اتسع الخرق على الراقع برحيل إدوارد سعيد، ومن بعده محمد أركون، أحد أهم وأبرز رواد الفكر الأنسني في الحضارة الإسلامية منذ ميلادها وحتى اليوم، لابد وأن مخاوف عديدة تُساور أنصار الفكر الأنسني في ربوعنا الكسيرة -وأنا منهم-، إزاء مصير هذا الفكر بعد رحيل الرواد. كارثة أن يُقبر فكرنا وأملنا في الخلاص مع الراحلين. أمور عديدة تُعزز، بل وتُرجح للأسف الشديد، كفة هذه المخاوف! لننظر مثلاً إلى سيل الكتابات العارم الذي يتدفق بقوة بعد رحيل أحد الرواد، تجده يتسم بالخطابية والإنشائية، بل والبكائية الساخنة، ثم ماذا؟ لا شيء سوي الوهن والعقم! حتماً لن نجد ما يُبشر بإمكانية قيام من يحمل الشعلة الأركونية قبل أن تسقط إلى الأرض! حتماً لن نجد من يرفع شعار «ثغرة للنور أو موت على وجه الجدار» كما فعل محمد أركون، ثمة أنواع من الموت تجعل أصحابها من الخالدين. حتماً لن نجد من يُصرح، أو حتي يُلمح، بتأثره الحقيقي لا الزائف بتجربة أركون الفكرية والحياتية، ورفضه أن تُقبر مع صاحبها، وحرصه على تثمينها عبر نقدها وتطويرها! لا يموت الفلاسفة بقبر أجسادهم، وإنما بعدم تثمين ما أنفقوا أعمارهم المحدودة في جمعه وتهذيبه! أركون فيلسوف عظيم، كارثةٌ أن نُميته! من جانبي، عاهدت ربي أن أُنفق ما تبقي لي من سنوات في ذمة الحياة، في تزخيم رؤيتي للفكر الأنسني، والتي تأثرت في بنائها بالعديد من المفكرين والفلاسفة، لعل أبرزهم على الساحة العربية إدوارد سعيد ومحمد أركون، لا لشيء وإنما لانتمائي لنفس مدرستهم الفكرية وإيماني معهم بالفكر الأنسني، لأنه عدل! فكرنا الأنسني يُولد من السلام، كما يخرج الخبز من الدقيق.