عفو ملكي على 1304 أشخاص بمناسبة ذكرى 11 يناير    اطلاق ثلاث خطوط جوية جديدة تربط الصويرة بباريس وليون ونانت ابتداء من أبريل المقبل    رواية "بلد الآخرين" لليلى سليماني.. الهوية تتشابك مع السلطة الاستعمارية    طنجة : الإعلان عن الفائزين بجائزة بيت الصحافة للثقافة والإعلام    المنتخب المغربي يودع دوري الملوك    مراكش... توقيف مواطن أجنبي مبحوث عنه بموجب أمر دولي بإلقاء القبض    حرائق لوس أنجلوس .. الأكثر تدميرا والأكثر تكلفة في تاريخ أمريكا (فيديو)    مراكش تُسجل رقماً قياسياً تاريخياً في عدد السياح خلال 2024    تهنئة السيد حميد أبرشان بمناسبة الذكرى ال81 لتقديم وثيقة المطالبة بالاستقلال    وزير الخارجية الفرنسي "يحذر" الجزائر    توقيف شخصين في مراكش بتهمة النصب والاحتيال وتزوير وثائق السيارات    "الباطرونا" تتمسك بإخراج قانون إضراب متوازن بين الحقوق والواجبات    مدن مغربية تندد بالصمت الدولي والعربي على "الإبادة الجماعية" في غزة    إيكال مهمة التحصيل الضريبي للقطاع البنكي: نجاح مرحلي، ولكن بأي ثمن؟    هذا ماقالته الحكومة عن إمكانية إلغاء عيد الأضحى    مؤسسة طنجة الكبرى في زيارة دبلوماسية لسفارة جمهورية هنغاريا بالمغرب    الملك محمد السادس يوجه برقية تعزية ومواساة إلى أسرة الفنان الراحل محمد بن عبد السلام    المناورات الجزائرية ضد تركيا.. تبون وشنقريحة يلعبان بالنار من الاستفزاز إلى التآمر ضد أنقرة    أحوال الطقس يوم السبت.. أجواء باردة وصقيع بمرتفعات الريف    الضريبة السنوية على المركبات.. مديرية الضرائب تؤكد مجانية الآداء عبر الإنترنت    اللجان الإدارية المكلفة بمراجعة اللوائح الانتخابية العامة تعقد اجتماعاتها برسم سنة 2025    الملك محمد السادس يهنئ العماد جوزيف عون بمناسبة انتخابه رئيسا للجمهورية اللبنانية    توقف مؤقت لخدمة طرامواي الرباط – سلا    بورصة الدار البيضاء تنهي تداولاتها على وقع الأخضر    إيداع 10 علامات تجارية جديدة لحماية التراث المغربي التقليدي وتعزيز الجودة في الصناعة الحرفية    أسعار النفط تتجاوز 80 دولارا إثر تكهنات بفرض عقوبات أميركية على روسيا    أغلبهم من طنجة.. إصابة 47 نزيلة ونزيلا بداء الحصبة "بوحمرون" بسجون المملكة    فيلود: "المواجهة ضد الرجاء في غاية الأهمية.. وسنلعب بأسلوبنا من أجل الفوز"    "الأحرار" يشيد بالدبلوماسية الملكية ويؤكد انخراطه في التواصل حول مدونة الأسرة    تقديم وثيقة المطالبة بالاستقلال، محطة نضالية بارزة في مسار الكفاح الوطني من أجل الحرية وتحقيق السيادة الوطنية    القِرْد سيِّدُ المَشْهد !    ميناء الحسيمة يسجل أزيد من 46 ألف من المسافرين خلال سنة 2024    جماعة طنجة تعلن نسبة تقدم أشغال تأهيل معلمة حلبة ساحة الثيران    من هو جوزيف عون الرئيس الجديد للبنان؟    