الحمد لله ، نحمده ونستعين به ونستهديه ونستغفره ، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا ، من يهد الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له ، ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، ونشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وسلم تسليما كثيرا. أما بعد : فلقد اهتم الإسلام منذ أيامه الأولى بالشعر والشعراء ، وأحَّل الرسول صلى الله عليه وسلم الشعراء مكانا مرموقا. ولقد كان الرسول الكريم يقول عندما يستمع إلى شعر أو نثر جميل. " إن من الشعر لحكمة ، وإن من البيان لسحرا " وروي أنه صلى الله عليه وسلم كان يقول : "ما يمنع القوم الذين نصروا رسول الله بسلاحهم أن ينصروه بألسنتهم ". ولا عجب ولاريب أن يهتم الإسلام بالشعر والشعراء.وكيف لا وقد كان القوم صناعا حادقين للكلمة.وكان الشعر عندهم بمثابة السجل الذي يسجلون فيه تاريخهم و مفاخرهم وأنسابهم. وقد عرف العرب على مر تاريخهم طبقات من الشعراء بدءا بشعراء العصر الجاهلي,مرورا بطبقة الشعراء المخضرمين.ثم شعراء العصر الإسلامي.فالشعراء المولدين.... وسنحاول أن نركز في مبحثنا هذا على العصر العباسي بإعتباره العصر الذي عرف صراعا بين مايعرف بطبقة الشعراء القدامى و بين مايعرف بالشعراء المحدثين أو المولدين. لذلك سنحاول تقسيم مبحثنا هذا إلى ثلاث محاور أساسية : المحور الأول : العصر العباسي من الخصوصية السياسية إلى الخصوصية الأدبية. المحور الثاني : تأثير العصر العباسي في تاريخ الأدب. المحور الثالث : الصراع بين القدامى والمحدثين في العصر العباسي. عرف العصر العباسي تنوعا عقديا حيث ظهرت إبان تلك الفترة عدة فرق أو بالأحرى تقوى نفوذها كالشيعة والصوفية والإباضية.وظهرت فرق كلامية كالمعتزلة والمرجئة.أضف إلى ذلك أن العصر العباسي عرف أحداثا سياسية خطيرة كالصراع على السلطة.وهذا ماأثر بشكل مباشر على الحقل الأدبي حيث كان للتجاذبات السياسية ولهذا التنوع العقدي والمذهبي وحتى العرقي (عرب-فرس) أثره البارز على الأدب بحيث إمتزج الفكر العربي بالفكر الفارسي ماولد طفرة علمية وأدبية مهمة وقد أصبحت هذه المرحلة تعرف بالعصر الذهبي للأدب العربي عموما و إنتشر فيه التصنيف حيث شهدت هذه الفترة تصنيف الإمام مالك " للموطأ " وإبن إسحاق "لكتب السيرة" كما عرفت هذه المرحلة إنتشار الترجمة من اللغات الأجنبية ولعل من أبرز المترجمين "إبن المقفع" الذي ترجم كتاب " كليلة ودمنة" كما تأسس في هذه الفترة "بيت الحكمة" والذي يعتبر أول جامعة في التاريخ.وقد كانت مركزا للترجمة حيث ترجمت فيه كتب.و ازدهربذلك الأدب العربي في العصر العباسي في بغداد في نصف القرن الثامن;.بلغ العصر الذهبي للثقافة الإسلامية أبهى عصوره في عهد هارون الرشيد وابنه الخليفة المأمون. وقد نبغ في هذه الفترة عدد من الشعراء أمثال أبو نواس و المتنبي وإبن الرومي و الخليل بن أحمد وأبو فراس الحمداني و أبو تمام و بشار بن برد.