المغرب يتوعد بالرد الحازم عقب إحباط محاولة إرهابية في المنطقة العازلة    وسط موجة من الغضب.. عودة الساعة الإضافية من جديد    ترامب يدعو لخفض أسعار الفائدة: الفرصة المثالية لإثبات الجدارة    وزير الخارجية الفرنسي يزور الجزائر بعد أشهر من التوتر بين البلدين    الرجاء حامل اللقب يودع كأس العرش على يد الاتحاد الاسلامي الوجدي    الرجاء يفتقد خدمات بولكسوت في "الديربي" أمام الوداد    آسفي .. توقيف شخصين من ذوي السوابق القضائية لهذا السبب    طقس الأحد.. أمطار متفرقة ورياح قوية بهذه المناطق من المغرب    الجديدة.. توقيف مبحوث عنه اعتدى على سيدة بالسلاح الأبيض وسط الشارع    المغرب التطواني ينتصر على الوداد الرياضي برسم ثمن نهائي كأس العرش    إصابة أربعة أشخاص في حادث اصطدام سيارة بنخلة بكورنيش طنجة (صور)    الاتحاد الإسلامي الوجدي يقصي الرجاء    اعتصام ليلي بطنجة يطالب بوقف الإبادة الإسرائيلية في قطاع غزة    منتدى يدعو إلى إقرار نموذج رياضي مستدام لتكريس الريادة المغربية    مأساة بحي بنكيران.. وفاة فتاة يُرجح أنها أنهت حياتها شنقاً    بلاغ جديد للمنظمة الديمقراطية للصحة – المكتب المحلي للمركز الاستشفائي الجامعي ابن سينا – الرباط    يوم غضب أمريكي تحت شعار "ارفعوا أيديكم".. آلاف الأميركيين يتظاهرون ضد ترامب في أنحاء الولايات المتحدة    "لن أذهب إلى كانوسا" .. بنطلحة يفضح تناقضات الخطاب الرسمي الجزائري    توقيف أربعيني بطنجة روج بمواقع التواصل لعمليات وهمية لاختطاف فتيات    أمن طنجة يفند أخبار اختطاف فتيات    حركة حماس تشيد بموقف المهندسة المغربية ابتهال أبو سعد واصفة إياه ب"الشجاع والبطولي"    باريس سان جرمان يحرز بطولة فرنسا    طنجة تتصدر مقاييس الأمطار المسجلة بالمملكة خلال ال 24 ساعة الماضية.. وهذه توقعات الأحد    طنجة .. وفد شبابي إماراتي يطلع على تجربة المغرب في تدبير قطاعي الثقافة والشباب    هذا ما يتوقعه المغاربة من المعطي منجب؟    المغرب يرسخ مكانته كحليف تاريخي و إستراتيجي في مواجهة سياسة ترامب التجارية    تحالف استراتيجي بين الموريتانية للطيران والخطوط الملكية المغربية يعزز الربط الجوي ويفتح آفاقًا جديدة للتعاون الإفريقي    الدار البيضاء تستحضر ذكرى 7 أبريل 1947.. محطة مشرقة في مسار الكفاح الوطني والمقاومة    جهة الداخلة وادي الذهب تستعرض تجربتها التنموية في المنتدى العالمي السادس للتنمية الاقتصادية المحلية    فرنسا: خسائر ب15 مليار دولار بسبب التعريفات الجمركية الأمريكية    العودة إلى الساعة الإضافية وسط رفض واستياء واسع بين المغاربة    الفكر والعقل… حين يغيب السؤال عن العقل المغربي في الغربة قراءة فلسفية في واقع الجالية المغربية بإسبانيا    الأسرة الكروية المغربية تودّع محسن بوهلال بكثير من الحزن والأسى    دعم الدورة 30 لمهرجان تطوان لسينما البحر الأبيض المتوسط ب 130 مليون سنتيم    رحلة ترفيهية في القطب الجنوبي تقيل نائب الرئيس الإيراني    أداء أسبوعي خاسر ببورصة البيضاء    انطلاق الدورة الربيعية لموسم أصيلة الثقافي الدولي بمشاركة فنانين من سبع دول    الفئران قادرة على استخدام مبادئ الإسعافات الأولية للإنعاش    دعوات للمشاركة المكثفة في مسيرة "الرباط الوطنية" للتنديد بالمحرقة المرتكبة في غزة    عرض مناخ الأعمال وفرص الاستثمار في المغرب خلال ملتقى بباريس    سفير جمهورية السلفادور: المملكة المغربية تعد "أفضل" بوابة للولوج