وفاة صانعة محتوى أثناء ولادة قيصرية    حوار بوتين وترامب.. الكرملين يعلن استعدادا روسيا بدون شروط مسبقة    بوحمرون: 16 إصابة في سجن طنجة 2 وتدابير وقائية لاحتواء الوضع    "بوحمرون.. بالتلقيح نقدروا نحاربوه".. حملة تحسيسية للحد من انتشار الحصبة    بوحمرون يواصل الزحف في سجون المملكة والحصيلة ترتفع    ملفات ساخنة لعام 2025    تحذير رسمي من "الإعلانات المضللة" المتعلقة بمطارات المغرب    عصبة الأبطال الافريقية (المجموعة 2 / الجولة 5).. الجيش الملكي من أجل حسم التأهل والرجاء الرياضي للحفاظ على حظوظه    صابرينا أزولاي المديرة السابقة في "قناة فوكس إنترناشيونال" و"كانال+" تؤسس وكالة للتواصل في الصويرة    "جائزة الإعلام العربي" تختار المدير العام لهيسبريس لعضوية مجلس إدارتها    ارتفاع مقلق في حالات الإصابة بمرض الحصبة… طبيبة عامة توضح ل"رسالة 24″    اتحاد طنجة يعلن فسخ عقد الحارس بدر الدين بنعاشور بالتراضي    السعودية تستعد لموسم حج 2025 في ظل تحديات الحر الشديد    الحكومة البريطانية تتدخل لفرض سقف لأسعار بيع تذاكر الحفلات    فضيحة تُلطخ إرث مانديلا... حفيده "الرمز" في الجزائر متهم بالسرقة والجريمة    بطولة إنجلترا لكرة القدم.. إيفرتون يفك الارتباط بمدربه شون دايش    مقتل 7 عناصر من تنظيم "داعش" بضربة جوية شمال العراق    النظام الجزائري يخرق المادة 49 من الدستور ويمنع المؤثر الجزائري بوعلام من دخول البلاد ويعيده الى فرنسا    الكأس الممتازة الاسبانية: ريال مدريد يفوز على مايوركا ويضرب موعدا مع برشلونة في النهائي    الآلاف يشاركون في الدورة ال35 للماراطون الدولي لمراكش    أخذنا على حين ′′غزة′′!    الجمعية النسائية تنتقد كيفية تقديم اقتراحات المشروع الإصلاحي لمدونة الأسرة    فتح فترة التسجيل الإلكتروني لموسم الحج 1447 ه    وزارة الأوقاف تعلن موعد فتح تسجيل الحجاج لموسم حج 1447ه    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



الشعبوية، ما هي، متى وأين ظهرت ؟

منذ اول تصريح له، بُعَيْد تعيينه رئيسا للحكومة المغربية، اتُهم السيد عبد الاله بنكيران بممارسة "الشعبوية" من طرف الكثير من الفاعلين السياسيين و الراصدين للشأن العام الوطني. ذلك انه، و للوهلة الاولى، أحْدث قطيعة تامة مع الصورة التقليدية لرئيس الوزراء. عفوية في الخطاب، جُرأة لفظية مذهلة تتخللها طرائف مُضْحكة و قهقهات مُزعجة واحيانا سورات غضب فجائية، ابتسامة جذابة، سبحة صغيرة لا تكاد تفارق اليد، سخرية لاذعة و صراحة مُرْبكة للخصوم. باختصار : اسلوب بسيط ومثير يلفت الانظار و ينفد إلى القلوب. في خضم هذا اللغط السجالي السياسي، إنبرت أصوات مُؤيدة تقول :"ها قد وجد الشعب بطله و المخزن رجله" – و أخرى مُشككة مُحذرة : "إنه المد الجارف (...) لا يمكن مواجهة "الشعبوية" الا "بالشعبوية"". و من هنا، حسب زعمهم، صعود نجم عبد الحميد شباط و ادريس لشكر، الخ – غير ان هؤلاء الزعماء كما بنكيران يرفضون بشدة هذه التوصيف
***
يُذَكرنا هذا الوضع بحالة فرنسا في بداية التسعينات، بُعَيْد الانتخابات الاوروبية (يونيه 1994) و بروز ما كانت تسميه الصحافة انذاك ب "الموجة الشعبوية"، في إشارة إلى النجاح الكاسح الذي حققته اللوائح الانتخابية لكل من" برنار تابي" و "جان ماري لوبان" و "فيليب دو فيليه" و التي استحوذت على ثلث الكتلة الناخبة. ميزة هؤلاء الزعماء الثلاثة : رفضهم المشترك الاصطفاف على نفس الخط مع الاحزاب المهيمنة، اليمينية منها و اليسارية، و التوجه المباشر إلى الشعب،و توظيف ديماغوجية مختلفة.
