مما لا شك فيه أن الحكومة تمضي قدما إلى خوصصة التعليم والصحة، وتسابق الزمن لتصفية ما تبقى من حق المواطن المغربي في تعليم عمومي موحد وجيد وتطبيب مجاني، ضاربة عرض الحائط مصلحة الشعب الذي ترزح غالبيته تحت عتبة الفقر، إرضاء للمؤسسات المالية الدولية التي لا تتوانى ولو للحظة في فرض شروطها على الدول في إطار برامج التقويم الهيكلي، والضغط عليها لتطبيق إجراءات من قبيل تحرير اقتصادياتها، وخوصصة المؤسسات العمومية؛ كل ذلك خدمة لمصالح الإمبريالية العالمية المتوحشة، وهي أبعد من أن تخدم مصالح شعوب مستضعفة. وحسب توصيات ومنطق صندوق النقد الدولي ف"لا مكان للدولة أينما يمكن تحقيق الربح"، ما يلزم الدولة التخلي عن كل القطاعات المدرة للربح، كقطاعي الصحة والتعليم مثلا، لصالح مستثمرين محليين كانوا أم أجانب، في إطار ما يسمى الشراكة عمومي-خصوصي، بواسطة مراسيم أو قوانين كقانون الإطار 51.17 الذي يهدف إلى القضاء على ما تبقى من مجانية التعليم الثانوي للتأهيلي والعالي. الارتجالية والضبابية والتعنت التي تتعامل بها الحكومة، كأسلوب لحل المشاكل، خاصة المرتبطة بالتعليم، هو أسلوب وتكتيك مقصود، الهدف منه دفع المواطنين مرغمين إلى الالتجاء إلى القطاع الخاص كملجأ آمن لتعليم أبنائهم، بعد فقدانهم الثقة في تعليم عمومي مهمش، تعمه الفوضى والإضرابات...لهذا لم تف وزارة التعليم بوعودها تجاه الأساتذة المتعاقدين، وكان هدف الوزير أمزازي فقط ربح الوقت من أجل إنهاء سنة دون بياض، ولا يهم بعد ذلك إن صعّدت التنسيقية أو ابتدأت السنة القادمة بالإضرابات والاحتجاجات، لأنها في صالح الحكومة وليس ضدها، فالهدف كما قلت هو فرار المواطنين نحو تعليم خصوصي. إلا أن الجرّة لا تسلم دائما، وهذا ما حدث مع طلبة الطب وطب الأسنان والصيدلة، الذين أبانوا عن حكمة ووعي واعتدال كبير في نضالهم، فاجأ حتى النظام نفسه، الذي اعتقد أن الحركة الطلابية ماتت، ولم تعد تلك الفئة الواعية المفكرة، التي يمكن أن تناضل من أجل حقوقها..ليأتي نضال أطباء المستقبل، وحمل المشعل من أجل التصدي للسياسات والإجراءات اللاشعبية التي تمضي الحكومة في تنزيلها في كلية الطب، تمهيدا لخوصصتها، كإدماج طلبة القطاع الخاص في التداريب بالمستشفيات العمومية، واجتيازهم للمباراة الداخلية وللإقامة، لما فيه من ضرب لمبدأ تكافؤ الفرص، بالإضافة إلى عدم وضوح الرؤيا بخصوص النظام الجديد للدراسات الطبية، خصوصا في الجزء المتعلق بالسلك الثالث واستغلال طلبة السنة السابعة في المستشفيات الجهوية والمحلية المستعمل لسد الخصاص، دون مراعاة التكوين البيداغوجي للطالب. هذا ما دفع تنسيقية الطلبة إلى خوض إضراب ومقاطعة شاملة للدروس والامتحانات لأزيد من ثلاثة أشهر مطالبة وزارتي "التربية الوطنية والتعليم العالي" و"الصحة" بتبني الحوار، بدل خطاب التهديد والوعيد، الذي دفع الطلبة التصويت على الاستمرار في الإضراب والمقاطعة بنسبة 91 في المائة، وتنظيم مسيرة وطنية يوم الخميس 30 ماي بالعاصمة الرباط. هي إذن معركة نضالية ومسؤولية الجميع لدعمها وإنجاحها من أجل التصدي لخوصصة المدرسة العمومية، ومن أجل مستقبل أفضل لأبنائنا.