إلى إفريقيا    'مجموعة أكديطال': أداء قوي خلال سنة 2024 وآفاق طموحة    شركة "رايان إير" تُسلّط الضوء على جوهرة الصحراء المغربية: الداخلة تتألق في خريطة السياحة العالمية    في قلب باريس.. ساحة سان ميشيل الشهيرة تعيش على إيقاع فعاليات "الأيام الثقافية المغربية"    "نفس الله" عمل روائي لعبد السلام بوطيب، رحلة عميقة في متاهات الذاكرة والنسيان    وكالة الأمم المتحدة للتجارة والتنمية: النظام التجاري العالمي يدخل مرحلة حرجة مع فرض الولايات المتحدة رسوما جمركية جديدة    بحضور عائلتها.. دنيا بطمة تعانق جمهورها في سهرة "العودة" بالدار البيضاء    الوزيرة السغروشني تسلط الضوء على أهمية الذكاء الاصطناعي في تعزيز مكانة إفريقيا في العالم الرقمي (صور)    الوديع يقدم "ميموزا سيرة ناج من القرن العشرين".. الوطن ليس فندقا    تكريم المغرب في المؤتمر الأوروبي لطب الأشعة.. فخر لأفريقيا والعالم العربي    دراسة: الفن الجماعي يعالج الاكتئاب والقلق لدى كبار السن    دراسة: استخدام المضادات الحيوية في تربية المواشي قد يزيد بنسبة 3% خلال 20 عاما (دراسة)    خبراء الصحة ينفون وجود متحور جديد لفيروس "بوحمرون" في المغرب    العيد: بين الألم والأمل دعوة للسلام والتسامح    أجواء روحانية في صلاة العيد بالعيون    طواسينُ الخير    تعرف على كيفية أداء صلاة العيد ووقتها الشرعي حسب الهدي النبوي    الكسوف الجزئي يحجب أشعة الشمس بنسبة تقل عن 18% في المغرب    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



التحرش بالنساء العاملات بين إكراهات الإثبات وصمت الضحايا
نشر في بيان اليوم يوم 26 - 07 - 2022

يعد الحق في العمل من الحقوق الأساسية التي من المفترض أن يتمتع بها عامة الناس باختلاف الجنس والمجتمعات التي ينتمون إليها، دون تعرضهم لأي مضايقات مهما كان نوعها، والتي من شأنها المساس بكرامة وحقوق الفئات العاملة وتتعدد الأشكال التي قد تظهر بها أبرزها التحرش الجنسي المعنوي في تجلياته المتعددة، وينظر للتحرش الجنسي على أنه شكل من أشكال الانتهاك الأكثر شيوعا لجسم الشخص وكرامته.
ولعل أكثر الفئات عرضة للتحرش والعنف في مجتمعنا المغربي المبني على النوع الاجتماعي في أماكن العمل هن النساء اللواتي يعانين العديد من المشكلات والمضايقات التي تفرض عليهن كضريبة تدفعنها ثمنا لفعاليتهن وتأثيرهن في جميع مجالات الحياة، أثناء قيامهن بعملهن سواء من طرف مشغلهم الذي يستولي على السلطة الكاملة إذ يحاول استغلال طبيعة العلاقة التبعية والسلطة بين الرئيس والمرؤوس لإجبار الضحية للانصياع لرغباته الجنسية، كأن يطلب من مستخدمته مطالب جنسية بالإكراه و الإجبار وإلا فصلها عن العمل أو مقابل ترقية وظيفية، و قد يكون الإكراه بشكل مباشر أو غير مباشر انطلاقا من ممارسة ضغوط متعددة.
وقد يصدر التحرش من بعض الموظفين والعاملين تجاه زميلاتهم في أماكن العمل قصد التشويش عليهن والتأثير على فعالياتهم مما قد يحول إلى عدم الوصول إلى كامل إمكاناتهم، فضلا عن تقويض إحساسهم بالكرامة الشخصية، خاصة وأن النساء أصبحن أكثر حضورا في المناصب القيادية واكتساحا للوظائف غير التقليدية، الأمر الذي قد يثير حفيظة البعض من زملائهم الطامحين في المساس بثقتهم في نفسهم وبراحتهم النفسية ومردوديتهم، كما تشكل هذه الظاهرة شكل من أشكال القهر والعنف الممارس على النساء وله مضاعفات اجتماعية ونفسية خطيرة، في غياب الحماية القانونية الكافية لهذه الفئة.
