ردت نساء بيت حانون اللواتي انطلقن في مسيرة عفوية إلي مسجد المدينة لإنقاذ المحاصرين من المسلحين، والتصدي للقوات الإسرائيلية الغازية، الاعتبار للمرأة العربية، واثبتن أنهن أكثر رجولة وشجاعة من كل رؤساء الأركان وقادة الجيوش العربية دون استثناء.جميل منظر الفتيات والسيدات المؤمنات وهن يهرعن إلي المسجد المحاصر وسط الدبابات والمجنزرات الإسرائيلية، غير عابئات بنيران وقذائف مدافعها الحية، يرددن الله اكبر.. الله اكبر مدوية مجلجلة.لا نعرف ما إذا كان الزعماء العرب قد شاهدوا هبة الكرامة هذه، شاهدوا النساء يتصدين بصدورهن العامرة بالإيمان للرصاص الإسرائيلي ويسقطن شهيدات وجريحات دفاعا عن ارض ومقدسات تقاعس هؤلاء الزعماء في الدفاع عنها، وهم الذين يملكون الجيوش وترسانات أسلحة أنفقت علي عملية بنائها مئات المليارات من الدولارات.ولا نعرف أيضا ما إذا كانت السيدات الأوليات كن إلي جانب أزواجهن، ونظرن إلي شاشات التلفزة وهي تنقل هذه اللقطات المشرفة، وماذا كانت ردة فعلهن، اذا كانت هناك فعلا ردات فعل ترتسم ملامحها علي الوجوه التي هي قطعاً في كامل زينتها. هذه هي المرأة العربية الفلسطينية، لا تكتفي بإنجاب الشهداء، وإنما بالانضمام إلي قوافلهم أيضا، والنزول إلي ميدان المواجهة.سياسة التجويع التي تمارسها أمريكا وبدعم معظم الأنظمة العربية، في دول المركز والاطراف، فشلت في تركيع الشعب الفلسطيني، إناثا وذكورا، بالغين واحداثاً، اسلاميين او وطنيين، فالمقاومة لم تتوقف مطلقاً، والصواريخ الايمانية استمرت في الوصول إلي قلب المستوطنات الإسرائيلية تبث الهلع والرعب في صفوف سكانها.القيادة السياسية الاسرائيلية تقول ان هذه المجازر لا تعني الاجتياح، ولا اعادة احتلال قطاع غزة، فإذا كان مقتل سبعة وعشرين فلسطينيا، بينهم امرأتان، هو مجرد تسخين ، فكيف ستكون المجزرة الكبري اذا ما بدأت عملية الاجتياح الكامل؟الحكومات العربية غير عابئة بما يحدث، والجامعة العربية كفت حتي عن القيام بما كنا نستنكره في الماضي، اي الدعوة لانعقاد اجتماع طارئ للجامعة العربية، فالسيد عمرو موسي امينها العام يتواجد في الدوحة لاستعادة الديمقراطيات المغيبة، والرئيس المصري حسني مبارك في اذربيجان في جولة آسيوية وسطي، وخادم الحرمين الشريفين الملك عبد الله بن عبد العزيز يتفقد مدينة جيزان علي الحدود اليمنية.تونس اغلقت سفارتها في قطر احتجاجاً علي برنامج بثته الجزيرة عن قرار منع الحجاب الطائفي فيها، اما الحكومة الاردنية فسارعت الي سحب سفيرها من الدوحة استياء من برنامج آخر.الكرامة العربية تنتفض لأن ضيفا في محطة تلفزيونية نطق بآراء لا تعجب الحكومات في برنامج تلفزيوني، ولكنها تغيب تماما عندما تنتهك اسرائيل اعراض المحصنات، وتقتل الابرياء بالعشرات وتنسف المساجد ودور العبادة. فكرامة الأنظمة وأجهزة مخابراتها اكثر اهمية من كرامة أمة ودماء نسائها واطفالها.