اختناق شوارعنا وأزقتنا ؛ في المدن ؛ " بالفراشا " والعربات والسيارات والراجلين والمعربدين.. ظاهرة زادت وتيرتها في التنامي منذ الشرارة الاولي لما يعرف بالربيع العربي كما داخلتها عوامل اقتصادية وإسكانية واجتماعية بحتة ، سنحاول مقاربتها من خلال معالجة الإشكالية التالية : الاقتصاد غير المنظم ( العشوائي ) ؛ أين يعشش وتتناسل أشكاله ؛ وما هي تبعاته ؟؟ . منذ إقدام محمد البوعزيزي ؛ البائع المتجول ؛ علي إضرام النار في جسده ...واندلاع ثورات الربيع العربي ، سارعت بعض الدول العربية الي التخفيف من حجم سلطاتها تجاه المواطن العادي تصدره الهاجس الأمني ؛ كان من نتائجه المباشرة غض الطرف عن أنشطة شريحة واسعة من المواطنين في مجال عرض السلع في قارعة الطرقات والأرصفة ، والتي كانت محظورة ومهددة بمتابعة عيون السلطة وأعوانها ... بيد أن وتيرة هذه الظاهرة أخذت في الارتفاع والتضخم ، راكمتها عوامل اقتصادية بحتة ، نعرض لها في السياق التالي . كان لتعاظم أرباح ومكاسب هذه الشريحة ( الفراشا ) الأثر الفعال والحافز الكبيرلفئة أخرى ، أو ما يعرف ( بالسواقا ) التي رأت في التفريشا اليومية ؛ وعلى مدار أسبوع ؛ أفضل الطرق المفضية الى الربح السريع اليومي ( بدل يوم أو يومين في الأسبوع ...واجتياز مسافات كلمترية بعيدة ) . وهكذا صارت شوارعنا وأرصفتنا وأزقتنا معرضا لألوان شتى من المنتوجات ؛ من التوابل ( العطرية ) والألبسة والخضر والمفروشات والأدوات والمأكولات وكذا المشروبات وعلاش ما قلبت ..حتى إن بعض الدكاكين والمحلات أقفلت أبوابها بعد أن تعذر الوصول اليها واقتناء سلعها .. وهي موجودة على قارعة الطريق وبأثمنة بخسة . وفي وقت وجيز ، تحولت نسبة كبيرة من هذه الشريحة ( الفراشا الكبار ) الى ممولين لفراشا آخرين صغار مقابل حيازتهم لنسبة هامة من أرباحها . وهكذا أخذ عدد هذه الأخيرة ( الفراشا الصغار ) يتناسل تناسل الفطر. زاد في بل طينته عامل الهجرة القروية الذي يعتبر أحد الروافد الرئيسة في اختناق مدننا . هذه الظاهرة أفرزت ؛ حاليا ؛ نمطا جديدا في شوارعنا وأرصفتنا ؛ إذ تحول الفراشا الكباروالمتوسطون الي مالكي سيارات مستعملة وغير مستعملة ..بقناعة أن امتلاك سيارة أو تريبورتور ( دراجة نارية من الصنف الكبير ) أو الهوندا ، هي أيسر السبل لمضاعفة الكسب المادي . وهكذا انضم هذا ( الأسطول الضخم من السيارات المتهالكة ) أو بتعبير دارجي أكثر استعمالا جحافل ( القزادر المتحركة ) للفراشا وغيرهم الى طرقاتنا وشوارعنا وأزقتنا داخل المدن والحواضر الكبرى .. فيصاب المرء بالذهول والحيرة وهو يشاهد يوميا تحول هذه المرافق الى جحيم لا يطاق : أبواق السيارات تصدح في الأرجاء بسبب وبدونه .. وألوان شتى من القذف والسباب ... تتعالى من سائق الى آخر أو راجل وعابر ورشقات اصطدام بين سيارة وعربة ... وهدير المحركات وهي تنفث السحاب الأسود المتراكم وأعمدة الدخان تترنح في الفضاء ... إنها حرب قذرة تنعدم فيها أبسط القيم الأخلاقية ، وأحيانا ينتهي السير ببعضهم الى مشادات ومشاحنات وملاسنات لتتحول في الأخير الى مشاجرات وعراك بالأيدي ...