وفي سياق متصل، تساهم نظرة المجتمع النمطية للمرأة العاملة والحاضرة بقوة في سوق الشغل في تعرض هذه الأخيرة للعنف والتحرش الجنسي الذي قد يصل حد الاغتصاب في بعض الأحيان، إذ أن هناك فئة من الذكور لا تزال عقولها قاصرة على تقبل واحترام النساء العاملات معهم باعتبارهم كيان مستقل بذاته يتقاسم معهم نفس الحقوق والواجبات، بعيدا عن الموروث الثقافي وعن غرائز الذكورة السامة التي تعتبر المرأة حيثما وجدت على أنها بضاعة وجسد متاح لتلبية رغبات جنسية وعقد نفسية تملأ نفوس أصحابها.
وتعرف ظاهرة التحرش والعنف ضد المرأة في بيئة العمل انتشارا ملحوظا بمختلف المهن والوظائف والقطاعات في سائر أنحاء العالم، غير أن النساء يتأثرن بشكل غير متناسب من هذا الفعل لأسباب متعددة أبرزها وضعهن الوظيفي وظروف القطاع الذي يعملن فيه أو نوع العمل الذي يقمن به، غير أن العاملات في القطاع الخاص والقطاعات غير المهيكلة والعاملات غير النظاميات يواجهن خطر التحرش و العنف القائمين على النوع الاجتماعي بشكل أكبر مقارنة مع العاملات في القطاع الحكومي، جراء التمييز وانعدام الأمن الوظيفي وظروف العمل الغير مستقرة، و الغياب التام للحماية القانونية و الاجتماعية واستيلاء رؤساء العمل على السلطة المطلقة ما يجعل النساء أكثر عرضة للتحرش إثر اختلال موازين القوى.
ومن بين الأسباب التي أدت إلى استفحال هذه الظاهرة نجد ضعف التشريع الحكومي وغياب العقوبات الرادعة لمرتكبي هذا الفعل، وانخفاض الوازع الديني والأخلاقي لدى البعض إلى جانب سوء التنشئة الأسرية، وكذلك نظرا لصعوبة إثبات جرم التحرش الجنسي ما يؤدي لعزوف الكثير من الضحايا عن تقديم شكاوي ضد المتحرش، ويرى البعض أن هذا السلوك قد تفسره نظرة المجتمعات العربية إلى المرأة بحكم التقاليد والعادات الرجعية والفهم المغلوط للدين، على أنها جسد للمتعة فقط، بالإضافة إلى أسباب، إما سيكولوجية محضة وبالتالي مرضية، أو سوسيولوجية نابعة من نظرة الرجل للمرأة كأنثى فقط، دون اهتمام بمهاراتها وكفايتها المهنية.
وتواجه النساء صعوبات كبرى في مواجهة ظاهرة التحرش والمتحرشين في فضاء العمل، حيث أن أغلبهن يجدن صعوبة في التصريح بتعرضهن للتحرش الجنسي خوفا من الفضيحة والوسم أو خوفا من فقدان العمل وتدهور الوضع الاقتصادي والمعيشي لهن في حالة ما إذا كان المتحرش في منصب أقوى وأعلى من الضحية، أو بسبب عدم القدرة في بعض الأحيان على إثبات فعل التحرش أو مخافة إلقاء اللوم عليها وتحميلها مسؤولية الواقعة.
نظرة المجتمع النمطية
يمارس المجتمع سلطة مطلقة على المرأة بشكل عام في حال تعرضها للتحرش حيث أضحت الكثيرات تعانين في صمت مطبق خوفا من الفضيحة وتلويت السمعة في مجتمع لا يرحم ويلقي الملامة على الحلقة الأضعف في القضية حتى قبل الفصل بين المتورط والضحية، فلازالت مجتمعات الوطن العربي خصوصا تنظر بدونية وانتقاص لمن تحاول الحديث عن تجربتها مع التحرش أو الاغتصاب بحيث تصبح متهمة في العديد من الأحيان عوض أن تكون الضحية.