كان "تابي" رجل الصناعة العصامي، المُتَحدر من "قاع الشعب"، والذي ازدادت شهرته بفضل النتائج الباهرة لفريقه في كرة القدم "اولمبيك مارسيليا"، يُداهن الجماهير بعامية قوية، بدل لغة المهذبين المصقولة. على مستوى المضمون كان يُظْهر نفسه الاكثر تأييدا للافكار الاوروبية ذاهبا الى حد المطالبة بالفيديرالية المنعوتة انذاك باقبح الصفات – و أما "لوبان" و "دو فيليه"، فكانا يستعملان اللغة المشذبة من اجل تشنيف سماع مناصريهما بالوصفات المنتظرة و التعويذات السحرية : الدفاع عن فرنسا التقليدية و العودة الى القيم الاصيلة (العمل و الاسرة و الوطن و الاخلاق...). كل ذلك في عالم تُهَيْمن عليه كونية السلوكات و تمازج الثقافات والعادات و تأكل الهويات القومية و استفحال البطالة و عجْز الحكومات المتعاقبة على إيجاد حل لها. تحولات يَتِم تأويلها بشكل كارثي مُروع و اختزالها في بضعة مخاطر مُحدقة : الهجرة التي تحرم الفرنسيين من فرص العمل، و انعدام الشعور بالامن في المدن الناتج عن هجرة سائبة، و فساد المنتخبين و أخيرا الوحدة الاوروبية و البيروقراطية المُهددة لسيادة و هوية فرنسا. و أما الحلول فسهلة : طرد المهاجرين، سَن الحمائية التجارية، الافضلية الوطنية في كل الانشطة الاقتصادية، تعزيز و تقوية الشرطة داخليا و على الحدود، تطبيق حكم الاعدام و أخيرا الاستفتاء الشعبي الذي بواسطته سيقول كل مواطن رأيه في ابسط القضايا.
***
في السياق الفرنسي، تبدو كلمة" شعبوية" رنانة و مُلتبسة. فهي في المخيال الشعبي تحيل الى فترات قلق و زعماء شعبويين حاولوا استعمالها ضد النظام القائم لتعبيد الطريق نحو السلطة. تاريخيا، الشعبوية اليسارية ناذرة، لان الاحزاب اليسارية كانت دوما اكثر تنظيما من نظيراتها اليمينية، فلم تكن تترك الا القليل من الهامش للمغامرين. بالامكان هنا الاستدلال بصحيفة "الاب دوشين" التي كانت عن طريق الرشق بعبارات القدح و الشتم و الاستنكار تندد "بجمهورية المؤتمرين" المعتدلة الرخوة. في نهاية العهد الامبراطوري، سيعاد اصدار الجريدة بنفس العنوان تقريبا "الاب دوشيسن"، ثم للمرة الثالثة ابان "كمونة باريس" تحت اسم "الاب بينار". – منذ 1789 لم يتوقف المذهب الجمهوري المتطرف، العدو اللذوذ للارستقراطيين و القساوسة، في تغذية الادب السياسي لليسار الراديكالي، الذي كان باستمرار يشكك في نزاهة النائب ( ممثل الشعب) الذي لا يفكر الا في مصالحه– غير ان هذا التشكيك المُعبر عنه في لغة فجة خشنة يبقى هامشيا. ذلك ان الشعبوية الحقيقية يلزم البحث عنها في مكان آخر كما انه لا يجوز حصرها فقط في الاحزاب اليمينية.
*******
حين ظهروها كحركة سياسية في نهاية القرن 19، كانت الشعبوية صعبة التصنيف اذ كانت تضم خليطا من المنتمين. ففي سنة 1880 كان اليسار الراديكالي اول من اطلق الحركة "البولنجية" قبل ان يتحلق وراء حماس "جنرال" مخلوع كل الغاضبين على الجمهورية النيابية.
