إطلاق رصاص لتحييد خطر كلب شرس خلال توقيف مجرمين    هذه توقعات أحوال الطقس اليوم الأحد    المغرب التطواني ينتصر على الوداد الرياضي برسم ثمن نهائي كأس العرش    إصابة أربعة أشخاص في حادث اصطدام سيارة بنخلة بكورنيش طنجة (صور)    الاتحاد الإسلامي الوجدي يقصي الرجاء    منتدى يدعو إلى إقرار نموذج رياضي مستدام لتكريس الريادة المغربية    اعتصام ليلي بطنجة يطالب بوقف الإبادة الإسرائيلية في قطاع غزة    مأساة بحي بنكيران.. وفاة فتاة يُرجح أنها أنهت حياتها شنقاً    بلاغ جديد للمنظمة الديمقراطية للصحة – المكتب المحلي للمركز الاستشفائي الجامعي ابن سينا – الرباط    في مباراة مثيرة.. الاتحاد الوجدي يُقصي الرجاء ويتأهل لربع نهائي كأس العرش    يوم غضب أمريكي تحت شعار "ارفعوا أيديكم".. آلاف الأميركيين يتظاهرون ضد ترامب في أنحاء الولايات المتحدة    "لن أذهب إلى كانوسا" .. بنطلحة يفضح تناقضات الخطاب الرسمي الجزائري    توقيف أربعيني بطنجة روج بمواقع التواصل لعمليات وهمية لاختطاف فتيات    أمن طنجة يفند أخبار اختطاف فتيات    حركة حماس تشيد بموقف المهندسة المغربية ابتهال أبو سعد واصفة إياه ب"الشجاع والبطولي"    باريس سان جرمان يحرز بطولة فرنسا    طنجة تتصدر مقاييس الأمطار المسجلة بالمملكة خلال ال 24 ساعة الماضية.. وهذه توقعات الأحد    طنجة .. وفد شبابي إماراتي يطلع على تجربة المغرب في تدبير قطاعي الثقافة والشباب    برشلونة يسقط في فخ التعادل أمام ريال بيتيس    هذا ما يتوقعه المغاربة من المعطي منجب؟    المغرب يرسخ مكانته كحليف تاريخي و إستراتيجي في مواجهة سياسة ترامب التجارية    فرنسا: خسائر ب15 مليار دولار بسبب التعريفات الجمركية الأمريكية    الدار البيضاء تستحضر ذكرى 7 أبريل 1947.. محطة مشرقة في مسار الكفاح الوطني والمقاومة    تحالف استراتيجي بين الموريتانية للطيران والخطوط الملكية المغربية يعزز الربط الجوي ويفتح آفاقًا جديدة للتعاون الإفريقي    جهة الداخلة وادي الذهب تستعرض تجربتها التنموية في المنتدى العالمي السادس للتنمية الاقتصادية المحلية    العودة إلى الساعة الإضافية وسط رفض واستياء واسع بين المغاربة    الفكر والعقل… حين يغيب السؤال عن العقل المغربي في الغربة قراءة فلسفية في واقع الجالية المغربية بإسبانيا    الأسرة الكروية المغربية تودّع محسن بوهلال بكثير من الحزن والأسى    دعم الدورة 30 لمهرجان تطوان لسينما البحر الأبيض المتوسط ب 130 مليون سنتيم    أداء أسبوعي خاسر ببورصة البيضاء    رحلة ترفيهية في القطب الجنوبي تقيل نائب الرئيس الإيراني    فيديو يوثق استهداف إسرائيل لمسعفين    انطلاق الدورة الربيعية لموسم أصيلة الثقافي الدولي بمشاركة فنانين من سبع دول    الفئران قادرة على استخدام مبادئ الإسعافات الأولية للإنعاش    دعوات للمشاركة المكثفة في مسيرة "الرباط الوطنية" للتنديد بالمحرقة المرتكبة في غزة    سفير جمهورية السلفادور: المملكة المغربية تعد "أفضل" بوابة للولوج إلى إفريقيا    عرض مناخ الأعمال وفرص