فتبدأ أصابع الاتهام توجه إلى المرأة على اختيارها لملابسها أو لطريقة تعاملها مع الجنس الأخر في مكان العمل، في استبعاد تام للمشكل الحقيقي، ليصبح فعل التبليغ عن التحرش لعنة حقيقية تواجه النساء اللواتي يجدن أنفسهن أمام سيل من الاتهامات و الهجمات الغير منطقية، ما يفقدهن القدرة و الجرأة للتحدث عن معاناتهن الجسيمة مع فعل التحرش.
صعوبات الإثبات
تواجه النساء العاملات في حال تعرضهن للتحرش والعنف صعوبات الإثبات، وذلك بسبب إلزامهن بإثبات ما تعرضن له، خاصة وأن القانون رقم 103.13 لا يضمن الوقاية الكاملة وينطوي على مجموعة من الثغرات، بحيث لا يكفل التدخل إلا بعد حدوث الضرر، فضلا على أن القانون السالف الذكر يخلف ثغرات وبه عبارات فضفاضة وغير مضبوطة، تجعل على عاتق الضحية مهمة إيجاد الدليل وإثبات فعل التحرش وهو ما يصعب تحقيقه.
وفي ذات السياق يمكن القول إن المتحرش عادة ما يختار مسرح الجريمة بدقة، إذ يحاول التحرش والتقرب من الضحية في مكان مغلق خال من الشهود وكاميرات المراقبة دون ترك أي دليل يثبت تورطه، ما يصعب على الضحية مهمة إثبات جرم التحرش.
وقد تواجه الضحية إكراهات ومعيقات تفردها المؤسسة على العاملات فيها بغرض عدم الإبلاغ على التحرش حتى لا يكون هناك أي مساس بسمعة المؤسسة أو العاملين بها، كما قد تمتنع المنشأة المشغلة عن تزويد المعتدى عليها بتسجيلات كاميرات المراقبة إن وجدت لعرقلة مهمة الإثبات إلى جانب منع باقي الموظفين عن تقديم شهادتهم أمام الشرطة القضائية، ما يحول دون الإثبات الفعلي للعنف والتحرش الجنسي الممارس بناء على النوع الاجتماعي.
انعكاسات التحرش على العاملات
تعاني النساء العاملات ضحايا العنف والتحرش الجنسي مجموعة من التداعيات السلبية التي تفتك بصحتهن النفسية والبدنية، وقوتهن الإنتاجية، ما يحول دون مشاركة النساء الفعالة في سوق العمل ودون تقدمهن فيه، ويضعف مساهمتهن في العملية الإنتاجية والتنموية، فضلا عن تهديد أمن واستقرار العاملات واستمرارهن في العمل، ما ينعكس سلبا على سمعة المنشآت وتطورها، كما أن الضحية وفي حال مغادرتها لمكان العمل الذي واجهت فيه التحرش تجد تخوفا وصعوبات في ولوج فضاء عمل آخر مخافة مواجهة نفس الظاهرة مرة أخرى مما يؤثر سلبا على حياتهن الاقتصادية وعلى مبدأ تكافؤ الفرص، بحيث لا ينتهي تأثير الصدمة بعد انقضاء حادثة التحرش فقد تعيش تعشيش النساء حالة من الصدمة المتجددة عندما يتم استرجاع الذكريات المتعلقة بتلك الحادثة، أو عند توافر المثيرات النفسية التي تجعلها تمر بنفس المشاعر التي عاشتها في تلك التجربة، لكون التحرش الجنسي من أبرز الصدمات النفسية العنيفة التي تعاني منها العديد من السيدات في مختلف أنحاء العالم.
الجهود الرسمية المبذولة للحد من التحرش في بيئة العمل
على الصعيد الوطني
وفي ذات السياق نجد أن المشرع خصص مقتضيات هامة في إطار التعديلات التي شهدها دستور المملكة بتاريخ 1 يوليوز 2011 تروم حماية حقوق الإنسان بشكل عام والنساء على وجه الخصوص، من خلال إقراره في الفصل رقم 19 مبدأ المساواة بين الجنسين والمناصفة في جميع الحقوق، وإحداث هيئة لمكافحة كافة أشكال التمييز، كما تنص الوثيقة الدستورية في الفصل رقم 22 على عدم جواز المساس بالسلامة الجسدية أو المعنوية لأي شخص في أي ظرف ومن قبل أي جهة كانت، خاصة أو عامة، فضلا عن عدم جواز معاملة الغير تحت ذريعة معاملة قاسية، أولا إنسانية أو مهينة أو حاطة بالكرامة الإنسانية، كما شدد ذات الفصل أن ممارسة التعذيب بكافة أشكاله، ومن قبل أي أحد، جريمة يعاقب عليها القانون.
