أكد الخبير الاقتصادي نجيب أقصبي أن فرضيات قانون مالية 2022 كانت غير واقعية منذ البداية، فالبنسبة للغاز وضعت فرضية 450 دولار كسعر للطن، علما أنه في شتنبر كانت أسعاره تتعدى 800 دولار للطن. وأشار في تصريحات لموقع "لكم2" أن الأمر نفسه يتكرر بالنسبة لمحصول القمح، لأن وتيرة الجفاف بالمغرب ارتفعت وأصبحت أكثر حدة، وهذا أمر بنيوي، لذلك لا يمكن في فرضيات قانون المالية أن نراهن على معدل 75 مليون قنطار فقط لأنه في السنة التي سبقته حققنا معدلا فوق المعتاد، وأن ننسى أنه بعد كل سنة فلاحية جيدة تليها أخرى سيئة. وأضاف "على مدى قرن من دراسة تطور المناخ بالمغرب، يلاحظ أن الجفاف يأتي سنة كل 10 سنوات، لكن منذ الثمانينات تقلصت هذه المدة إلى سنتين أو ثلاث سنوات، بحيث نشهد سنة جافة وأخرى غير جافة". جفاف غير مسبوق وشدد أقصبي على أن الجفاف في هذه السنة أصعب مما عشناه فيما قبل، مبرزا في ذات الوقت أن مقارنته مع سنوات الثمانينات ليست في محلها، لأن كميات الماء في تلك الفترة كانت أكثر مما هي عليه اليوم. وتابع " الفرشة المائية في سنوات الثمانينات كانت أفضل مما هي عليه اليوم، لأن الإنتاج الفلاحي في تلك الفترة لم يكن يتطلب الكميات الضخمة التي تستهلك اليوم، لأننا لم نكن ننتج فاكهة البطيخ الأحمر في زاكورة، ولا الإنتاج المكثف من التمور في الجنوب، ولا ألاف الهكتارات من فاكهة الأفوكادو التي تنتج في بعض الأحواض، ولا الفواكه الحمراء في الغرب والعرائش". وزاد " بنية الإنتاج الفلاحي الموجودة اليوم تتطلب كميات هائلة من الماء، علما أن وضعية الفرشة المائية تراجعت، إضافة إلى ارتفاع الطلب بسبب النمو الديمغرافي". وأبرز أقصبي أن الجفاف الذي نعرف في هذه السنة غير مسبوق، وما تقوم به الحكومة في كل مرة معروف، ومنه إنقاذ ما يمكن إنقاذه من الأشجار خاصة بالنسبة للإنتاجات الموسمية، وتحديد حصص المياه التي تعطى من السدود وتوجيهها بالدرجة الأولى لإنقاذ الأشجار. إلى جانب إنقاذ الماشية عبر استيراد الشعير وتوسيع الدعم الممنوح للفلاحين من هذه المادة، وإعادة جدولة القروض الموجودة على ذمة الفلاحين بالنسبة للقرض الفلاحي. حلول ظرفية وأكد أقصبي أن هذه الخطوات تلجأ لها كل الحكومات المتعاقبة في كل سنة جافة، ولكن "المصيبة في كل هذا أننا نتعامل كبلد مع القضايا الإشكالية الكبرى مثل الجفاف وهو معطى بنيوي في المغرب بحلول ظرفية ترقيعية". وأضاف " الأمر يشبه إعطاء حبوب أسبرين لمريض مصاب بالسرطان، والسؤال الحقيقي الذي يجب أن يطرح هو إلى أين نتجه وكيف نتجاوز هذه المعضلة؟ لأنه لا يمكن أن نغير الموقع الجغرافي للمغرب ولا طبيعة مناخه". وأوضح أن هذه المعضلة تسائل الخيارات الاستراتيجية الكبرى في البلاد ومنها السياسة الفلاحية التي استنزفت الموارد المائية وزادت من تعميق المشاكل. ولفت إلى أنه منذ الثمينينات طورت السياسة الفلاحية منتوجات زراعية القاسم المشترك بينها أنها تستهلك كميات ضخمة من الماء، وثانيا أنها موجهة للتصدير، وهذا هو الحمق بعينه، على حد تعبيره. وتابع " البلاد تعاني من خصاص كبير من المياه ومع ذلك ننتج منتوجات تستغل الفرشة المائية بشكل مفرط من أجل التصدير، أي أننا نصدر الماء، ومع الأسف منذ سنوات ونحن ننبه لهذه المعضلة". وزاد " كيف يمكن أن نتصور منح آلاف الهكتارات لشركة إسرائيلية من أجل إنتاج فاكهة الأفوكادو، أولا هذه الشركة لا يمكن أن تنتج هذه المادة في إسرائيل بسبب مشكلة الماء، وأيضا ستستغل اسم صنع في المغرب لمواجهة سلاح مقاطعة البضائع الإسرائيلية في الخارج". تسقيف الأسعار وشدد أقصبي على أن مطالب تسقيف أسعار المواد النفطية معقولة في هذه الظرفية لأننا نتحدث عن مادة استراتيجية مرتبطة بالاقتصاد والمعيش اليوم للمواطنين. وأبرز أنه بالنسبة للمغرب كبلد يعاني من التبعية الطاقية للخارج وتقلبات أسعار السوق الدولية، فإن تسقيف السعر أمر أساسي، علما أنه منذ البداية كان التحرير في غير محله بالنسبة للمحروقات، لأن هذه القطاع محتكر من طرف ثلاث أو أربع شركات، وطبق التحرير فيه بدون آليات ضبط. وأكد أن مشكل تحرير قطاع المحروقات دون أي ضبط أو مراقبة، ينضاف إليه مشكل مصفاة "سامير" التي ظهرت الحاجة إليها في هذه الظرفية، بحكم أنها لعبت دورا استراتيجيا فيما مضى كوسيط في السوق الدولية والداخلية، خاصة أنها تستورد النفط الخام في ظروف معينة وتقوم بتكريره، وهذا يحقق قيمة وطنية مضافة. وأضاف " ارتفاع الأسعار عرى على مشكل قطاع المحروقات، لأن الشركات تسرقنا كيف ما كانت الأسعار منخفضة أو مرتفعة، لكن المواطن عندما لم يكن السعر يتجاوز 8 أو 9 دراهم كان في حالة خدر، أما اليوم بارتفاع السعر استفاق". واستبعد أقصبي قيام الحكومة بأي إصلاح ضريبي يذهب في اتجاه تمويل حاجيات الخزينة في هذه الظرفية الاقتصادية الصعبة، مؤكدا أن النظام الضريبي في المغرب مرآة لمصالح طبقية. وأشار أن النظام الضريبي في المغرب مرتبط بمصالح كبرى، واليوم لا يمكن أن يمس لأن اللوبيات التي كانت تواجه الإصلاح الضريبي منذ عقود، وصلت إلى رئاسة الحكومة وفي صلبها، وتسيطر على البرلمان والهيئات الاقتصادية المتعددة وكل مكامن القرار. وأكد أقصبي أن هذه اللوبيات لا يمكن أن تمس بمصالحها تحت أي ظرف، ومصالحها تسير عكس أي إصلاح ضريبي، مضيفا "ياريت لو طبقت فقط 10 في المائة من توصيات آخر مناظرة للجبايات".