كشف اليوم الدراسي الذي نظمته المنظمة المغربية لحقوق الإنسان بكلية الحقوق-أكدال-الرباط خلال شهر نونبر 2010، والذي تم تخصيصه لمناقشة إشكالية ملائمة القوانين الوطنية مع المواثيق والاتفاقيات الدولية على استمرار وجود توجهين فكريين مؤطرين للموقف من الاتفاقيات الدولية وعلاقتها بالقوانين الوطنية. الموقف الأول، تمثله الحركة الإسلامية المغربية، يدافع على مشروعية الدول على ملائمة القوانين الدولية بشكل لا يتعارض مع ثوابتها الوطنية والدينية والسيادية، وبشكل يحفظ خصوصيتها بمنأى عن التنميط المرتبط بتغول حركة العولمة وفرض تعليماته على الدول، وهذا مرتبط بشكل أساسي مع قضايا استكمال مشروع النهضة والتحرر من التبعية التي فرضها الاستعمار، ثم بعد ذلك النخب الوظيفية التي استمرت بعد الاستقلال والتي ساهمت في تكريس وضعية التبعية للخارج، ولهذا ترى الحركة الإسلامية المغربية أن التوازن ضروري، ويجب أن يتم بين الحفاظ على السيادة الوطنية والاحتكام إلى المرجعية الإسلامية أساسيا وفي نفس الوقت الانفتاح على القوانين والمواثيق الدولية بما لا يتعارض مع هذه الثوابت. بالمقابل من هذا التوجه، يبرز توجه ثاني يدعو إلى سمو المرجعية الدولية على باقي القوانين الوطنية، ويدعو إلى ملائمة التشريعات الوطنية مع كل الاتفاقيات الدولية ورفع كل التحفظات على هذه الاتفاقيات، واعتبار أن الأممالمتحدة لما أقرت نظام التحفظات، كان ذلك بهدف تشجيع الدول على توقيع الاتفاقيات، وبالتالي-حسب هذا التوجه- ليس من حق الدول أن تستغل لمبدأ التحفظات لمنع تنفيذ الاتفاقيات أو التحفظ على بنود أساسية في هذه الاتفاقيات تفرغه من مضمونه من ومن استفادة المجتمعات من مضامين هذه الاتفاقيات. وقد انعكست هذه المرجعيات بشكل واضح في مداخلات المحاضرين، بالرغم من حضور أكبر للتوجه الثاني المدافع على سمو المرجعية الدولية على القوانين الوطنية وملائمة التشريعات الوطنية مع كل الاتفاقيات الدولية بغض النظر على تعارضها أو عدم تعارضها مع الثوابت الوطنية والمرجعية الإسلامية، باعتبار أن الهيئة المنظمة لهذا اليوم الدراسي تنتمي إلى هذا الطرح. العدالة والتنمية المغربي: كل الاتفاقيات مقبولة ما دامت لا تتعارض مع الثوابت اعتبرت الأستاذة جميلة المصلي (نائبة برلمانية عن حزب العدالة والتنمية) نفسها أنها تنتمي إلى المقاربة الوسطية في التعامل مع هذا الموضوع، وذلك بالعمل على اعتماد مبدأ ملائمة القوانين الدولية مع القوانين الوطنية بما لا يتعارض مع الثوابت الوطنية، باعتبار أن معظم الاتفاقيات الدولية تهدف إلى النهوض بالإنسان وتحسين وضعيته، ولا يمكن إلا تثمين هذه الغايات النبيلة والعمل على دعمها، فلا يمكن مثلا الوقوف ضد القانون الخاص بحماية الأطفال والذي يسعى إلى ضمان حقوقهم الأساسية، ولكن في نفس الوقت البنود المتعلقة بحرية الدين والمعتقد ينبغي التحفظ عليه باعتبار أن المغرب بلد مسلم، ولا يمكنه القبول بهذا البند من الاتفاقية لتعارضها مع الدستور المغربي والقوانين الوطنية. وفي نفس السياق ذهبت المداخلة إلى أن هناك مجالا واسعا للاتفاق وبأن مجال التحفظ يمثل حيزا ضيقا مرتبط ببعض البنود في هذه الاتفاقيات والتي تتعارض مع السيادة الوطنية والمعتقدات الدينية، وهنا ينبغي إعمال مبدأ التحفظات، التي هو من حق مكفول لجميع الدول، وتستعمله من دون إحساس بعقدة أو نقص، بل وهناك العديد من التجارب المقارنة في الشرق والغرب التي استعملت هذا المبدأ بشكل عادي لما تعلق الأمر بسيادتها الوطنية أو تعارضها مع ثوابتها الدينية، فمثلا بالرغم من كون الولاياتالمتحدةالأمريكية تعتبر من الدول الكبيرة والمتقدمة إلا أنها لمتوقع على الاتفاقية الدولية بخصوص إلغاء كل أشكال التمييز ضد المرأة (سيداو)، وهذا لم يؤثر عليها كدولة قوية، ولم تحس بأي نقص أو عقدة نتيجة لذلك، بل إن الولاياتالمتحدة تعتبر من الدول التي ترفض التوقيع على عدد من الاتفاقيات الدولية، مثل اتفاقية حقوق الطفل واتفاقية كيوطو حول البيئة...