دعا الدكتور مولاي عمر بنحماد أستاذ الدراسات القرآنية خطباء المساجد والوعاظ والمرشدين وكل من هو في مقام التوجيه إلى تحمل مسؤولية تحرير سنة عيد الأضحى مما ارتبط بها من الخرافات التي تختلف من منطقة إلى منطقة، مؤكدا في حوار مع "التجديد" على أن انتشار هذه الخرافات إنما كان بسبب تقصير أهل العلم في البيان أو بعدهم عن واقع الناس. وأشاربنحماد إلى بعض تجليات معاني التآزر التي تتجسد في هذه المناسبة الدينية ومنها ما انتشر بين الناس من السعي إلى توفير الأضاحي لمن لا يستطيعون ذلك أو على الأقل توفير بعض المبلغ، معتبرا أن بهذا ونحوه تفوت الفرصة على الذين جعلوا منها مناسبة لإثقال كاهل المواطن بمزيد من القروض التي تمتد مدد سدادها سنة كاملة. ❍ يظلم بعض الناس هذا النسك إذا ما قصره على ذبح الأضحية يوم العيد ليأكل منها ويطعم أهله وأقاربه، ما هي الحكم والمعاني التي ينبغي استحضارها من هذه المناسبة الدينية؟ ● هذا السؤال يحيل على قضية كبرى وهي منزلة المقاصد بشكل عام في تدين المسلمين. نعم قد يصيب التقصير جانب الأحكام أيضا، لكن التقصير الكبير هو جانب المقاصد ومن هنا تضاعفت الجهود للتذكير بأهمية الحكم والمقاصد في سائر شؤون ديننا. ومن ذلك بلا شك سنة الأضحى التي ظلمت كما جاء في السؤال فتحولت عند أسر كثيرة إلى كابوس يقض مضاجع الأسر عوض أن تكون مناسبة دينية نستحضر فيه المعاني والقيم التي شرعت من أجلها. وأولها طاعة الله سبحانه في المنشط والمكره إذ أصل هذا اليوم يعود لأمر الله لإبراهيم عليه السلام بذبح ولده إسماعيل كما في قوله تعالى:" فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانظُرْ مَاذَا تَرَى " وقد استجاب الخليل لأمر ربه كما كان إسماعيل عليه السلام في مستوى العالي كما في قوله تعالى:" قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِن شَاء اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ" وحين هم بالتنفيذ جاء الفداء كما في قوله تعالى:" وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلَاء الْمُبِينُ وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ " فهل يكون العيد منا سبة لمراجعة مدى التزامنا بأوامر الله ورسوله صلى الله عليه وسلم. ومن المقاصد الكبرى في هذا العيد إظهار الفرح والسرور فهذه الأيام كما جاء في الحديث:" أيام أكل وشرب وذكر" وإظهار السرور مقصود في هذه الأيام لتكون حياة المسلم متوازنة قائمة على الوسطية بعيدة كل البعد عن معاني الغلو. ثم إن هذه الأيام هي أيام تواصل بين الأقارب وبين المسلمين بشكل عام ... ❍ تجسيد قيم التضامن والتآزر في أيام العيد هي إحدى حكم العيد والأضحية، أين يمكن إظهار هذه القيم من خلال عيد الأضحى؟ ● يكفي في التدليل على قيم التآزر في هذه الأيام أن الأضاحي تكون وسيلة لإكرام الغير وخاصة الفقير والمحتاج وإليه الإشارة في قوله تعالى:" لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَّعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُم مِّن بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ " وقد بلغ الأمر أن نهى رسول الله عن ادخار لحوم الأضاحي بما يجعلها بين أكل وصدقة، ولئن شرع الادخار بعد ذلك فهذا لا ينفي التصدق من لحوم الأضاحي. ومن تجليات معاني التآزر ما انتشر بين الناس من السعي إلى توفير الأضاحي لمن لا يستطيعون ذلك أو على الأقل توفير بعض المبلغ، وهذا عمل جليل ومظهر رائع من مظاهر تعميم الفرحة بين البيوت... وبهذا ونحوه تفوت الفرصة على الذين جعلوا منها مناسبة لإثقال كاهل المواطن بمزيد من القروض التي تمتد مدد سدادها سنة كاملة، وهذا من الحرام البين لأن الشرع لم يكلف أحدا أن يشتري الأضحية قرضا ربويا، فمن وجد ضحى ومن لم يجد فقد ضحى عنا جميعا رسول الله صلى الله عليه وسلم ففي الحديث عن ابن عمر رضي الله عنه قال :" حججت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حجة الوداع، فلما كان يوم النحر دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم بكبشين أقرنين أملحين، فذبح أحدهما، فقال:عني وعن أهل بيتي، وذبح الآخر، وقال: عني وعن أمتي " ❍ ما هي الرسائل التي يمكن استثمار مناسبة عيد الأضحى، لتبليغها للأطفال؟ ● أعظم رسالة تتجه للأطفال أولا طاعة الوالدين في كل ما فيه طاعة لله تعالى وتجلى ذلك في جواب إسماعيل عليه السلام :" قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِن شَاء اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ " ومن الرسائل أيضا أن الله سبحانه افتدى إسماعيل بذبح عظيم لنعلم بأن الأمر لم يكن للتنفيذ ولكن كان للإبتلاء وهو الذي جعل إبراهيم عليه السلام للناس إماما كما قال تعالى :" وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً " كما رفع الله قدر اسماعيل كما في قوله تعالى:" وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ وَكَانَ رَسُولاً نَّبِيّاً " وهذا يعلمنا أن الذي يكون بارا بوالديه يحفظه الله ويرفع قدره، وبر الوالدين من المعالم الكبرى في مناسبة عيد الأضحى. ● يشوب الاحتفاء بعيد الاضحى بعض الاختلالات التي تمس بعمق معنى العيد، من قبيل التلحف بشحم الخروف وتلوين وجه الأطفال والنساء بدم الأضحية من أجل حمايتهن من العين...)، كيف يمكن ترشيد الاحتفاء بالعيد بمنأى عن ذلك؟ ❍ مما يؤسف له فعلا أنه لا تكاد تجد عبادة أو طاعة من الطاعات إلا وارتبطت بها مجموعة من البدع والخرافات ما أنزل الله بها من سلطان وهذا ما يدعو إلى مضاعفة الجهود من أجل ترشيد التدين. وهذا أحد دواعي ما أخبر به رسول الله من بعثة من يجدد للأمة دينها لأنه مع الزمن تنتشر الانحرافات فنحتاج إلى التجديد ومن ذلك تحرير سنة عيد الأضحى مما ارتبط بها من الخرافات التي تختلف من منطقة إلى منطقة، وهي إنما تنتشر بسبب تقصير أهل العلم في البيان أو بعدهم عن واقع الناس وهنا نقول بأن خطباء المساجد والوعاظ والمرشدين أساسا وكل من هو في مقام التوجيه يتحمل مسؤولية البيان الذي ينبغي ألا يبتعد عن حاجات الناس وعن قضاياهم الحقيقية عوض أن تبقى خطب أعيادنا مثلا منسوخة من الكتب القديمة ليس فيها من رائحة العصر شيء ... ❍ ما هي أهم التوجيهات الشرعية حتى تكون الأضحية مقبولة ؟ ● أعظم ما ينبغي استحضاره في هذا المقام عنصر الإخلاص والقطع مع كل أشكال الرياء والمباهاة بالأضاحي والله سبحانه وتعالى يقول :" لَن يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَكِن يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنكُمْ " فلا يبلغ من أضاحينا إلا ما كان لله كما أرشدت إلى ذلك كل النصوص التي تتحدث عن الإخلاص وتأمر به، ومن ذلك الحرص على السنة ما استطاع المرء إلى ذلك سبيلا من مثل الإفطار من الأضحية أو تغيير الطريق بين الذهاب والعودة من المصلى وغير ذلك ... ومعلوم أنه لا بد من أن يكون الذبح بعد الصلاة لا قبلها. وهو تذكير بمنزلة الصلاة في ديننا المكتوبة وغير المكتوبة بشكل عام، ومن ذلك أن يجتهد المرء في صلة رحمه في هذه الأيام، وأن يعفو ويصفح عمن كان بينه شيء أو يعتذر ويتحلل من أخيه إن كان هو المخطئ ويحسن أن يبادر بشكل عام مهما كان الأمر كما في الحديث :" وخيرهما البادئ بالسلام " ثم لنجعل مجالس العيد مجالس ذكر كما هي مجالس أكل وشرب وذلك لكي تغشاها الرحمة وتحفها الملائكة وتنزل عليها السكينة ويذكرها الله فيمن عنده ، والله ولي التوفيق.