة الهوية هي اللغة التي فيها الآداب، فيها الشعر".
وإذا كان قرظ الشعر هو المعيار، فاللهجة العامية لغة قائمة بذاتها، ليس لاكتساحها الفضاء الإعلامي والترفيهي فحسب، ولكن لأنها اعتلت عرش الأدب.
وبهذا الصدد قال الشاعر المصري "لو قلت قصيدة لجماعة شيالين أو نجارين أو مزارعين لأعظم الشعراء لن يفهموا شيئا على الإطلاق وبالتالي فإن مهمتك لم تصل".
وتابع أن "سيد درويش غنى لكل الشيالين والنجارين والصنايعية. هل كان يمكن أن يغني سيد درويش باللغة الفصحى اليوم؟ أعتقد لا طبعا".
وكما لا تنحصر الثقافة العامية العربية المكتوبة منها والشفاهية في المجال الإعلامي أو الأدبي، فهي لا ترتبط بحقبة معينة، كما يتضح في هذه القصيدة.
فقد ألف الكلمات الشاعر الصوفي الأندلسي أبو الحسن الششتري في القرن ال13 الميلادي خلال مقامه بالمغرب لكنها اشتهرت في المشرق، ما يعد دليلا آخر ربما على أن الجمال في بعض المقامات لا يفرق، وأن الزجل قد يتناغم مع الفصحى.