يعد قطاع الصحة بجهة درعة تافيلالت أكبر شاهد على التفاوت الجهوي في المغرب، حيث تشكو جميع المستشفيات الإقليمية الخمسة، والمراكز الصحية القروية والحضرية، من نقص فادح في الأطر الطبية وشبه الطبية، بالإضافة إلى النقص في التجهيزات البيوطبية الكفيلة بتقديم خدمات علاجية في المستوى، ما يتسبب سنويا في ارتفاع نسبة الوفيات، خصوصا في فئات الصغار والأمهات الحوامل. بعد ثلاث سنوات على إحداث المديرية الجهوية للصحة بدرعة تافيلالت، لازال المواطن البسيط المغلوب على أمره بهذه الجهة يفتقد أدنى حقوقه في العلاج بالمستشفيات الإقليمية العمومية، خصوصا أن الوضع بهذه المؤسسات الاستشفائية لا يبشر بالخير، بسبب تردي خدماتها الصحية، نتيجة إهمالها من طرف المسؤولين الجهويين والمركزيين، وقلة الإمكانيات، ليبقى المريض هو من يدفع فاتورة تقصير هذه الجهات في أداء مهامها بالشكل المطلوب، رغم المجهودات المبذولة من طرف بعض مناديب الوزارة بالأقاليم الخمسة ومدراء المستشفيات الإقليمية بالجهة. رغم المشاريع الصحية والأموال الكثيرة التي تخصصها الدولة للنهوض بقطاع الصحة، إلا أن الأرقام والإحصائيات المعلنة تقول غير ذلك، إذ إن القطاع الصحي بجهة درعة تافيلالت، بأقاليمها الخمسة، أصبح يشهد تراجعا خطيرا في خدماته، بالإضافة إلى غياب أطباء متخصصين والإمكانيات التجهيزية؛ وهو ما وقفت عليه جريدة هسبريس الإلكترونية خلال زيارتها إلى العديد من المراكز الصحية القروية والحضرية والمستشفيات الإقليمية بالجهة. في هذا السياق أكد ادريس فخر الدين، والد الطفلة الراحلة إيديا، الملقبة ب"شهيدة الحكرة والإهمال"، أن جهتي بني ملالخنيفرة ودرعة تافيلالت هما الوحيدتان اللتان لا تتوفران على مستشفى جامعي، مستدركا بأن جهة درعة تافيلالت هي الأبعد عن أقرب مستشفى جامعي. وذكر المتحدث ذاته، في تصريح لهسبريس، أن "الولوج إلى مستشفيي فاسومراكش يبقى رهينا بأحوال الطقس، إذ إن فجي تزي نتلغمت وتيزي نتيشكا هما المنفذين الوحيدين إليهما؛ ويكفي نزول ثلوج لتكون الجهة بكاملها في عزله تامة، بالإضافة إلى وعورة المسالك التي تحتاج إلى ست ساعات في أحسن الأحوال لعبورها"، وزاد: "أضف إلى ذلك شاسعة الأقاليم وطابعها التضاريسي وهشاشة البنية التحتية والساكنة في هذه المناطق". مطالب بإحداث مشفى جامعي مشاهد مريرة ومؤسفة تلك التي تسجل بالمؤسسات الصحية العمومية بجميع أقاليم درعة تافيلالت، رغم أن الأخيرة تتوفر على كل الإمكانيات التي تفتقر إليها بعض الجهات الأخرى بالمملكة، والتي من شأنها أن تساهم في بناء مستشفى جامعي وتخصيص فريق طبي له في جميع التخصصات، مع تجهيزات في المستوى المطلوب، إلا أن غياب إرادة العمل بالجدية لدى القائمين على تدبير القطاع الصحي بالمغرب عموما وبالجهة على وجه الخصوص، وكذا بعض المسؤولين الإداريين والمنتخبين، حال دون ذلك، ما دفع بالعديد من المواطنين إلى مطالبة الملك محمد السادس بالتحرك نحو الجهة لتحقيق مطالب الساكنة، والعمل على تطبيق مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة وإعفاء المسؤولين المتهاونون في أداء واجبهم المهني، لجعلهم عبرة للآخرين. غياب مستشفى جامعي بدرعة تافيلالت يضاعف معاناة المرضى، خصوصا أن أغلبهم ينتقلون إلى مدينة مراكش أو مدينة فاس لتلقي العلاجات التي تتطلب الحصول عليها في المستشفيات الجامعية، ما يتسبب في وفاة الكثير من المرضى في الطريق قبل وصولهم إلى حيث يوجد علاجهم؛ كما يصطدم المرتفقون بمشاكل الإيواء طيلة وقت علاجهم، في حين يفضل البعض العودة بالمريض إلى المنزل والتسليم بقضاء الله وقدره. ويحكي احساين اوحساين، المنحدر من ضواحي مدينة زاكورة، معاناته مع غياب مستشفى جامعي بدرعة تافيلالت، مؤكدا أن ابنه البالغ من العمر حوالي عشرين شهرا "كان يتألم بسبب مرض فأخذه إلى جميع المستشفيات الإقليمية بالجهة، والمستشفى الجهوي بالرشيدية، دون الكشف عن نوع المرض أو إيجاد علاج له"، موضحا أن المستشفى الجهوي مولاي علي الشريف وجهه إلى المستشفى الجامعي بفاس من أجل إجراء الفحوصات الطبية للكشف عن نوع مرض ابنه؛ "وهو ما ضاعف من معاناة الطفل المريض ووالديه". وزاد المتحدث، في حديثه