تتغذى الشعبوية اصلا من غضب الشعب. فالازمة الاقتصادية التي عمت فرنسا بكاملها ابتداءا من 1882 كانت سببا في تفشي البطالة و ارتفاع الاصوات ضد "جمهورية بورجوازية" تتباهى بثمتيل الارادة الشعبية و تبقي على الكثير من مكونات الشعب بلا موارد. كانت الاشتراكية في بدايتها، غير قادرة على تلبية اماني العمال العاطلين. و كانت الطبقة السياسية الحاكمة (الانتهازيون على شاكلة "جول فيري" و "غريفي") متهمة بالفساد (رغم استقالة الاخير، الخ). و منذ الانتخابات التشريعية 1885 لم تبرز أية اغلبية حكومية واضحة و مستقرة و كان الوزراء يتعاقبون فيما بينهم، راسمين صورة لنظام عاجز. في نفس الفترة، كان الشعور القومي مُهَيج منذ انهزام فرنسا امام بروسيا في حرب 1870-1871 و على الساحة الدولية كانت الديبلوماسية عاجزة على اخراج البلد من العزلة اذ كان طوق "بسمارك" مُحْكَما و كان في مُكنة ألمانيا إذلال فرنسا بلا تردد. أنذاك ظهر "بولنجيه"، الجنرال المنقد، المحفوف بالعناية الربانية. كان عُين وزيرا للحرب في حكومة "كليمنصو" لكونه جمهوريا و لان الجيش يعج بالارستقراطيين و بعض المحسوبين على رجالات الدين. منح تعيينه بعض الضمانات لهؤلاء. بيد انه سيكتسب شهرة فجائية من خلال حدثين مختلفين: في مارس 1886 إبان اضراب المنجميين في مدينة " ذو كازفيل" لم يرسل كما هي عادته في الاضرابات جحافل القوات للقمع بل اكتفى بخطاب جميل مؤثر مفاده ان المنجميين المضربين و الجنود يتقاسمون نفس الخبز و الحساء– و الحدث الثاني وقع بعد عام لما اعتقلت المانيا في الاراضي الفرنسية المحتلة ("الالزاس-اللورين") مخبرا فرنسيا، مما دفع "بولنجيه" بالدعوة الى تنظيم احتجاجات غاضبة كادت تؤدي الى نشوب حرب ضروس. كان الحماس بالغا. الا انه بعد اسابيع تَم الاستغناء عنه بأدب فلم يُسْتَوْزَر في حكومة 1887.
لكن خلال سنتين تقريبا عرفت فرنسا الحماس و وجدت بطلها. فاليسار الراديكالي كان يسعى لتوظيف "بولنجيه" بغية اسقاط "الجمهورية البورجوازية" و إحلال الجمهورية الوفية للمبادئ الكبرى للثورة. بل إن جميع الحركات السياسية الناقمة على الجمهورية القائمة كانت تبدل كل ما في جهدها من أجل استمالة "بولنجيه" نحوها ليتبنى قضاياها بما فيهم الاشتراكيون الذين لم يكن لهم من تفكير سوى الانقلاب من اجل تأسيس "الديكتاتورية الباريزية" و انهاء نظام المِلْكية الفردية. كذلك تحالف الكاثوليكيون الكارهون للقوانين اللائكية مع "البولنجيين" أملا في إنهاء "المدرسة بلا إله".
***
فماذا كان يا ترى برنامجه ؟ لا شيئ تقريبا : حل البرلمان و انتخاب جمعية تأسيسية و تشكيل جمعية وطنية اخرى. أما الباقي فكان "بولنجيه" لا يطلب سوى وضع الثقة فيه. و بعيدا عن أطقم الأحزاب البارزة المتشبعة بالافكار المبيتة منحت الحشود نفسها "لبولنجيه"، الذي يمثل في نظرها تجسيدا للوطن الابي و للدولة المُنْقذة و للرجل القوي الذي لا يُغريه الفساد. تَحَمس الرأي العام. كان الناس يجهلون ما يريده "بولنجيه"، بيد انهم كانوا يحسون انه سينقذ المجتمع من الركود و الحكومة من العجز. و بفضل تكتيك ماكر يكمن في التقدم كل مرة للانتخابات الجزئية حتى و لو اضطره ذلك للاستقالة و التقدم فورا و من جديد للانتخابات، سار من انتصار لانتصار في معاركه في الاوساط العمالية و في البوادي على السواء. و أما اكبر انتصاراته فكان في "باريس" في يناير 1889 : كانت مدينة الثورات وقتذاك معقلا لليسار، اذ كانت غالبية سكانها المكونة من العمال و متوسطي الحال تمنح اصواتها دوما لليسار الراديكالي و الجمهوريين الاخرين. لكن "باريس" هذه المرة ستمنح الاغلبية المطلقة "لبولنجيه".
