أربك انتصار المغرب الكروي، على الجزائر في مدينة مراكش، الكثير من حسابات حركة 20 فبراير، التي راهنت على الاستجابة الشعبية التلقائية لدعواتها التظاهر يوم الأحد في عدد كبير من المدن المغربية. ويبدو أن الحركة ارتكبت خطأ جسيما في التقدير بإصرارها على إبراز عضلاتها غداة مباراة كروية مصيرية بين بلدين يعشق الجمهور فيهما الكرة بصورة جنونية، وبالتالي فمهما تكن نتائج المبارزة الكروية فإن الجماهير لن تكون مستعدة للخروج والهتاف في اليوم الموالي وقد امتد بها السهر، فرحا أو حسرة. وهذا الخطأ في الحساب والتوقيت، ما هو مؤشر آخر على أخطاء في إستراتيجية الحركة يدل على تخبطها وحيرتها بل قد ينسى المغاربة دورها في إطلاق دينامية الإصلاحات السياسية والمؤسساتية. وقد تكون الحركة بالغت في تقدير حجمها وخامرها شعور بتضخم قوتها ،وبالتالي استهانتها بكل القوى الأخرى حزبية ونقابية واجتماعية وسلطوية ،ما أفقدها القدرة على التمعن بروية في المبادرة الجريئة التي أعلن عنها الملك محمد السادس يوم التاسع من مارس الماضي ، حين فتح أبواب أوراش الإصلاح على مصراعيها. وتجلى فقدان البوصلة في عدة مظاهر، أوضحها طبيعة الشعارات التي رفعتها الحركة في تظاهرات ومناسبات، فقد تباينت بين ما هو عادي وبسيط من قبيل الاحتجاج ضد شركات توزيع الماء والكهرباء وغلاء الفواتير وتوفير النقل، إلى جانب حل البرلمان وانتخاب مجلس تأسيسي يتولى صياغة الدستور. وأكثر من ذلك سخرت الحركة بألفاظ شائنة من لجنة مراجعة الدستور التي عينها الملك محمد السادس من قبيل نعتها ب "المخزنية والذيلية" بينما يوجد ضمنها فقهاء دستوريون وفاعلون سياسيون وجمعويون، مشهود لهم بالكفاءة والنزاهة. وشكل موقف الحركة من المهرجان الموسيقي "موازين" رغم رجاحة بعض الانتقادات الموجهة إليه ، دليلا آخر على المبالغة في تضخيم قوتها حين أعلنت في بيانات ومواقف مغرقة في الحماسة والخطابية أنها ستمنع تنظيم سهرات المهرجان. وهو الفعل الذي لم تستطعه، بل اعتبر حدا فاصلا بين النزعة الرومانسية المفرطة للحركة ومنطق الدولة. والملاحظ بهذا الخصوص أن 20 فبراير لم تعترف بهزيمتها أمام السلطة في معركة "موازين" ،ولم تمارس نقدا ذاتيا صريحا وشجاعا لتقول إن الذين خذلوها هم الشباب العاشق للموسيقى ،الذي عولت عليه الحركة لإحداث التغيير في المغرب. أظهرت الدولة حكمتها، بإصرارها على ممارسة حقها وسلطتها الشرعية ، لكنها بذات الوقت لم تتباه بإحراز انتصار على الحركة التي اعتقدت أن حفلات "موازين" ستشكل المعركة الفاصلة التي لا تبقي ولا تذر، بينها وبين النظام. وكان بإمكان الحركة مراجعة مواقفها بعد انتكاسة "موازين " لكنها قررت المضي في نفس النهج التصعيدي ، غير عابئة بالضربات التي تلقتها من الجمهور الذي ضاق ذرعا بتحركاتها في شوارع المدن.ولعل أوجع الضربات التي واجهتها الحركة ، ضعف الاستجابة لدعوتها التظاهر، بحجم غير مسبوق، يوم الأحد الماضي، ما جعلها تغطي الفشل بنفخ غير منطقي في أرقام المشاركين في تظاهرات واحتجاجات التي لم تعد الحركة متحكمة فيها ولا مالكة لزمامها بعد دخول أطراف وقوى جديدة على الخط. هل يجوز القول إن الحركة انتهت،وبالتالي لم يعد لها دور في الحراك السياسي والاجتماعي في المغرب مستقبلا؟ يتوقف الجواب على معرفة كنه الحركة ومرجعيتها الفكرية وصلابة تنظيمها وتماسك أعضائها وإستراتيجيتها وطبيعة تحالفاتها على المدى المتوسط والقريب. هذه كلها وغيرها معطيات غائبة أو مغيبة من طرف جهات تستغل براءة الشباب وصدقه وانخراطه العفوي في محاربة الفساد ، لتزج به في أتون معركة غامضة وبدون أفق. ليست حركة 20 فبراير ، مجرد سحابة صيف أو عاصفة ربيع .هي بمعنى من المعاني، تفجير لوضع سياسي لم يعد مقبولا. حققت انتصارا في هذا الصدد على الطبقة الحزبية الشائخة ، وتلك نقطة وفضيلة تحسبان لها. وتأسيسا على هذا المنظور، يمكن للحركة أن تعيد هيكلة نفسها وضبط برنامج عملها، بأن تكتفي بممارسة دور الرقابة والاحتجاج إذا تعثرت الإصلاحات الموعودة أو تم إبطاؤها لغير سبب وجيه ومقنع. لا يمكنها النجاح في هذا المسعى الإصلاحي إلا إذا هجرت الشعارات الشعبوية المعتمدة على التهييج بدل التفكير واستبدلتها بما هو عقلاني ومنطقي وقابل للإنجاز .يمكنها إذا شاءت أن تتحول إلى "برلمان" شبابي، يصبح منتدى ديمقراطيا لتبادل الأفكار. وبعبارة أخرى وبوضوح أكبر ،بات على الحركة أن تكف عن المبالغة والإفراط في تقدير حجمها والاستهانة بمنافسيها أو خصومها . فهي ليست القوة الوحيدة التي تمتلك المفتاح السري للإصلاح في المغرب.