، وكذلك سجلت عددا من التحفظات على عدد من البنود في الاتفاقيات الدولية، هناك أيضا الصين، فقد سجلت تحفظا على البند 29 من إتفاقية السيداو، واسبانيا تحفظت على البند الخاص بوراثة العرش. أما على مستوى منطقة العالم العربي، تعتبر تونس من الدول التي قطعت أشواطا في مجال العلمانية، وتعتبر دولة متقدمة في هذا المجال، ولكن بالرغم من ذلك تحفظت تونس على اتفاقية سيداو بخصوص البنود المتعلقة بالإرث والتسمية للأبناء، نفس الشيء ينطبق على عدد من الدول العربية الأخرى التي قامت بتسجيل تحفظاتها في كل مرة على هذه الاتفاقيات، مثل المملكة العربية السعودية التي تحفظت على المادة 16 من نفس الإتفاقية، نظرا لتعارضها مع الشريعة الإسلامية، ثم أيضا المغرب، الذي أبدى تحفظاته على عدد من البنود الخاصة بعدد من الإتفاقيات، وضمنها اتفاقية بكين، بحيث تحفظ على الفقرة الثانية من المادة التاسعة وكذا المادة السادسة عشرة والمادة التاسعة والعشرين. والبناء النظري التي تعتمده النائبة البرلمانية عن حزب العدالة والتنمية في موقفها بخصوص الاتفاقيات الدولية، يرتكز على ثلاثة مرتكزات، وهي كالتالي: أولا: مرتكز السيادة الوطنية، واعتبار القوانين الوطنية مقدمة على القوانين الدولية وحق الدول في الحفاظ سيادتها الداخلية، وكون الوثيقة الدستورية هي الوثيقة الأسمى التي تحتكم إليها الدولة ومختلف الفعاليات المجتمعية والسياسية، وبالتالي لا ينبغي أن يتم فرض الوصاية على المغرب بأي شكل من الأشكال، سواء من خلال الاتفاقيات الدولية أو المساعدات الإنسانية أو غيرها، ثانيا: مرتكز ديني، باعتبار أن الدستور المغربي يعتبر في الفصل السادس من الدستور أن الإسلام دين الدولة، ومن ثمة ينبغي أن تكون القوانين التي تشرعها الدولة منسجمة مع المرجعية الإسلامية للدولة، ثم أن المجتمع المغربي في عمقه مجتمع متدين وبالتالي لا ينبغي أن يتم التشريع لقوانين معاكسة لإرادة الأغلبية الساحقة للمجتمع المغربي، ثم ثالثا وأخيرا: مرتكز مناهضة التنميط الثقافي، باعتبار أن المغرب كغيره من دول العالم الثالث يقع تحت ضغط العولمة والرغبة في تأحيد الشعوب والثقافات ومسح الخصوصيات الثقافية للشعوب، خصوصا وأن العديد من القوانين الدولية تسعى على القيام بهذه الوظيفة عبر الضغط على الحكومات من أجل تسريع تنفيذها. التيار العلماني والدعوة إلى التنصيص الدستوري على أولوية المرجعية الدولية في مقابل هذا التوجه الإسلامي المعتدل، يبرز تيار علماني يدعو بشكل واضح إلى أولوية المرجعية الدولية على القوانين الوطنية بما فيها المرجعية الإسلامية، وبأنه في حالة وجود تعارض بين المرجعية الدولية والمرجعية الإسلامية يتم تقديم المرجعية الدولية، فقد ذهبت خديجة الرياضي (رئيسة الجمعية المغربية لحقوق الإنسان) إلى أن الدول ليس من حقها استعمال التحفظات، باعتبار أن الأممالمتحدة وضعت هذا المبدأ من أجل تسهيل التوقيع على الاتفاقيات من طرف الدول، وبأن عددا من الدول تستعمل هذا المبدأ من أجل عدم تنفيذ بعض البنود التي تكون في عدد من الأحيان أساسية في هذه الاتفاقيات مما تقف عائقا أمام استفادة المواطنين من مقتضيات الاتفاقيات. المدخل الأساسي لتغيير هذه الوضعية حسب التيار العلماني هو المدخل الدستوري، بحيث يعتبر أن الصيغة الحالية للدستور باعتباره أسمى مرجعية لا يسمو إلى تطلعات التيار العلماني المدافع عن سمو المرجعية الدولية بحيث يدعو هذا التيار إلى اعتبار المدخل الدستوري أساسيا من اجل التنصيص على سمو المرجعية الدولية على القوانين الوطنية وعلى النص في ديباجته على تثبيت معايير حقوق الإنسان، والتنصيص على العلمانية وفصل الدين عن الدولة. يبرز إذن الحاجة إلى فتح نقاش عمومي هادئ وعقلاني حول موضوع الموقف من الاتفاقيات الدولية وموقع القوانين الوطنية بالنظر إلى المستجدات التي يعرفها المغرب، والحاجة إلى الإنصات إلى كافة الآراء والمواقف بهذا الخصوص، والعمل على بلورة إتفاق على الخطوط العامة والمحددات الأساسية المشتركة، والتي ينبغي على مختلف الفاعلين من الأحزاب السياسية والحقوقية والمدنية أن تكون طرفا فاعلا في إخراجها للوجود ضمن مقاربة تحترم الخصوصية الوطنية والتاريخية والحضارية للمغرب وتتطلع في نفس الوقت إلى الكونية المؤسسة على القيم الإنسانية المشتركة التي لا تكون محل نزاع، وهو مجال واسع والعمل فيه يحتاج إلى تعبئة كل الجهود من أجل تحقيق هذه الأهداف.