الاستثمار في المغرب خلال ملتقى بباريس    خبراء "نخرجو ليها ديريكت" يناقشون موضوع انتشار الوسطاء والشناقة داخل الأسواق    حصيلة الزلزال في بورما تتجاوز 3300 قتيل    وكالة الأمم المتحدة للتجارة والتنمية: النظام التجاري العالمي يدخل مرحلة حرجة مع فرض الولايات المتحدة رسوما جمركية جديدة    'مجموعة أكديطال': أداء قوي خلال سنة 2024 وآفاق طموحة    ماذا بعد استقبال مجلس الشيوخ الفرنسي لحكومة جمهورية القبائل؟    الركاني: من يدعم فلسطين توجه له تهم جاهزة وعواقب وخيمة ستلاحق كل من تواطئ لجعل غزة مسرحا للجريمة    في قلب باريس.. ساحة سان ميشيل الشهيرة تعيش على إيقاع فعاليات "الأيام الثقافية المغربية"    "نفس الله" عمل روائي لعبد السلام بوطيب، رحلة عميقة في متاهات الذاكرة والنسيان    شركة "رايان إير" تُسلّط الضوء على جوهرة الصحراء المغربية: الداخلة تتألق في خريطة السياحة العالمية    بحضور عائلتها.. دنيا بطمة تعانق جمهورها في سهرة "العودة" بالدار البيضاء    الوزيرة السغروشني تسلط الضوء على أهمية الذكاء الاصطناعي في تعزيز مكانة إفريقيا في العالم الرقمي (صور)    الوديع يقدم "ميموزا سيرة ناج من القرن العشرين".. الوطن ليس فندقا    تكريم المغرب في المؤتمر الأوروبي لطب الأشعة.. فخر لأفريقيا والعالم العربي    دراسة: الفن الجماعي يعالج الاكتئاب والقلق لدى كبار السن    دراسة: استخدام المضادات الحيوية في تربية المواشي قد يزيد بنسبة 3% خلال 20 عاما (دراسة)    خبراء الصحة ينفون وجود متحور جديد لفيروس "بوحمرون" في المغرب    العيد: بين الألم والأمل دعوة للسلام والتسامح    أجواء روحانية في صلاة العيد بالعيون    طواسينُ الخير    تعرف على كيفية أداء صلاة العيد ووقتها الشرعي حسب الهدي النبوي    الكسوف الجزئي يحجب أشعة الشمس بنسبة تقل عن 18% في المغرب    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



ما بعد الحصول على الباكالوريا ( 2)

في أواخر الثمانينيات وبداية التسعينيات من القرن الماضي ،كنا نحن التلاميذ متلهفين لمتابعة دراستنا الجامعية بالعاصمة العلمية فاس.
كانت الأصداء التي تصلنا من جامعة سيدي محمد بن عبد الله بظهر المهراز مثيرة ومشوقة إلى حد كبير.
أصداء الصراعات السياسية والإيديولوجية ،
أصداء الفصائل المتناحرة فيما بينها ،فصيل النهج الديموقراطي القاعدي والإسلاميون.....،
أصداء الحلقيات التي كانت تعقد هناك ،
أصداء الاتحاد الوطني لطلبة المغرب "أوطم"،
صولات وجولات "الأواكس".
هذه الأجواء كان تأثيرها علينا كبيرا، فخلفت لدينا رغبة كبيرة في الذهاب إلى هناك.
رغبة اكتشاف هذه الجامعة التي أنجبت مناضلين وأطر وساسة أكفاء.
شعبة الحقوق كانت موضة العصر آنذاك ، فقد كان الجميع يتوجه إلى فاس باستثناء البعض الذي كان يفضل شعبا أخرى، كشعبتي الدراسات الإسلامية والآداب والعلوم الإنسانية الموجودتين بتطوان.
لذلك فنحن لم نحد عن هذه القاعدة، وقررت وأصدقائي شد الرحال إلى العاصمة العلمية قصد متابعة دراستنا الجامعية في شعبة الحقوق.