ومن جهة أخرى تضمن القانون رقم 103.13 المتعلق بمحاربة العنف ضد النساء مقتضيات تعاقب على التحرش الجنسي في الفضاءات العمومية، باعتباره كل قول أو فعل أو استغلال من شأنه المساس بحرمة جسد امرأة لأغراض جنسية أو تجارية، أيا كانت الوسيلة المستعملة في ذلك وفقا لما جاء في مادته الأولى، كما يعرف العنف اللفظي بأنه كل اعتداء لفظي أو إكراه أو تهديد أو إهمال أو حرمان، سواء بغرض المساس بكرامة المرأة وحريتها وطمأنينتها، أو بغرض تخويفها وترهيبها، كما عرف المشرع في نهاية المادة الأولى العنف الاقتصادي على أنه كل فعل أو امتناع عن فعل ذي طبيعة اقتصادية أو مالية يضر أو من شأنه أن يضر بالحقوق الاجتماعية و الاقتصادية للمرأة، ويعد القانون السالف الذكر بمثابة ثورة معززة للترسانة التشريعية المتعلقة بحماية النساء ضحايا العنف والتحرش من خلال أربعة أبعاد هي البعد الوقائي والحمائي والزجري والتكفلي.
ليأتي بعد ذلك بتعريف دقيق ومفصل لمفهوم العنف الجنسي والذي يعتبر (كل قول أو فعل أو استغلال من شأنه المساس بحرمة جسد امرأة لأغراض جنسية أو تجارية أيا كانت الوسيلة المستعملة في ذلك).
هذا القانون تضمن مجموعة من الأحكام المغيرة والمتممة لمجموعة القانون الجنائي، والمتمثلة في تشديد عقوبات الضرب والجرح أو غيرها من العنف أو الإيذاء إذا ارتكب ضد المرأة بسبب جنسها، فضلا عن رفع الحد الأقصى للعقوبات المنصوص عليها في الفصل 1-503 المتعلق بالتحرش الجنسي إلى 3 سنوات حبسا وتشديد العقوبة إن تم ممارسة التحرش داخل مقر العمل.
وبخصوص المندوبية السامية للتخطيط فقد كشفت في إطار حملتها الوطنية والدولية للتعبئة من أجل القضاء على العنف ضد النساء، عن تقريرها الأخير حول انتشار العنف ضد النساء الصادر في سنة 2019، والذي أظهر أن هناك أزيد من 7.6مليون تعرضن لنوع واحد من العنف على الأقل وهو ما يمثل 57 في المائة من النساء، أما بالنسبة للعنف في العمل فقد سجلت المندوبية تراجع انتشاره بنسبة 15.4 في المائة عام 2019، بعدما كان 16.0 في المائة عام 2009، ورصد التقرير كذلك تزايد العنف الجنسي من 9 في المائة إلى 14 في المائة، وتزايد العنف الاقتصادي من 8 إلى 15 في المائة، مقابل تراجع العنف الجسدي من 15 إلى 13 في المائة و العنف النفسي من 58 إلى 49 في المائة، وبحسب تصور المجتمع فقد كشفت المندوبية أن 75 في المائة من النساء تعتبر أن العنف يتزايد في الفضاءات العامة.
كما يتولى المرصد الوطني للعنف ضد النساء المحدث سنة 2014 مهمة رصد ومراقبة وتتبع ظاهرة العنف ضد النساء، ووضع وتطوير مؤشرات خاصة في هذا المجال، إضافة إلى إحداث قاعدة بيانات من خلال تجميع المعطيات الجهوية والوطنية، وتتبع وتقييم السياسات العمومية في مجال محاربة العنف ضد النساء وإصدار تقرير سنوي بغرض توجيه السياسات العمومية المتعلقة بمناهضة العنف ضد النساء.
وللحد من ظاهرة العنف والتحرش عملت الحكومة المغربية على إعداد منظومة معلوماتية مؤسساتية تروم توحيد عملية جمع البيانات والمعطيات الخاصة بالنساء ضحايا العنف المبني على النوع الاجتماعي، انطلاقا من خلايا الاستقبال المؤسساتية الموجودة بالمستشفيات والمحاكم ومراكز الدرك الملكي والأمن الوطني، على الصعيدين الوطني والجهوي، حيث تم توقيع برتوكول تبادل المعلومات حول حالات العنف ضد النساء سنة 2014 بين وزارة العدل والحريات ووزارة التضامن والإدماج الاجتماعي والأسرة، وزارة الصحة، والدرك الملكي والأمن الوطني.