وخاصة عند أعمدة الإشارات الضوئية . والحال ان أسلوب وطريقة السياقة تعكس ؛ بنسبة جد عالية ؛ شخصية السائق وميولاته . فالتوتر العصبي وارتفاع الضغط .. وضعف التأني وكذا التهور المفرط .. هي السمات الرئيسة التي تطبع سلوكات مستعملي الطريق ؛ سيما داخل المدارات الحضرية ؛ مما دفع ببعض العقلاء الى تركين سياراتهم والاستعانة بسيارات الأجرة في تنقلاتهم الحضرية تحاشيا ؛ منهم ؛ الانغماس في هذه الأجواء المحمومة التي لا تطاق ؛ طرق " حضرية " ضيقة ذات اتجاهين تجمع الحافلات والسيارات والعربات والقزادروالدراجات ..والراجلين ؛ وفي أحيان كثيرة الفراشا والباعة المتجولين . إنها ؛أي الشوارع ؛ لأشبه ببحار من الزفت ، يصعب التنفس عند ركوبها !!. لن نقف عند توصيف الظاهرة وتشخيص أبعادها الاقتصادية والسياحية والاجتماعية والصحية خاصة ،بل سنحاول ايجاد تصور لمعالجتها أو ؛ على الأقل ؛ الحد من مخاطرها في المدى المتوسط ، من خلال تظافر جهود عدة أطراف فاعلة بدءا بوزارة الاقتصاد والمالية ، وزارة الداخلية ، وزارة التعمير وإعداد التراب الوطني ، وزارة السكنى وسياسة المدينة ، وزارة التجهيز والنقل واللوجيستيك ، فوزارة السياحة . والوزارة المكلفة بالبيئة ؛ وأخيرا المجتمع المدني بجميع مكوناته . هلا فكرت وزارة الاقتصاد والمالية ومعها ممثلو الباطرونا في تنظيم وهيكلة هذا اللون من الاقتصاد غير المنظم بإنشاء أسواق محلية ذات مواصفات حديثة ... وعقد شراكات صغيرة مع الباعة المتجولين والفراشا الكبار وحتى أصحاب المحلات الصغرى للانضمام لهذه الأسواق شبيهة بالميكرومقاولات ؟ في مقابل الضرب بيد من حديد على كل من حاول استغلا ل الشوارع والطرقات والأرصفة لغرض آخر غير السير. تجميع القرى الصغيرة والمداشر في قرى نموذجية بمعايير حديثة الى جانب مرافق ادارية واقتصادية وتربوية كمدخل للمدينة الحديثة . ولعل وزارة السكنى وسياسة المدينة لديها مشروع تصور بهذا الخصوص ... فأي عائق يصرفها عن ذلك ؟ . تقنين سياسة الترخيص بفتح الأكشاك والحيلولة دون تناسلها مما يسيء الى جمالية المدينة والسياحة عموما . إعادة هيكلة أسواقنا القروية الأسبوعية في اتجاه تحديثها وسلخها من أثاثها القديم كالخيام ( لقياطن ) والتفراش ونباح الكلاب الضالة جوار الكرنا ؛ واختلاط أصوات البهائم ... وندرة المياه والكهرباء ! وهذا موكول ؛ بالدرجة الأولى ؛ الى الجماعات المحلية التي تعتمد ؛ في مداخيلها ؛ على الاتاوات والضرائب والرسوم المستخلصة من الباعة في الأسواق ...لماذا لا توظف هذه المداخيل في استحداث أسواق بمواصفات هندسية واقتصادية عصرية في متناول الجميع ، ومحمية من التأثيرات المناخية كالرياح والأمطار .... يرتادها الجميع مهما كانت أحوال الطقس . على الدولة أن يقترن تفكيرها بالربح والمصلحة العامة معا ... كفانا من منطق الربح وحده الذي جلب علينا ؛ وما زال ؛ الويلات تلو الويلات .. فرأفة بالمغرب والمغاربة . * باحث ومفتش منسق مركزي سابقا بوزارة التربية الوطنية [email protected]