المتتبع لموقف حكومة إدريس جطو الحالية من وسائل الإعلام الأجنبية يقف على حقيقة التضارب الحاصل في قرارتها بشأن الترخيص أو عدمه لهذه الوسائل باستغلال الفضاء المغربي. فعلى مستوى الإعلام المكتوب كان لخبر الترخيص للصحيفة الفرنسية لوجورنال دو ديمونش (جريدة الأحد) بإصدار طبعة خاصة في المغرب ابتداء من الأسبوع الجاري وقع المفاجأة عند العديد من الفاعلين الإعلاميين، بعدما كانت الحكومة المغربية أكدت في كثير من الأحايين رفضها الترخيص لأي صحيفة أجنبية بالطبع بالمغرب في المدى القريب. وذكرت وكالة أنباء دولية، نقلا عن بيان صادر عن مؤسسة هاشيت فيلباشي ميديا الفرنسية، أن الحكومة المغربية رخصت للصحيفة الفرنسية لوجورنال دو ديمونش بإصدار طبعة خاصة في المغرب في غضون الأسبوع الجاري، لتكون الصحيفة الفرنسية الثانية التي سيتم طبعها بعد لوفيغارو. وسيتم طبع هذه الصحيفة، وفق بيان مؤسسة هاشيت فيلباشي ميديا التي تصدر الجريدة، في إحدى مطابع الدارالبيضاء قبل أن توزع في باقي المدن المغربية الرئيسية، مع الإشارة إلى أن هذه الصحيفة الفرنسية، التي يبلغ عدد قرائها حوالي1.2 مليون بفرنسا، توزع بكل من بلجيكا وسويسرا وألمانيا وبريطانيا. وعلق يونس مجاهد، الكاتب العام للنقابة الوطنية للصحافة المغربية، على قرار الترخيص هذا بالقول إن "الأمر بالتأكيد إن كان حقيقة يحمل نوعا من التناقض وعدم الوضوح، كما يطرح عددا من التساؤلات بشأن المعايير المعتمدة عند منح التراخيص لوسائل الإعلام الأجنبية". واعتبر مجاهد أن تقديم امتيازات في المجال الإعلامي يندرج ضمن إطار "احتكار الدولة للإعلام الذي نرفضه"، على حد قوله. وكانت صحيفتا لوموند الفرنسية والقدس العربي الصادرة في لندن قد طالبتا منذ السنة الماضية بالترخيص لهما بإصدار طبعة خاصة في المغرب، لكن طلب الترخيص قوبل بالرفض من قبل وزارة نبيل بن عبد الله، على الرغم من أن الأخير أشار، في إحدى مقابلاته الصحافية، إلى أن قرار الترخيص لهاتين الصحيفتين يوجد قيد الدرس. على أن البعض يربط رفض حكومة جطو الترخيص لهاتين الجريدتين بنوعية المواضيع التي تتطرقان إليها، والتي تقلق في عمومها الحكومة. على مستوى الإعلام السمعي، فالأمر لا يختلف كثيرا عما هو عليه بالنسبة للصحافة المكتوبة، إذ أثار، على سبيل الاستشهاد، قرار ترخيص حكومة جطو أيضا للإذاعة الأمريكية سوا بالبث على الموجات الداخلية للمغرب جدلا بين الأوساط الإعلامية والسياسية على حد سواء، وذهب البعض إلى اعتبار القرار الذي تم وفقه هذا الإذن قرارا سياسيا ينطوي على نية التقرب أكثر من الولاياتالمتحدة في هذه الظرفية بالذات. وهو ما أقر به وزير الاتصال نبيل بن عبد الله، في إحدى حواراته الصحافية أخيرا، قائلا إن الترخيص سياسي من حيث "التسهيلات التي أعطيت قبل الأوان لهذه الإذاعة لتتمكن من البث، وكل هذا يدخل في إطار تصور أشمل لنوع العلاقات التي نريدها مع الولاياتالمتحدةالأمريكية، ويجب أن يعي الجميع أن للمغرب مصالح وطنية وجب الحفاظ عليها ومراعاتها، مع العلم أن هناك طلبات أخرى". ويوجد بين هذه الطلبات طلب الإذاعة البريطانية بي بي سي تجديد الترخيص لها بالبث على الموجات الداخلية، وهو الطلب الذي مازال لم يبث فيه لحد الآن، الأمر الذي دفع بالإذاعة إلى الاحتجاج على الحكومة المغربية ونعتها بنهج أسلوب التمييز في تراخيصها لوسائل الإعلام الأجنبية، وفق ما تناقلته بعض المصادر المطلعة. الواضح إذن أن السلطات المغربية تكرس احتكارها لميدان الإعلام، من حيث إنها تدعي تحريره، وذلك بممارستها أسلوب التمييز عند الفصل في طلب استغلال الفضاء الإعلامي المغربي، من ثم لا مناص من أن تثبت الدولة حقيقة نهاية احتكارها للإعلام المغربي، بالعمل على تنزيل قانون رفع الاحتكار منزلة التحقيق، وتفعيل الهيأة العليا للإعلام السمعي البصري، من جهة ثانية، ليكون لها وحدها قرار الفصل في قضية التراخيص بالنسبة للراغبين في الاستثمار الإعلامي ببلادنا، سواء تعلق الأمر بوسائل إعلام وطنية أو أجنبية. يونس البضيوي