لهسبريس، أن "المستشفيات الإقليمية بالجهة لا تصلح لشيء، ووضعت فقط لمن يريد الاستفادة من "الدوا لحمر""، حسب تعبيره، مضيفا: "مطلب إحداث مستشفى جامعي بجهة درعة تافيلالت يعتبر من بين المطالب الملحة والضرورية من أجل تخفيف عبء تنقل المرضى إلى المدن البعيدة". زلزال ملكي لتحقيق الانتظارات ولتحقيق انتظارات المواطنين القاطنين بجهة درعة تافيلالت، أو كما يسمونها "جهة القهر والحكرة"، وخصوصا مطالبهم الاجتماعية، وعلى رأسها الخدمات الصحية، طالب العشرات من الجمعويين والحقوقيين والسياسيين ما وصفوها ب"الجهات العليا في المغرب" بإعفاء المسؤولين المتهاونين في عملهم بالجهة، أسوة بباقي المسؤولين الوزاريين ورجال السلطة الذين طالتهم مقصلة الإعفاء إثر الزلزال الملكي الأخير، نتيجة تقارير أعدها المجلس الأعلى للحسابات. سعيد اوشن، فاعل حقوقي بالرشيدية، أكد أن "جهة درعة تافيلالت بأقاليمها الخمسة في حاجة إلى زلزال ملكي يعصف ب"رؤوس الفساد"، التي ساهمت في وقف عجلة التنمية في جميع القطاعات دون استثناء"، مشيرا إلى أن "الركود التنموي الذي تعرفه الجهة، خصوصا في قطاع الصحة، كاف لإعفاء أكثر من مسؤول متورط عن قرب في معاناة ومأساة الفقراء"، بتعبيره. وزاد الحقوقي ذاته، في تصريح لهسبريس، أن "الجهة الوحيدة التي تعاني الفقر والهشاشة والحكرة على جميع المستويات رغم ثرواتها المعدنية وإمكانياتها الفلاحية والتاريخية والثقافية هي درعة تافيلالت، التي تتم عرقلة مشاريعها التنموية أمام الصمت المطبق لأم الوزارات"، موضحا أن "الحديث عن الإعفاءات دون إعفاء رؤوس كبار متورطين في الفساد المالي والإداري بالجهة، وبمباركة جهات مركزية، ضحك على ذقون الجهلاء"، على حد قوله. كما شدد فخر الدين ادريس على ضرورة إحداث مستشفى جامعي إلى جانب كلية الطب، وزاد موضحا: "لا يمكن إحداث أي تنمية بهذه المناطق دون خدمات صحية جيدة"، مسترسلا بأن "معايير وزارة الصحة لإحداث مستشفى جامعي كما أعلنها الوردي، الوزير المقال، (ساكنة تتجاوز مليوني نسمة) تبقى تعبيرا صريحا ليس فقط عن استحالة تواجده بجهة درعة تافيلالت، بل عن نظرة المركز الاحتقارية لأرض وساكنة الجهة؛ وتغيير هذه النظرة آن أوانه". الجهة في انتظار المصادقة على المخطط الجهوي للتنمية حاولت هسبريس التواصل مع مسؤولي المديرية الجهوية للصحة بدرعة تافيلالت، للحديث في الموضوع، إلا أن المسؤولة عن قسم التواصل في المديرية ذاتها أكدت أن المكلف بالإدلاء بالتصريحات موجود في مهمة خارج المديرية. وفي المقابل أكد مدير أحد مستشفيات الإقليمية، رافضا الكشف عن هويته للعموم، أن الوزارة الوصية على القطاع تتحمل مسؤولية الوضع الصحي الحالي، موضحا أنها لم تقم بأي بادرة من أجل إظهار نيتها في إحداث مستشفى جامعي بالجهة، ومشيرا إلى أن "المستشفيات الإقليمية لا يمكنها لوحدها تقديم العلاجات للعدد الكبير من المرضى المتوافدين عليها من كل حدب وصوب". ووجه المسؤول ذاته رسالة إلى المرضى ومرافقيهم، تهم ضرورة الاحتجاج على الوضع الصحي الحالي الذي لم يعد يطاق، ومطالبة الدولة بإحداث مستشفى جامعي يخفف عنهم عبء التنقلات إلى مراكشوفاس، موضحا أن "هذا المطلب من المطالب المشروعة والقانونية ولا داعي للخوف"، بتعبيره. بدوره، شدد الحبيب الشوباني، رئيس جهة درعة تافيلالت، على أن مدينة الرشيدية تتوفر على مستشفى جهوي، موضحا أنه "بعد الانتهاء من بناء عدة أجنحة ستكون هناك شبه مدينة طبية بدرعة تافيلالت". ولفت الشوباني، في تصريح مختصر لهسبريس، إلى أن المشكل الكبير التي يعانيه قطاع الصحة بالجهة هو الخصاص المهول في الأطر الطبية وشبه الطبية، ذاكرا أن "طموح المجلس الجهوي يرتكز على العمل لتمكين الجهة من مستشفى جامعي؛ وذلك في إطار التخطيط الإستراتيجي"، ومضيفا أنه "لا يمكن للجهة أن تكون لها مقومات حقيقية دون إحداث جامعة جهوية". وردا على سؤال طرحته هسبريس على المسؤول الأول عن مجلس درعة تافيلالت، حول ما إن خصصت الجهة ميزانية خاصة للمساهمة في إحداث مستشفى جامعي حاليا أو مستقبلا، قال الحبيب الشوباني: "ننتظر المصادقة على المخطط الجهوي للتنمية، لنعرف كيف ستكون التركيبة المالية لكل مشروع، ومن هم الشركاء".