أثار قرار حزب الاستقلال نهاية الأسبوع الماضي بالانسحاب من الحكومة مجموعة من ردود الأفعال المتباينة، فبين مُرَحِّبٍ ومُنَدِّدٍ اختلفت الرؤى والتبريرات وصارع البعض إلى الترحيب بالقرار وآخرون إلى التنديد به. لكن العجيب في الأمر هو أن بعض المنادين بالديمقراطية والتغيير سمحوا لأنفسهم بالتدخل في شأن حزبي داخلي، وأطلقوا سهام نقدهم واتهاماتهم نحو حميد شباط الأمين العام لحزب الاستقلال متهمين إياه بالتواطؤ في مؤامرة ما، وتلقي التعليمات من جهةٍ ما، وتنفيذ أجندة لا تتعلق بحزب الاستقلال. وصراحةً لم نعد ندري ما يريده البعض، فعندما تمارس مؤسسة حقها الطبيعي والمشروع ويكون قرارها مخالفاً لتوجه البعض تُتَّهَمُ بالخيانة والتواطؤ. وعندما يقول شخص معين الحق ويكشف الحقائق، وتكون أقواله مخالفة لأهواء البعض يُتَّهَمُ بالخيانة كذلك والتواطؤ وتنفيذ أجندة الفساد.
وحقيقة الأمور هي أن السيد بنكيران هو أول من خدم أجندة الفساد منذ ترؤسه للحكومة، عندما تنازل عن صلاحيته وضيع سنة ونصف غارقاً في الأقوال ولم نرى منه أي فعل نتذكره به. وحقيقة الأمور هي أن السيد بنكيران هو أول من خدم أجندة القمع والاستبداد منذ ترؤسه للحكومة، عندما انفرد بالقرار وهمش حلفائه وأراد إسكات المعارضة والصحافة بجميع الوسائل.
شيء طبيعي أن تسقط حكومة بنكيران اليوم وأن يتخلى عنه حلفاؤه، وهو من أوصل عجزالميزانية إلى مستوى قياسي تكاد البلاد تفقد سيادة قرارها المالي والاقتصادي من جراءه. وهو من وعد المغرب بكل شيء غير ممكن، وألصق الفشل بالعفاريت والحيوانات و أدخل قاموساً جديداً أصبح أطفال المغاربة يسخرون من بعضهم به.
ليس هذا هو المغرب الذي حلمنا به جميعاً عندما سمعنا خطاب الملك يوم 9 مارس، ووضعنا دستوراً جديداً للبلاد لم يكن آباؤنا يحلمون حتى بربع ما جاء في مضامينه. وليس هذا هو المغرب الذي ناضل المغاربة نساءً ورجالاً ودخلوا السجون حتى يتحقق، وليست هذه هي استمرارية المغرب الذي امتلك الجرأة وأطلق أوراش الانصاف والمصالحة و مدونة الأسرة والموانئ الضخمة والطرق السيارة والحداثه والديمقراطية.
من يهولون الأمور ويهددون باللا استقرار إذا انسحب حزب الاستقلال من الحكومة هم المستفيدون من الوضع اليوم، وهم من يستغلون ضعف حكومة غير قادرة على محاربة الريع والاستبداد. اليوم يجب أن تأخذ الأمور مجراها الطبيعي، وأن يتم تنزيل دستور البلاد كما يجب بعيداً عن كل التهم الغير مبنية على دلائل. فماذا سيحدث إن ذهبت البلاد إلى انتخابات قبل الأوان ؟ سيتأزم الاقتصاد ؟ سيفوز حزب العدالة والتنمية بالانتخابات ؟ سيخرج المغاربة إلى الشارع ؟
الاقتصاد متأزم أصلاً منذ بدء عمل حكومة الهواة، ولن نخرج من الأزمة الاقتصادية إلى بضخ دماء جديدة، ذات خبرة وهمها الأول هو المواطن البسيط، داخل المؤسسات.
وإن فاز حزب العدالة والتنمية بالانتخابات، فهل هذا هو المشكل عند البعض ؟ بالعكس، هذه هي الديمقراطية التي نبحث عنها ويحدد فيها الشعب موقفه، وسيكون على حزب العدالة والتنمية ببساطة أن يكون أغلبيته الجديدة لكن على أسس جديدة.
أما فزاعة الشارع فلم يعد لها معنى، لأن المغاربة أذكى من أن يجرهم أحد إلى الفوضى. المغاربة لم يخرجوا إلى الشارع عندما كان كل العرب في الشارع، لأنهم يعيشون التغيير منذ قدوم الملك محمد السادس إلى الحكم. التغيير والاستقرار لا تضمنه أسماء معينة، بل تضمنها الاصلاحات العميقة والتوزيع العادل للثروات.
وما تحقق منذ جلوس الملك على العرش لا ينكره إلا جاحد، لكن اليد الواحدة لا تصفق والحكومة الحالية لم تستطع مواكبة إيقاع التغيير الذي نريد. وما عليها إلا أن ترحل.
سيذكر المغاربة بالتأكيد حكومات التناوب، لكن لن يذكروا أبدا حكومة التسابب (من السبان) و الوعود الكاذبة.