وقد كان للشعراء في هذه الفترة منزلة عظيمة حيث كان جل الشعراء أشد قربا من البلاط العباسي وهو ماولد نوعا من الشعر يمكن أن نطلق عليه إسم "الشعر الرسمي" وقد كان غرضه مدح الخلفاء بدافع التكسب والتزلف. كقول المتنبي : ياذا المعالي ومعدن الأدب سيدنا وإبن سيد العرب وبالمقابل ظهر مايمكن تسميته "بالشعر الشعبي" وكان من أغراضه الغزل وقد بلغ حدودا من الفحش و المجون. ومنها قول أبو منصور الثعالبي : ريق الحبيب كريق المزن والعنب أذاقني ثمرات اللهو والطرب وقد سبت مني الأيام صفوتها فكيف أهرب منها وهي في طلبي إضافة إلى التغني بالخمر. كقول أبي نواس: دع عنك لومي فإن اللوم إغراء وداوني باللتي كانت هي الداء صفراء لاتنزل الأحزان ساحتها لو مسها حجر مسته سراء ومن الشعراء من جره تأثره بالفلسفة إلى الإلحاد في شعره. ومنها قول الحلاج : أنا من أهوى,ومن أهوى أنا نحن روحان حللنا بدنا إذا أبصرتني,أبصرته وإذا أبصرته أبصرتنا وقد ظهر أيضا مايعرف "بشعر الحكمة" ومنها قول الإمام الشافعي : دع الأيام تفعل ماتشاء وطب نفسا إذا حكم القضاء ولاتجزع لنازلة الليالي فما لحوادث الدنيا بقاء. بالإضافة إلى الشعر إزدهر في العصر العباسي النثر.خاصة مع الجاحظ الذي ألف عدة كتب نثرية. ومن أهم مؤلفاته كتاب الحيوان الذي يتضمن مقتطفات من نوادر الحيوانات و كتاب البخلاء والذي يعتبر دراسة للنفسية البشرية. وفي النصف الثاني من القرن العاشر الهجري-العصر العباسي دائما-ظهر نوع جديد من الأدب يسمى "أدب المقامة" مع بديع الزمان الهمذاني و الحريري. كما عرف العصر العباسي القصص الاجتماعية والغرامية والبطولية ككتاب الأغاني لأبي الفرج الأصبهاني، وقصص العذريين، وسيرة عنتر، وحمزة البلوان، وسواها ومنها القصص التاريخية التي تناولت سير الخلفاء والملوك والأمراء والمتتبع للحركة الأدبية في العصر العباسي سيلاحظ انها قد تأثرت بالأحداث السياسية والإختلافات العقدية التي كانت سائدة أنذاك.وهو مايعكسه تعدد الأغراض الشعرية والإتجاهات الفكرية لدى الشعراء خصوصا و الأدباء بشكل عام.لكن السؤال المطروح هو هل إقتصر هذا التأثير على الحقبة العباسية فقط أم أن تأثيره شمل العصور التابعة للعصر العباسي.؟وهل يمكن إعتبار العصر العباسي مرحلة مفصلية في في تاريخ الأدب؟ يعتبر العصر العباسي بحق محطة مفصلية في تاريخ الأدب حيث ظهر التدوين ونشطت حركة الترجمة ماولد نوعا من الزخم الفكري والإبداعي لا من حيث الشعر أو النثر أو باقي الفنون الأدبية الأخرى.ويرجع الفضل لأدباء هذا العصر في أنهم كانو السباقين لإبداع أنواع أدبية لم تعهدها العرب سابقا.كأدب المقامة والذي كان من أهم رواده بديع الزمان الهمذاني.