بعض النّاس من أهل الصلاح والورع لا ندري كيف نصنفهم، ولا في أي خانة نضعهم، خصوصا عندما نجدهم نموذجًا يُحتذى به في الصبر، وفي التسامح، والتقوى، والأمانة، والورع، والحِلم ،والطهر، والعفة والصمت، والعلم الذي ينفع صاحبه، وحفظ كتاب الله عن ظهر قلب، وخدمة إخوانه بل خدمة الإنسانية جمعاء، مخافة الله تعالى.. مثل هؤلاء الرجال العظام هم آية في حسن السلوك والسيرة. وهم بحمد الله في جاليتنا الإسلامية كثر ونتوقف هذه المرة مع واحد منهم، هو المرحوم بإذن المولى "الشيخ الحاج محمد الخمسي" رحمه الله رحمة واسعة... الشيخ الخمسي هو من الجالية المغربية، وهو من الرعيل الأول. دخل الدّنمارك في أواخر الستينيات من القرن الماضي، ولا أخال أنّ هناك عربيّا أو أعجميّا مسلما من أهل المساجد ناهيك عن مغاربي، لا يعرفه بالاسم أو من خلال معايشته وسلوكه اللذين فاضت فيهما الخصال التي سبق ذكرها في بداية هذا النصّ... فالرجل رحمه الله وأسكنه فسيح جنانه... عاش حياة الموحدين والزاهدين الصالحين الأطهار. رجل أعطاه الله سعة الصدر، وكريم الخلق، فوالله - وهذه شهادة أقدمها بين يدي الله - لقد كان مذ عرفته أي منذ ما يزيد عن العشرين عاما، محافظا على صيام النافلة، أيّام الاثنين والخميس، ويوم عرفة، والست الأوائل من شوال، وعاشورا؛ بالاضافة إلى أيام البيض: وهي، اليوم الثالث عشر، والرابع عشر، والخامس عشر من الشهر العربي... الشيخ محمد الخمسي رحمه الله، كان له الفضل الكبير في تأسيس أوّل مسجد في جزيرة آما، ثم كان له الفضل بعد ذلك في تأسييس المركز الثقافي الاسلامي، فترة السبعينيات من القرن الماضي، مع مجموعة من المخلصين من الرعيل الأول، منهم من قضى نحبه، ومنهم من ينتظر. وكونه رحمه الله من حفظة كتاب الله، فقد كان من الأئمة الأُول الذين أمّوا المسلمين في تلك الفترة في بداية الهجرة الأولى إلى مملكة الدّنمارك. وإذ نتكلّم عن فرة الستينيات والسبعينيات من القرن المنصرم، حيث لم يكن للمسلمين تقويما معتمدا للصلاة، فقد شارك رحمه الله مع إخوانه الحفظة بالإضافة إلى الشيخ الامام الأفغاني الأصل "صبغة الله المجدّدي" في عملية مراقبة طلوع الشمس وغروبها عمليّا ولمدة طويلة، حتى وفقهم الله تعالى لوضع أول تقويم لتوقيت الصلاة... وهو التقويم الذي ظل معتمدا إلى أن تطورت الأمور تقينا فعدّل التوقيت قليلا، غير أنّ أصله لم يتغير... الكثير لا يعرفون أنّ الشيخ الخمسي رحمه الله، كان من أوائل من شارك جنبا إلى جنب مع الحاج الشيخ "محمد الخيّاط" رحمه الله، في توفير اللحم الحلال للمسلمين، سواء هنا في الدّنمارك وفي دول أوروبية أخرى، كفرنسا وجبل طارق وباقي دول الشمال الإسكندنافي.. ولا تزال بركتهما في الدّفاع عن الذّكاة الإسلامية إلى يومنا هذا تورث جيلا عن جيل. وممّا يُحفظ للشيخ رحمه الله، أنّه كان من أوائل الذين حجّوا بيت الله الحرام من هذه الديار. فقد كتب الله له ذلك مبكرا، هو وثلاثة من إخوانه من الجالية الباكستانية في سنة 1973م... كان رحمه الله ينشر الدعوة بأسلوبه المتواضع هنا وهناك، وقد كان له الفضل على كثير من النّاس من خلال الزيارات التي كان يقوم بها لبيوتهم، وكان سببا في توبتهم والعودة بهم إلى جادة الصواب، كما كان بيته مفتوحا للعلماء زيارة ومبيتا. وقد عاش رحمه الله حياته كلها كرما و حبّا لعمل الخير واقترافا له.
وإنّي لأحسب أنّ موته يوم الاثنين رحمه الله من علامات حسن الخاتمة، وأمّا طول مدّة الصراع مع المرض فأحسبه كفّارة أراد الله تعالى بها تنقيته حتّى يخرج من هذه الدنيا أبيض الصفحة كيوم ولدته أمّه... لقد عانى ما به، نسأل الله تعالى له طهريّة تنزله منازل الصالحين وترفعه في علّيين مع البررة الكرام، ومع الشهداء وفي جوار سيّد الخلق أجمعين بالفردس الأعلى الذي وعد الله عباده الصالحين... وأمّا جنازته فقد شهدها خلق كثير لا تجمعه إلا المناسبات الكبرى، كالعيدين أو الجمعة، وصاحبها غيث نافع كأنّما جمع ما خُزّن في مآقي محبّيه فأسالها دموع رحمة لا سخط فيها على قضاء الله ولا اعتراض!...
اللهم إنّا شهودك في الأرض، ولا نعلم عنه إلّا خيرا، وهو من حُفّاظ كتابك الكريم. فاللهم ارحمه رحمة واسعة، وأسكنه الفردوس الأعلى... اللهمّ وسّع مدخله وأكرم نزله وأغسله بماء وثلج وبرد، ونقّه من الخطايا كما يُنقّى الثوب الأبيض من الدّنس، وبارك في نسله واجعلهم جميعا دعاء خير له، وأنزل عليهم السكينة وأفرغ عليهم صبرا جميلا. وإنّا لله وإنّا إليه راجعون... وصدق الله دائما وإذ يقول: ومن يطع الله والرسول فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا... هذا ما تيسر من مناقبه رحمه الله. وأرجو من الاخوة الذين عرفوه عن قرب، أن يدلوا بدلوهم، وبالله التوفيق.