قبل ذلك ، وبعد حصولي على الباكالوريا مباشرة، جاء عندي صديقي إسماعيل يستفسرني إن كانت لدي الرغبة في اجتياز مباراة مركز تكوين المعلمين.
دارت في خلدي مجموعة من الأسئلة، فهذه تعد فرصة تاريخية لأحرق فيها المراحل. فًلِم لا أخفف الأعباء عن والدتي؟ لم سأثقل كاهلها بالمصاريف لمدة أربع سنوات أو أكثر ؟ لم لا ألعب دور الأب مبكرا وأكون المعيل لأسرتي؟
قلت لزميلي : ماذا علي أن افعل؟
قال :بداية علينا بجمع الوثائق المطلوبة اليوم قبل الغد، ثم نقوم بإيداع ملُفُيْ ترشيحنا لدى المصالح المختصة، وبعد ذلك ننتظر إلى أن توجه الدعوة لنا لاجتياز المباراة.
وإن رسبنا في المباراة ما مصير الجامعة ؟ هكذا تساءلت مستغربا.
قال: سنضرب عصفورين بحجر واحد، نقدم ملفي ترشيحنا لاجتياز المباراة ثم نتسجل بعد ذلك في الجامعة .
لقد كان جوابه مقنعا إلى حد بعيد.
لذلك كان علي أن استشير والدتي في الأمر وآخذ بركة والدي الذي لا يعرفني بأنني ابنه.
أبي كان طريح الفراش منذ زمن، ولقد عجز الأطباء عن إيجاد علاج له.
قالت لي والدتي بعدما أوضحت لها رغبتي : يا بني أنت وحيدي، سأرعاك وأتعهدك ما دمت حية . فسر على بركة الله واعلم أن دعائي لك لن يتوقف، وثقتي فيك لن تهتز.
كلماتها تلك ،ظلت تلازمني إلى اليوم.
في الساعة السابعة صباحا كانت الحافلة المتوجهة إلى تطوان تطوي بنا الأرض طيا .
كانت هذه المرة الثانية التي أزور فيها هذه المدينة التاريخية الرائعة.
المرة الأولى كانت سياحية بصحبة والدي سنة 1985
قد يتساءل البعض لماذا لم نقم بإيداع ملف ترشيحنا بمركز تكوين المعلمين بطنجة؟
الأمر بسيط، في تلك الفترة كان مركز طنجة يستقبل فقط الطالبات المعلمات ومركز تطوان يستقبل الطلبة المعلمين .
كان ذلك من سوء حظنا فعلا .
لما وصلنا مركز تكوين المعلمين المحاذي لنيابة تطوان ، وجدنا هناك طوابير من صفوف التلاميذ تنتظر دورها في إيداع ملف ترشيحها.
كان علينا الانتظار.
أثناء وقوفنا صفا، تجاذبنا أطراف الحديث مع بعض التلاميذ الذين جاؤوا من مدن مختلفة تنتمي لجهة الشمال على الخصوص.
كانت الكلمات التي سمعتها منهم عن مهنة التعليم تبدو للوهلة الأولى مقلقة وصادمة. فالكل كان يتحدث عن صعوبتها، عن التعيين في مناطق نائية، عن شظف العيش في البادية ، عن المبيت في الأقسام ، عن مخاطر الطرق غير المعبدة ، عن غياب الماء والكهرباء ،عن الراتب الهزيل ،عن ،عن، عن ........
كان الأمر جديدا علي فعلا، فلم أكن أعلم أن مهنة التعليم تكتنفها هذه الصعوبات.
نظرت إلى صديقي مستغربا ، فكانت تقاسيم وجهه تغني عن الجواب.
أخيرا جاء دورنا لإيداع ملفنا.
وكانت مفاجأة بانتظارنا،
مفاجأة من عيار ثقيل،
مفاجأة لا تخطر على بال.
لقد رُفض ملف زميلي إسماعيل، وقُبل ملفي.