( والمقامات مجموعة حكايات قصيرة متفاوتة الحجم جمعت بين النثر والشعر بطلها رجل وهمي يدعى أبو الفتح الإسكندري وعرف بخداعه ومغامراته وفصاحته وقدرته على قرض الشعر وحسن تخلصه من المآزق إلى جانب أنه شخصية فكاهية نشطة تنتزع البسمة من الشفاه والضحكة من الأعماق. ويروي مغامرات هذه الشخصية التي تثير العجب وتبعت الإعجاب رجل وهمي يدعى عيسى بن هشام.)1 وقد ساهمت المقامات بنصيب وافر في الأدب العربي من حيث أنها كانت : وسيلة للتمرن على الإنشاء والوقوف على مذاهب النثر والنظم.) رصيد لثروة معجمية هائلة مستودعً للحكم والتجارب عن طريق الفكاهة وثيقة تاريخية تصور جزءاً من حياة العصر العباسي وإجلال رجاله)2 إضافة إلى المقامات فإن العصر العباسي قد عرف تأسيس علم النحو على يد أبي الأسود الدؤلي و الخليل بن أحمد الفراهدي هذا الأخير أسس أيضا لعلم العروض.وكذلك عرف هذا العصر تصنيف عدد كبير من المصادر اللغوية "كلسان العرب" لإبن منظور.و"القاموس المحيط" لمجد الدين الفيروز آبادي. ومن خلال هذا الجرد البسيط لبعض ماميز العصر العباسي من تطور لعلوم يتبين لنا الدور الكبير الذي لعبه أدباء هذا العصر في النهضة الفكرية العربية حيث أصبح للعرب بعد هذا العصر ألوان أدبية أخرى غير تلك الألوان النمطية التي عهدوها.وأصبح للعرب أيضا مؤلفات عظييمة في النحو إستفاد منها العرب أيما إستفادة على مر العصور والأزمان.حيث قل اللحن في اللغة العربية وأصبحت اللغة بذلك قوية مقننة بقواعد صارمة تحكمها.وقد بني على هذا العلم عدة علوم أخرى. يقسم العلماء والمتتبعون لتاريخ الأدب عموما والشعر خصوصا الشعراء إلى طبقات._طبقة شعراء الجاهلية _ طبقة الشعراء المخضرمين _ طبقة شعراء الإسلام _ طبقة الشعراء المولدين أو المحدثين.وإنما كان هذا التقسيم بعد أن كثر الخلاف بشأن الإحتجاج بالشعر في القواعد النحوية.فإتفق العلماء على الإحتجاج بالطبقات الثلاث الأولى وعدم الإحتجاج بالرابعة لأنه على حسب تقديرهم قد خالط اللحن ألسنتهم وتأثروا بالثقافات الأجنبية.وذلك واضح من تسميتهم بالمولدين لأن المولد في اللغة هو المحدث الذي لم يكن معروفا فيما مضى. جاء في لسان العرب : المُوَلٌد :المحدث من كل شيء ومنه المُوَلًدون من الشعراء: إنما سموا بذلك لحدوثهم. وفي مقاييس اللغة المُوَلٌد : الذي لاأصل له والشعراء المولدون أو المحدثون نذكر منهم بشّار بن برد وأبي نوّاس فهما من الطّبقة المولَّدةِ أي طبقة الشّعراء الذي أحدثوا في العربية ألفاظاً ومواضيع شعريةً ليست أصيلةً في تقاليد الشعر العربي القديم، ومنهم الشعراء الفرس الذين أشاعوا استخدام الألفاظ الفارسية.وقد إهتم الشعراء المولدون بالتجديد في الشعر فإتجهوا نحو الصنعة والتكلف في شعرهم.وإيراد كلمات غريبة في أشعارهم.والخروج على عمود الشعر المألوف عند العرب.وهو ماأعتبر تمردا على القصيدة النمطية. وقد عرف العصر العباسي صراعا محتدما بين القدامى والمحدثين حول مسألة الأغراض و الشكل.فقد إعتبروا أن كل من نظم قصيدته وفق النموذج المحتدى "العصر الجاهلي" غرضا وشكلا فقد أصاب.وأن من خرج على هذا النموذج فقد خسر وخاب. إعداد :خليل القواق أبو جهاد الهوامش : 1-ويكيبديا الموسوعة الحرة. 2-ويكيبديا الموسوعة الحرة-بتصرف-