هكذا عرفت فرنسا ظاهرة سياسية جديدة، اسمها"الشعبوية"، ستتم إعادتها من بعد، بطرق مختلفة، كلما دعت الضرورة.
***
ان الكتاب الأكثر اتحافا و افادة حول "الشعبوية"، ليس من تأليف مفكر او مؤرخ بل روائي كان شاهدا و فاعلا ضمن الحركة "البولنجية". يتعلق الامر ب"نداء الجندي"L'Appel au soldat لصاحبه "موريس بارس"Maurice Barrès. يُعرف الكاتب الشعبوية بانها قبل كل شيئ نوع من الثقة التي يمنحها الشعب : "الشعب -و قد-صار–حشدا"، لا الشعب الذي يفكر و يثقف نفسه بنفسه. بل الشعب المنضبط في صفوف منتظمة متراصة، الذي يترنح من شدة الانفعال و العاطفة. يتكلم "موريس بارس" عن "الايمان الغريزي لدى الجماهير" و "حساسيتها"(ص. 118) و تطهيرها في الفعل : "الدهماء"، "الحثالة تستلم الروح القومية بشكل جماعي" (ص.201) – و يضيف الكاتب : "الشعب-الحشد ربما لا يُعْتبر شيئا جيدا في حد ذاته، لكنه حين يجد زعيما يوجهه يصبح اساسيا لتمرير القرارات الحاسمة : "فيما يهم برنامجه، ففي شخصه نثق. و حضوره (...) يحرك القلوب. نريد وضع السلطة بين يديه، لاننا لنا الثقة الكاملة بانه في كافة الاحوال سيحس بما تحس به الامة"(ص، 181).
يتحول "نداء الشعب" الى صيغة سحرية. مثلا "عصبة القوميين" التي تجندت وراء "بولنجيه" تتخيل مشروع "جمهورية استفتائية" يحكمها رئيس "منتخب من ابناء الامة قاطبة" و على جميع الاصعدة يصوت الشعب على القرارات الكبرى عن طريق الاستفتاء، الاداة الحقيقية للديموقراطية ضد "كل هؤلاء النواب المخادعين".
في روايته يوجز "بارس" كنه النزعة "الشعبوية" المضادة "للبرلمانية" (ص. 181) بما يلي : "ديكتاتورية رجل يتأهب لمناهضة البرلمان"(ص. 181) : "حل، مراجعة، جمعية تأسيسية"(ص, 181) هذه الصيغ المختصرة اصلا تختزل اكثر في ذهن الشعب في شعار "عاش بولنجيه"، شعار حب مبهم لا يُدَقق معناه الا صرخات الإغاضة و الحسد و الكره الموازية : "اسقاط الفساد"، "اسقاط اللصوص"، "اسقاط الاستبداد"، الخ. (راجع ص. 180 ).
تتبنى الشعبوية خطاب كراهية اتجاه "النخب" السياسية و الثقافية. فالبرلمانيون و الوزراء لهم دوما علاقة في المتخيل الشعبي بالمال القذر : كلهم "فاسدون"، "لصوص"، "مرتشون"، "فاسقون"، الخ. لذا يجب ان يظهر زعماؤها بمظهر الفضلاء الذين يوبخون النواب بوصفهم "انتهازيين". "مفتنين للامة"، غارقين في شجارات تافهة، ناهبين للمال العام، مقدمين لناخبيهم وعودا كاذبة مستحيلة التحقيق، مما يلزم طردهم عن طريق عملية تنظيف واسعة و حل احزابهم.