وفي إطار تفعيل مضامين البرنامج الحكومي 2017-2021 لا سيما الإجراء المتعلق بإطلاق سياسة وطنية لمناهضة العنف ضد النساء، عملت وزارة التضامن والتنمية الاجتماعية والمساواة والأسرة على إعداد السياسة الوطنية لمحاربة العنف ضد النساء والفتيات في أفق 2030، وفق رؤية جديدة لمواكبة الإصلاحات القانونية المنجزة لحماية النساء ولتفعيل مختلف الالتزامات الوطنية والدولية المترتبة عن هذه الإصلاحات
التوصيات الملكية الشريفة
يصر جلالة الملك محمد السادس على منح المرأة المغربية المكانة التي تستحقها وإنصافها وضمان جميع حقوقها، إذ أنه ومنذ اعتلائه عرش أسلافه المنعمين وضع جلالته قضية المرأة في طليعة الإصلاحات المؤسساتية في المغرب، من خلال قيادة مسار مميز للنهوض بوضعية المرأة المغربية، وتعزيز دورها ومكانتها في مختلف المجالات، ولاسيما من خلال دعم وتشجيع مشاركتها الفعالة في مسلسل اتخاذ القرار وانخراطها في تدبير الشأن العام.
مقتطف من خطاب جلالة الملك محمد السادس بمناسبة ذكرى ثورة الملك والشعب بتاريخ 20 غشت 1999
«كيف يتصور بلوغ رقي المجتمع وازدهاره والنساء اللائي يشكلن زهاء نصفه تهدر مصالحهن في غير مراعاة لما منحهن الدين الحنيف من حقوق هن بها شقائق الرجال تتناسب ورسالتهن السامية في إنصاف لهن مما قد يتعرضن له من حيف أو عنف مع أنهن بلغن مستوى نافسن به الذكور سواء في ميدان العلم أو العمل»
مقتطف من خطاب صاحب الجلالة الملك محمد السادس بمناسبة تنصيب اللجنة الاستشارية الخاصة بتعديل مدونة الأحوال الشخصية بتاريخ 17 أبريل 2001
«لقد آلينا على أنفسنا منذ اعتلينا عرش أسلافنا المنعمين أن نواصل النهوض بأوضاع المرأة المغربية في كل مجالات الحياة الوطنية وأن نرفع كل أشكال الحيف الذي تعانيه من منطلق صفتنا أميرا للمؤمنين وحاميا لحمى الملة والدين وملتزمين بشريعة الإسلام في ما أحلت وحرمت أو أباحت، وعمال بترسيخ قيم العدل والمساواة بين الرجل والمرأة، مصداقا لقول جدنا المصطفى عليه الصلاة والسالم: (إنما النساء شقائق الرجال في الأحكام)»
على الصعيد الدولي
نجد أيضا أن منظمة العمل الدولية عملت على اعتماد ميثاقين دوليين جديدين بشأن العنف والتحرش في أماكن العمل – اتفاقية العنف والتحرش رقم (190) والتي تم الاتفاق عليها في مؤتمر العمل الدولي في عام 2019، والتوصية المتعلقة بالعنف والتحرش رقم (206)، ويعد اعتماد هذه الصكوك بمثابة تتويج لسنوات من الحملات والضغط من قبل الحملات النقابية، وهي أول معيار دولي من نوعه يعترف بالحق العالمي في العمل في عالم خال من العنف و التحرش المبني على النوع الاجتماعي فضلا عن وضع إطار واضحا لإنهائه، كما أنها مبنية على روايات العاملات على مستوى العالم وتجاربهم مع التمييز والعنف.
وتعرف اتفاقية العمل الدولية رقم 190 العنف والتحرش في عالم العمل كما هو وارد في المادة رقم (1) بأنها مجموعة من السلوكيات والممارسات غير المقبولة أو التهديدات المرتبطة بها، سواء حدثت مرة واحدة أو تكررت، تهدف أو تؤدي أو يحتمل أن تؤدي إلى إلحاق ضرر جسدي أو نفسي أو جنسي أو اقتصادي، وتشمل العنف والتحرش على أساس نوع الجنس.
