إذا كانت هناك فئة من المغاربة ظلت تتذكر العهد الذي كان فيه الراحل إدريس البصري يصول ويجول في وزارة الداخلية ،بمرارة أكثر من الفئات الاجتماعية الأخرى ، فهي فئة رجال الأعمال وخاصة منهم الذين كانوا يعتمدون على أنفسهم لإدارة مقاولتهم ، على خلاف آخرين أصبحوا أثرياء اعتمادا على النفوذ والجاه أو القرب من دوائر السلطة . وكانت مناسبتان جعل منهما وزير الداخلية المخلوع والبعض ممن كانوا مقربين منه في السلطة المركزية أو في الولايات والعمالات ، فرصة العمر للتعبير عن كراهيتهم لمغاربة أصبحوا “لا باس عليهم” و من الأغنياء الذين يرغبون في الحفاظ على مسافة تبعدهم عن السلطة ودوائرها المختلفة . يتعلق الأمر بما حدث في صيف 1988، حملة الاكتتاب التي تكلف بها إدريس البصري ومن معه لجمع مبالغ مالية لبناء مسجد الحسن الثاني في الدارالبيضاء. كان من الممكن ان يستجيب المغاربة لنداء الملك من أجل بناء تلك المعلمة ، كل بحسب ما في استطاعته وبحسب ما ” سخر الله” ولكن وزارة الداخلية اعتبرت حملة الاكتتاب فرصة اختبار قدراتها على تطويع المغاربة ليدفع كل مواطن المبلغ الذي تحدده سلطة العمالة وقائد المقاطعة داخل المدار الحضري ، وفي دواوير العالم القروي . ولم تكن لأي مواطن حق النقاش في قرارات السلطة وسواء كان الناس ” لا بأس عليهم ” أم فقراء، فالمبلغ المحدد يصبح واجبا لا يحق التملص من تسديده ولهذا عانى المغاربة الكثير من حملة اكتتاب صيف 1988 لأن إدريس البصري أراد أن يقول للجميع بأن له في المغرب آنذاك سلطة لا يُعلى عليها . وبعد ثماني سنوات ، اتفق إدريس البصري مع عبد العزيز عفورة العامل على عين السبع بالدارالبيضاء على تنظيم حملة أخرى ضد رجال الأعمال على امتداد التراب الوطني بصفة عامة وفي الحي الصناعي ، المنطقة الأغنى بالمغرب في عمالة عين السبع بصفة خاصة . ووجدت وزارة الداخلية ما يكفي من الدعم لدى بعض الموظفين في إدارات أخرى تابعة لوزارات أخرى للهجوم على رجال الأعمال لا فقط في مقاولاتهم، بل حتى في بيوتهم بعد منتصف الليل وكان البعض منهم قد استسلم لنوم عميق. وأي موظف لم يتحمس للانخراط بحماس في حملة وزارة الداخلية ، بدعوى ” تطهير ” عالم المال والأعمال ، كان يتعرض لغضب الوزير المخلوع حتى أن المرحوم علي عمور المدير العام للجمارك تم اعتقاله وإيداعه في الحبس ظلما وعدوانا بدون محاكمة . لقد عاش المغرب في منتصف تسعينات القرن العشرين حملة مسعورة كانت وزارة الداخلية تحاول من خلالها أن تقدم للمغاربة صورة عن رجال الأعمال وكأنهم كلهم من المتهمين بالنصب والاحتيال على الدولة إلى أن يتبث كل واحل منهم براءته . وبشق الأنفس تدخل الوزير الأول آنذاك المرحوم الدكتور عبد اللطيف الفيلالي ووزير التجارة والصناعة إدريس جطو من أجل الحد من تلك الحملة المسعورة التي تركت جروحا وصدمات نفسية لدى العديد من المنتمين إلى عالم المال والأعمال . هذه مرحلة سياسية مر عليها الآن أكثر من عقد ونصف من الزمن وبعدها فضل رجال أعمال كثيرون التوقف عن أعمالهم ومعاملاتهم وامتنعوا عن القيام باستثمارات مالية ، وتوسيع مقاولتهم والانسحاب تدريجيا من الفعل الاقتصادي سواء في قطاع التجارة أو الصناعة أو الخدمات ... كل ذلك جراء حملة مسعورة اشرف عليها في مرحلة سياسية دقيقة وزير الداخلية السابق الراحل إدريس البصري الذي كان خول لعبد العزيز العفورة عامل عين السبع ، عدة صلاحيات لإهانة رجال الأعمال والتعامل معهم كما لو كانوا مجرمين صدرت في حقهم أحكام قضائية صارمة . كانت حملة ” التطهير ” ضد رجال الأعمال دليلا قاطعا على ما للسلطات الحاكمة في البلدان المختلفة من حرص على جعل السلطة الاقتصادية تحت رحمة السلطة السياسية . لهذا فإذا كان الإلحاح اليوم على فصل السلطات في دولة الحق والقانون والتركيز على استقلال القضاء ، فلا بد كذلك من حماية الفاعلين الاقتصاديين من كل هيمنة سياسية تمارسها عليهم سلطة من سلطات إدارة الدولة ، بهدف ضمان استقلالية المنتمين لعالم المال والأعمال . وهذا أحسن طريق لتقدم الحياة السياسية وازدهارالفعل الاقتصادي وتطويره بالمغرب من أجل رفع الإنتاج الوطني ومضاعفة الدخل القومي .