نخبة المثقفين هي ايضا، في نظر الشعبوية، خطيرة. فهي عاجزة على فهم ما يتماشى و المصلحة القومية عن طريق الحدس او الغريزة. المثقفون يحللون الواقع بمناهج عقيمة تفضي الى العجز. حين انفجرت قضية "دريفوس"، عشر سنوات بعد "بولنجيه"، سينعث زعماء القومية الشعبوية المثقفين بابشع النعوت و أحط العيوب. يقول "بارس" في روايته : "المثقف : فرد يقنع نفسه بان المجتمع يجب ان يؤسس على المنطق، بينما يجهل انه (المجتمع) يرتكز في الواقع على ضرورات سابقة (على المنطق) و ربما غريبة على العقل الفردي". بل ان "بارس" يقابل مفهوم "الشعب-الحشد" الحامل للغريزة القومية بخيانات المثقفين (ص. 118) : "احيانا نشكك في قوانا اللاشعورية، أعني جماهيرنا الشعبية الغير منظمة، التي فيها يوجد خلاصنا. ما اعظم ما ننتظره من غريزتها للصحة المجتمعية" (ص. 377).
***
تبقى الشعبوية دائما افتراضية ما لم تلْق زعيما كاريزميا يكشف بواسطته الشعب للشعب. يمكن ان يكون هذا الزعيم عسكريا كما هو حال "بولنجيه", لكن، بما ان العسكر قليلو الكلام، فقد كان "بولنجيه" يعتمد على حضوره الجذاب و على حصانه الاسود الجميل و لحيته الممشوطة بعناية. كان ثمة، باستمرار، من يتكلم في مكانه. عادة، الزعيم الشعبوي ثرثار، يتقن فن الخطابة و إذا أمكن متحدر من الطبقات المتواضعة في المجتمع. يعرف كيف يتوجه الى الشعب-الحشد الذي بدوره يتعرف عليه كواحد منه. و يزعم انه لوحده حامل لهموم الجماهير او بعضا منها و قادر على تعيين المسؤولين عن مآسيها. كما انه يمجد الحس الشعبي السليم ضد خطاب و حجج طبقة سياسية غارقة في الشكليات المسطرية والقانونية، و يتهم، متغلفا في اخلاقيات لا تخطأ، اصحاب السلطة بالفساد.
الظروف هي التي تمنح المادة الخام (الديماغوجية) للشعبوي. غير ان الديماغوجية الشعبوية لا تكمن فقط في الجمل و الخطابات المستعملة. (فالزعيم الشعبوي يعرف اسس اللغة العالية و فن الاستشهاد) بل في حركة مزدوجة اتجاه نداء الشعب : تخويف بتضخيم معطيات وضع ما، و تشويه المعلومة، و تضخيم عنصر من العناصر الثانوية، و الطمأنة بطرح الذات بمثابة المنقذ، و تقديم حلول تبسيطية مستحيلة التطبيق، غير مطابقة للواقع و استيهامية.
***
منذ نهاية القرن 19م، عرف المسرح السياسي الفرنسي (او غيره)، خصوصا في فترات الشدة و الازمات مزايدات شعبوية تروم خلع الحاكمين بل قلب المؤسسات. حركات تبحث عن زعيم تاريخي يرتكز مباشرة على الشعب، ضد فئات من السياسيين و الموظفين العاجزين عن تنظيم الحياة السياسية و الاجتماعية للبلد بطريقة قارة و عادلة. تمرد كامن ضد النخب يكتشفه و يؤطره خطباء ديماغوجيون.
تعكس الشعبوية هشاشة الديموقراطية. و كيفما كانت اشكالها (أي الشعبوية)،كما يوضح المؤرخ الفرنسي "ميشيل وينوك"، فهي تبقى في الاخير مثل الحمى، علامة مرضية. فلا جدوى من احتقارها اذا لم يُعمل على علاج ما تكشفه من ضروب الحرمان. نجاحها يشكل عموما أمارة على الشرخ و الفجوة الواسعة بين الحكام و المواطنين، بين الفقراء و الاغنياء، و الديماغوجية (وسيلتها) التي تلجأ اليها تمنعها (لا محالة) من الوصول الى مسؤولية الحكم و تدبير الشأن العام، لكن الاحتجاج الصاخب الذي تُسْمعه لا يجب رغم غلوه و افراطه و حماقاته ان يصل الى آذان صماء.
----------------------
المراجع المعتمدة :
-Barrès, Mauris, L'Appel au soldat, Paris, Ed. Charpentier, 1900.
- Winock, Michel, La fièvre hexagonale : les grandes crises politiques, 1871-1968, Seuil, 1986.
- Winock, Michel, Parlez-moi de la France, Paris, rééd. Seuil, 1997.
- Winock, Michel, Le Siècle des intellectuels, Seuil, 1997.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.