رُفض ملفه لتجاوزه السن القانوني.
لقد كانت فكرته منذ البداية،
الفكرة التي لم يكتب لها أن تكتمل،
فيا لسخرية القدر.
بعد جولة قصيرة بتطوان تعرفنا فيها على بعض معالمها التاريخية كالقصر الملكي والفدان وباب العقلة وباب النوادر والأبنية ذات الطابع الاسباني,عدنا أدراجنا إلى طنجة.
كانت الصورة التي رسمتها عن مهنة التعليم في ذلك الحوار السريع مع التلاميذ قاتمة ، لذا فقد كان علي أن أختار، هل أجتاز المباراة إن نودي علي ، أم أحقق حلمي في أن أتابع دراستي في جامعة ظهر المهراز ؟
صديقي إسماعيل كان هادئا أثناء عودتنا إلى الديار.فقد أصبح طريقه واضحا الآن .
في أواسط العطلة الصيفية من سنة 1993 ، قررنا مع جماعة من أصدقائنا التوجه إلى فاس لوضع ملفنا لدى إدارة الكلية.
كنا سبعة . استقلنا القطار ليلا ،
لقد كان قطارا من نوع خاص،
قطارا ينتسب للعصور الوسطى،
ويا ليتني لم أركبه..
كانت أول مرة أضع قدميًّ في وسيلة النقل هذه ،
وللمرة الأولى أسافر بعيدا عن طنجة ،
لم يسبق لي أن سافرت خارج مدينتي سوى إلى مدينتيْ تطوان وأصيلة .
كانت رحلة تاريخية بامتياز،
رحلة عانيت فيها الشيء الكثير.
كان القطار آنذاك يضم أربع درجات.أرخص درجة هي الرابعة ، ومع فقرنا المدقع وحاجتنا للنقود اتفقنا على السفر في الدرجة الأخيرة.
ثمن الرحلة آنذاك يتراوح بين خمسة وثلاثين إلى أربعين درهما إن لم تخنني الذاكرة. قاطرات القطار ذات اللون الأخضر الداكن تبدو من الخارج مهترئة تماما. داخل المقصورة كان الوضع أسوأ بكثير،فقد جلسنا على كراسي من لوح صلب بكل ما تحمله الكلمة من معنى .
مؤخراتنا في تلك الليلة عاشت وضعا عصيبا ،
لقد تورمت من جراء الجلوس الطويل،
فقد كانت الرحلة طويلة وشاقة، استمرت لأكثر من ثمان ساعات.
بين الفينة والأخرى كنا نقوم من مكاننا حتى نمنح مؤخراتنا بعض الراحة.
لقد كنا قاسيين معها،
وكان من الضروري أن نقسو عليها،
فقد كنا بحاجة إلى المال،
ولا نريد أن نثقل كاهل أسرنا بمصاريف جديدة.
كانت ملامح الراكبين المسافرين معنا في تلك الليلة تنبئ بكل شيء.فقر وبؤس وتهريب وجريمة.....
حذرني أصدقائي من النوم،غفوة بسيطة تساوي ضياع النقود والملابس.
وضعت نقودي في أماكن متفرقة من جسدي وركزت على جواربي التي وضعت فيها حصة أكبر.
تذكرت مثلا كنت أحفظه عن ظهر قلب، "لا تضع البيض كله في سلة واحدة"
أثارني طريقة جلوس المسافرين، فهي تختلف من شخص لآخر.فهناك من يحتل المقصورة لوحده ليتمدد كيفما شاء ،وهناك من ينام أرضا ، وهناك من يتكئ عليك بلا استئذان ، وهناك من يقلع حذاءه ليريح قدميه فتنبعث منهما رائحة تزكم الأنوف ، وهناك من كان شخيره يصل صداه إلى المقصورات المجاورة.
من لحظة لأخرى كنا نرى بعضا من الراكبين لا يستقرون في مكان معين، كانوا يقبلون ثم يدبرون.
إلى أين يذهبون ؟ لا أعلم.