صكوك دولية أخرى ملائمة
نجد الإعلان العالمي لحقوق الإنسان والعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية والعهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، والاتفاقية الدولية للقضاء على جميع أشكال التمييز العنصري واتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة والاتفاقية الدولية لحماية حقوق جميع العمال المهاجرين واتفاقية حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة، وأيضا هناك البرتوكول الاختياري لاتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة المعتمد من طرف الأمم المتحدة سنة1999، إضافة إلى اتفاقية أوروبا لعام 2011 بشأن منع ومكافحة العنف النفسي و الجسدي والجنسي ضد المرأة، فضلا عن اتفاقية (سيداو) الدولية والتي تروم القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة.
الضحية الأولى: كريمة 36 عازبة "كانت تعمل بشركة لخياطة الملابس" حكت لنا قصتها مع العنف والتحرش الصادر عن رئيسها في العمل بمرارة وهي تغالب الدموع بتأثر بالغ بحكم أن تعرضها لهذا الموقف لايزال حديث العهد كما لا تزال غير قادرة على تجاوز الصدمة، مسجلة أن المتحرش بها بدأ يراوغها بداعي المساعدة والتكوين ثم انتقل إلى الاتصال بها ليلا والتفوه بكلام نابي ممزوج بإيحاءات جنسية وصولا إلى محاولة الاستفراد بها ودعوتها مرات متكررة دون أن تكون أي حاجة لذلك إلى مكتبه، وتقول كريمة وهي تروي تفاصيل أخر يوم لها في العمل أن رئيسها طلبها على عجل في مكتبه لتصعق من محاولته لمس مناطق حساسة من جسمها وشدها بالقوة بعد أن أبدت رفضها، لتخرج بعد ذلك مسرعة دون أن تلتفت إلى الوراء وبلا عودة، مضيفة أنها اختارت عدم الرضوخ لهذه الممارسات والتخلي عن وظيفتها على الرغم من التبعات الاقتصادية السيئة التي تعاني منها بحكم أنها حاليا لازالت عاطلة عن العمل.
الضحية الثانية: غيثه 25 سنة عازبة طالبة طب سنة خامسة، تقول إنها تعرضت للتحرش من طرف بروفيسور جراح قابلته في التدريب لها، حيث كان يحاول مغازلتها باستمرار أمام زملائها بشكل واضح وعلني بعيدا عن الاحترام المطلوب، ليتطور الأمر فيما بعد إلى دعوتها لتناول وجبة غداء أو عشاء، وبعد رفض غيثه المتواصل لكل هذه المحاولات، تقول هذه الأخيرة حاول التقرب منها في مناوبتها الليلية بشكل مستغلا تواجدها في جناح مغلق وحدها بعيدا عن أعين العاملين معهم لتحاول إبعاده مع صراخ شديد لعل أحد يأتي لإنقاذها، لينهال البروفيسور المتحرش عليها بالضرب المبرح كما توعدها أنها في حال قيامها بإخبار أي أحد بفعلته الشنعاء بأنه سيقلب الطاولة عليها ويتهمها بالتحرش ومطاردته، حيث أخبرها أنه شخص متزوج وجد مقرب من صاحب المصحة وأنه من الصعب جدا تصديق روايتها، لتختار الضحية الصمت بغرض إنهاء فترة تدريبها في هدوء بعيدا عن التوتر والمشاداة.
ومن جهتها اعتبرت سمية موحيا رئيسة فيدرالية رابطة حقوق النساء، أن الترسانة القانونية المتعلقة بمحاربة العنف ضد النساء والمتمثلة في القانون رقم 103.13 لاتزال قاصرة أمام توفير الحماية القانونية الكاملة للنساء في الفضاءات العمومية بما فيها أماكن العمل، مبرزة أنه من الضروري تثمين مجموعة من المقتضيات التي جاء بها القانون السالف الذكر بما فيها تجريم التحرش الجنسي ومجيئه بتعريفات متعددة لأشكال العنف، وتشديد العقوبات الزجرية.
كما سجلت المتحدثة ذاتها أن قانون محاربة العنف ضد النساء تتخلله ثغرات ونواقص أبرزها ترك مسؤولية إثبات جرم التحرش على عاتق الضحية، ما يجعل الضحية تفكر ألف مرة قبل لجوئها للتبليغ، ناهيك عن وجود بعض العائلات لا تشجع بناتها على التبليغ عن جريمة التحرش خوفا من الوسم ونظرة المجتمع النمطية ما يحد ولوجهم للعدالة، مشيرة أن للتحرش أثار وخيمة على نفسية الضحية قد تصل حد التفكير في الانتحار أو الإقدام عليه، فضلا عن تعطيل مسارها المهني ومسار التمكين الاقتصادي للنساء المغربيات وفقا لتوصيات جلالة الملك محمد السادس.