قيل لي فيما بعد بأن هؤلاء مطاردون من مراقبي التذاكر.
بعض النسوة المسافرات يبدون لي أسمن بكثير ، وكأنهن حاملين بعشرة توائم.
استفسرت عن الأمر ، فقيل لي أنهن يهربن السلع بوضعها تحت ملابسهن.
إنه النبوغ المغربي !!!!!!
أحسست بعض مضي الوقت بأن مثانتي امتلأت، لذا فقد كان علي أن أفرغها في مرحاض ،
أرشدني أحدهم إليه.
كان مرحاضا مختلفا عن المراحيض التي عرفت. فقد كان المسافرون يضعون حاجتهم أرضا بشكل عادي .
يضعون حاجتهم فوق حاجة الآخرين!!!
كانوا متعودين على ذلك. هكذا اعتقدت.
تقززت نفسي فتقيأت لتوي، وكدت أن أضع حاجتي في ملابسي.
نصحني أصدقائي بأن أفتح باب القاطرة عندما يتوقف القطار ، ثم أقضيها في الهواء الطلق،
خجلت من الأمر كليا وامتنعت،
احتفظت بما في مثانتي إلى نهاية الرحلة.
كان علي أن أتحمل.
كان الكرى قد بدأ يداعبني، فأحسست بدوار في رأسي ، بعض النظرات الموجهة نحوي تنبئ بشر مستطير، لذا فقد بقيت متيقظا.
فلتصبر يا نور، لم يبق إلا القليل وتصل، سيكون لديك متسع من الوقت لقضاء حاجتك.
أخيرا وصلنا،أخيرا انتهت المعاناة.كانت الساعة تشير إلى السادسة صباحا ،
الشمس مشرقة وتنذر بيوم قائظ.
أول شيء فعلته بعد النزول من القطار هو الذهاب إلى بيت الراحة ،
كانت راحة ما بعدها راحة.
ما أجمل أن يستريح الإنسان !!!
لقد أنساني ذلك عذاب الرحلة.
كان فاضلا لدينا ساعتين قبل التوجه إلى الكلية ،لذا فقد بحثنا عن مقهى لكي نتناول وجبة الفطور.
تناولنا وجبة بئيسة شبيهة بالمقهى التي ارتدناها.
في طريقنا للكلية كنت أسرح عيني عبر نافذة الحافلة لأرى بعضا من معالم هذه المدينة التاريخية التي ذاع صيتها عبر العالم.
تمكنا من التسجيل في ظرف وجيز، ثم قمنا بجولة استطلاعية لذلك الحرم الجامعي الذي كنا نسمع عنه دون أن نراه.
كان علينا أن نقوم بشئ آخر. أن نؤمن منزلا للكراء في انتظار أن يسمح لنا بالسكن في الحي الجامعي.
كنا مضطرين لذلك خوفا من عدم إيجاد سكن عند مطلع الموسم الدراسي.
وهكذا خرجنا نبحث عن السكن في يوم شديد الحرارة.
تلك الحرارة التي لم أر لها مثيلا في حياتي .
طوال اليوم ونحن نبحث عن سكن يضمنا نحن السبعة بثمن مناسب.
كان الإجهاد قد أخذ مني كل مأخذ.
جلست على درج لأستريح أثناء مفاوضة أصدقائي لإحدى السيدات حول ثمن الشقة.
فأخذتني سنة من النوم.
أيقظني صديقي ليبشرني بأنهم تمكنوا من كراء شقة بحي "الليدو " المشهور. فإذا بي أرى قميصي الأبيض قد اكتسى حمرة قانية.
كانت الدماء تسيل من أنفي دون أن افطن للأمر.
لقد فعلت الحرارة المفرطة فعلتها إذن . وكان علي أن أعود بذلك القميص المخضب بدمي إلى طنجة وسط دهشة كل من رآني.
أدينا لصاحبة الشقة واجب الكراء الذي حدد في 1500 درهم للشهر، والذي كان يشكل مبلغا ضخما في ذلك الوقت. طلبت منا أن نضيف لها ثمن شهر آخر.