وأضافت السيدة سمية أن فيدرالية رابطة حقوق النساء دائما ما تجدد دعوة الحكومة المغربية في مختلف المناسبات للتصديق على اتفاقية العنف والتحرش رقم (190) والتوصية المتعلقة بالعنف والتحرش رقم (206)، مؤكدة على ضرورة حماية ضحايا العنف والتحرش الجنسي في أماكن العمل من التشهير من أي ممارسات أو ضغوطات قد تمس بحرياتهم وكرامتهم إثر إقدامهم على التبليغ بما تعرضن له، كما أثنت وثمنت إقدام عدد من النساء والفتيات على كسر الصمت وفضح الممارسات الغير أخلاقية التي يعانون منها من عنف وتحرش في أماكن العمل.
ومن الناحية القانونية صرح نبيل الشين وهو محامي بهيئة فاس أنه يمكن اعتبار الترسانة القانونية المتعلقة بمحاربة العنف ضد النساء والتي يمثلها القانون رقم 103.13 رادعة، بحيث أنه عند الإمعان في قراءة الفصلين 503-1-1 و503-1-2 نجد أن المشرع أقر عقوبة سالبة للحرية في حق المتحرش مع غرامة مالية، مسجلا العقوبات المضمنة أعلاه تبقى رادعة في مثل هذه الجرائم وكافية لعدم إتيان الفعل الجرمي مرة أخرى.
وأشار المتحدث أن من بين عوائق تنزيل القانون المذكور نجد خوف الضحية من المتحرش خاصة إذا كان صاحب نفوذ وسلطة ومن نظرة المجتمع والموروث الثقافي، ما يكبل ويمنع المعتدى عليها من التبليغ بالجريمة المرتكبة في حقها، وأنه حتى في حالت التبليغ ومباشرة المساطر القانونية تكون الضحية أمام اشكال الاثبات الذي يبقى على عاتقها.
وسجل نبيل الشين أن مجهودات الحكومة والمجتمع المدني تبقى جد محتشمة، خاصة وأن العنف والتحرش الجنسي ضد النساء لا يزالان في منحى تصاعدي، مبرزا أن لتجاوز هذه المعدلة وجب مواكبة القانون بحملات للتوعية بخطورة التحرش إلى جانب توعية النساء و الفتيات بضرورة التبليغ عن أي حالة تحرش تعرضن لها، والعمل على تربية الأجيال الصاعدة على احترام المرأة انطلاقا من المناهج التعليمية والمقررات الدراسية.
والجدير بالذكر أنه للحد و تجاوز ظاهرة العنف و التحرش في بيئة العمل وجب اقتراحات تغييرات على مستوى الترسانة القانونية والممارسات الوطنية، وتسخير البرامج الحكومية في إنصاف النساء و ضمان تحريرهن وولوجهن للحياة الاقتصادية وفقا للتوجيهات الملكية السامية لجلالة الملك محمد السادس، فضلا عن تثمين جهود المجتمع المدني والجمعيات الحقوقية الناشطة في مجال حقوق المرأة، و نشر الوعي في صفوف الناشئة من خلال المقررات الدراسية ووسائل الإعلام، إلى جانب تشديد العقوبات الزجرية الرادعة السالبة للحرية في حال تعنيف أو التحرش بامرأة أو فتاة بسبب جنسها في فضاء العمل، وكذا القيام بحملات تحسيسية لتوعية المشغلين ورؤساء العمل بكيفية التعامل مع التحرش داخل فضاء العمل من خلال تعزيز الحوار الاجتماعي وتبني أصحاب العمل لإجراءات داخلية للوقاية و الحماية والاستجابة لحالات العنف والتحرش، وتوفير أهم الشروط لضمان أمن وسلامة النساء العاملات في بيئة عمل لائقة وصديقة تجرم العنف والتحرش، ناهيك عن ضرورة المصادقة على اتفاقية منظمة العمل الدولية رقم 190 والتوصية 206 لحماية العاملات من التحرش والعنف في أماكن العمل.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.