لقد كانت جشعة .
أخيرا سأعود.
سأعود لحضن أمي ،لحنان أمي ، لخبز أمي.
عدنا إلى طنجة في نفس القطار الذي ركبناه.
وتكررت المعاناة بشكل آخر.
مازال صداها يتردد إلى اليوم.
عند مطلع الموسم الدراسي من سنة 1993 ،عدنا مجددا إلى فاس حاملين معنا أمتعتنا.
هذه المرة لم أعان مع القطار، فقد تألفت قلوبنا وتصافت.لقد صرنا أصدقاء.
كانت الشقة التي اكتريناها بالعاصمة العلمية رحبة وواسعة ،
آه ، آه ، بطوننا تئن من الجوع. علينا أن نعد طعام الغذاء،
تذكرت أمي، تذكرت أطعمتها اللذيذة ، فسال لعابي.
نظرنا إلى بعضنا البعض نظرات استفهام، ثم انفجرنا بعدها ضاحكين.
لقد علمنا بأن لا أحد منا يعرف الطهي.
أدركنا حينها الدور الهام التي تلعبه الأم والأخت والزوجة والمرأة بصفة عامة في حياتنا.
كان دورا رياديا لا ينكره سوى الجاحدين.
فتحية لهن، ملؤها المحبة والمودة والحب والاعتزاز.
كان من الضروري أن يتطوع احدنا لكي يطهو لنا أكلة سريعة حتى نسكت بطوننا.
قام صديقي إسماعيل وأعلن نفسه طاهيا بدون تزكية منا. اقترح علينا أكلة مشهورة آنذاك عند الطلبة.
كانوا يسمونها في فاس ب " بي، إم "وفي الشمال يسمونها ب "أتلتيك".نسبة لفريق اتلتيكو مدريد الإسباني ذي الأقمصة الحمراء والبيضاء.
لقد كانت أكلة البيض مع الطماطم التي ذاع صيتها آنذاك بين الطلبة.
لم يخترها لأنه يجيد طهوها، بل لأنها أرخص أكلة في ذلك الوقت.
اكتشفنا ذلك بعد فوات الأوان.
خرج إسماعيل ليتبضع من دكان قريب وعاد بسرعة. كنا في الحقيقة نتضور جوعا ولم يكن باستطاعتنا الأكل في المطعم المجاور لنا.
فقد كان علينا أن نقتصد المال لنصرفه في أشياء أهم.
وهكذا قسونا على بطوننا كما قسونا على مؤخراتنا.
أعد صديقنا الأكلة بسرعة غريبة، بلا ثوم ولا قزبر ولا معدنوس.
ومع ذلك ، هجمنا كفريق واحد على الصحن. فأكلنا بشراهة دون أن نتذوق طعم الأكل ، المهم أن نسكت بطوننا التي تستغيث.
وفجأة ، أحسسنا بشيء غير عادي أثناء المضغ ،
شيء ما كان صلبا ،
ويحدث صوتا....
اضطررننا للتوقف بحثا عن ذلك الشيء غير العادي . توقفنا في وقت واحد.
وإذا بنا نجد أن اللعين قد طها البيض بقشوره .
اعتقد بأن البيض يُكسر ثم يوضع بمُحه وبياضه وقشوره مع الطماطم.
أراد لنا الوغد وجبة غذاء كاملة بكل ما تحمله الكلمة من معنى. ويالها من وجبة !!!
تعالت ضحكاتنا وقهقهاتنا. وصار الأمر نكتة نلوكها بيننا في قادم الأيام.
بعد ذلك أعدنا هجومنا على الصحن فأجهزنا عليه حتى صار ناصع البياض .كان الجوع هو السلطان، وكان لزاما علينا أن نأتمر بأوامره.
زميلي إسماعيل صاحب الأكلة العجيبة أصبح محاميا وحقوقيا مشهورا بطنجة . في كل مرة ألتقي به نتذكر الأكلة العجيبة فننفجر ضاحكين.
كانت ذكريات رائعة فعلا.
لم يمر على وجودي بفاس سوى أسبوع حتى توصلت ببرقية مستعجلة من والدتي تفيد بأنه علي الحضور على وجه السرعة لطنجة قصد الالتحاق بمركز تكوين المعلمين بتطوان لاجتياز المباراة.
ذهبت لتطوان هذه المرة وحدي، فقد أصبحت شخصا متمرسا على السفر.
كانت هناك طوابير من الصفوف في انتظار حلول دورها.
قيل لي بأن الامتحان شفهي فقط.
وصل دوري فتقدمت بخطى ثابتة.
كان هناك أستاذان.أعطياني فقرة من كتاب لصاحبه أبي العلاء المعري لأقرأها عليهما.
كان الأمر بسيطا بالنسبة لي فقد كنت متعودا على القراءة.
سألاني عن قواعد اللغة العربية وسألاني عن مدى معرفتي بحياة ومؤلفات أبي العلاء المعري.
فأجبت على جميع الأسئلة ، فقد كانت معلوماتي غزيرة في الموضوع . والفضل كله يعود لوالدي رحمه الله.
أحد الأستاذين كان يريد أن يتحداني بأسئلة أخرى معجزة . غير أن الأستاذ الآخر قال له: كفى.
كلمة "كفى" كانت إعلانا صريحا بنجاحي في المباراة.غير أنه في مقبل الأيام ساورتني شكوك ووساوس بعد أن تناهى إلى سمعي بأنه من يدفع المال يكون حظه أوفر في النجاح .
لذلك ، لم أنتظر نتيجة المباراة وعدت مجددا إلى فاس .
كان لي الشرف أن أحضر بعض المحاضرات وبعض الحلقيات في تلك الجامعة التاريخية .
أول محاضرة حضرتها كانت في القانون الدستوري للأستاذ "المرغدي"،
وقفت مبهورا من حجم ذلك المدرج .فقد كان مملوءا عن آخره ، فيه رأيت جميع شرائح المجتمع المغربي ممثلة ، الشمالي والغربي والشرقي والجنوبي.الفقير والغني ، الشاب والكهل ، اليساري واليميني ، الوسطي والمتطرف ، السافرة والمتحجبة والمنقبة.
ذلك المدرج جمع جميع الأطياف حتي الأفارقة السود، لا هدف لهم سوى طلب العلم.
حاول بعض الطلبة استقطابي لفصيلهم ،لكن لم تكلل مجهوداتهم بالنجاح ، فقد توصلت ببرقية في اليوم ذاته تخبرني بأني قد أصبحت طالبا معلما وعلي الالتحاق بمركز تكوين المعلمين بتطوان فورا.
آنذاك كان علي أن اتخذ أهم قرار في حياتي.
قرارا سيحدد مصير مستقبلي.
إما البقاء في فاس أو الذهاب لتطوان .
وضعت نصب عيني ألام والدتي ومرض أبي ومستقبل أختي ، لقد كانوا جميعا في حاجة إلي ، بالرغم من أن والدتي قالت لي بأنها ستدعمني ماديا ومعنويا في مسيرتي الدراسية.
أصدقائي الطلاب ثبطوا من عزيمتي ،عددوا لي مشاكل التعليم. حذروني من الانسياق وراء العاطفة عوض استخدام العقل.
انزويت في ركن من أركان المنزل، جلست الأربعاء، وشرعت في تفكير معقلن وعميق.
كان علي أن أقرر سريعا .
في الثامنة صباحا من اليوم الموالي كنت جالسا في القسم أستمع لأول درس في مادة علوم التربية بمركز تكوين المعلمين بتطوان.
وهكذا اغتلت حلمي الجامعي من أجل عيون عائلتي.
كان علي إذن أن أشرع في تجربة جديدة ،
تجربة مليئة بالأحداث والوقائع ،
تجربة من نوع فريد ،
وفذ.
تجربة اكتشفت من خلالها أنني كنت معلما بالفطرة .


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.