مطالبنا باتت متواضعة لدرجة المطالبة بسحب سفير عربي من تل ابيب، وطرد اسرائيلي من القاهرة أو عمان او نواكشوط او الرباط، او اغلاق مكتب تجاري في قطر او تونس. ولكن حتي هذه المطالب علي تواضعها باتت كبيرة الكبائر يتهم من يقترب منها بالتطرف، وربما الانتماء الي تنظيم القاعدة . فاسرائيل لم تعد عدوا عند معظم الأنظمة العربية، ومجازرها في حق الشعبين الفلسطيني واللبناني لا ترتقي الي درجة الاقدام علي اعمال مشروعة في العرف الدبلوماسي مثل سحب السفراء. فالعدو هو المقاومة، اسلامية او وطنية، التي تريد تنغيص حياة الأنظمة واستقرارها وعلاقاتها الطيبة مع الحليف الامريكي، وتكدير محاولاتها الاستمتاع بالعوائد النفطية المتضخمة.الجيش الإسرائيلي مني بهزيمة مذلة في لبنان فأراد تعويضها في بيت حانون وطولكرم ونابلس، بقتل اكبر عدد من المدنيين الفلسطينيين العزل، وهذا ما يفسر المجازر التي يرتكبها حاليا في قطاع غزة علي وجه الخصوص.المقاومة الإسلامية التي تصدت ببسالة للجيش الإسرائيلي ومنعت تقدمه، والحقت خسائر كبيرة في صفوف جنوده، وشيدت مقبرة جماعية لدبابات الميركافا ، في جنوب لبنان، كانت وما زالت، افضل حظاً من نظيرتها الفلسطينية لأنها وجدت وتجد الدعم من ايران، وتملك حدودا مفتوحة مع سورية، وتجلس علي ترسانة من الاسلحة الحديثة، وعشرين الف صاروخ مثلما اعلن سيدها حسن نصر الله.ولكن المقاومة الفلسطينية محاطة بأنظمة أكثر حرصا علي امن إسرائيل من أمنها الخاص، وتغلق الحدود بإحكام تحسدها عليه الدولة العبرية نفسها.العراق يتحلل ويتلاشي أمام أعيننا، والشعب الفلسطيني يتعرض للذبح، ولبنان ينتظر اجتياحا اسرائيليا آخر تسرح الطائرات الاسرائيلية في سمائه في تحد سافر للشرعية الدولية المزعومة، ودارفور السودانية تنتظر مصيرا اكثر سوءا من مصير العراق، والشعوب والأنظمة العربية تقف في موقف المتفرج.باكستان تشهد مظاهرات صاخبة احتجاجا علي قصف مدرسة علي الحدود مع افغانستان من قبل القوات الباكستانية ادي الي وقوع مجزرة. وبنغلاديش تشهد مظاهرات ادانة للعدوان الاسرائيلي، حتي في غلاسكو في اسكتلندا يتظاهر الاسكتلنديون لابسو التنانير وزرق العيون ضد فريق مكابي حيفا الذي جاء ليلعب مباراة ضد فريق رينجرز الاسكتلندي في مسابقة اوروبية، يتظاهرون نصرة للعرب ويرفعون اعلام فلسطين.العواصم العربية في صمت رهيب، لا وجود لأي تحرك عربي. اين البرلمانات العربية؟ اين الاتحادات المهنية؟ اين الطلاب؟ الا توجد نخوة وكرامة عند هؤلاء، ايخافون من قمع الأنظمة؟ وهل قمع الأنظمة اكثر شراسة وفتكا من الرصاص الاسرائيلي الحي الذي واجهته نساء بيت حانون بصدورهن؟ايران كل يوم تجرب صواريخها البرية والبحرية والجوية، شهاب، الكوثر، نور ونصر، اما الأنظمة العربية فتجرب ماذا؟ اساليب جديدة للفساد ونهب المال العام، ام نظريات احدث حول كيفية تعديل الدساتير وتصدير الديكتاتورية الي روسيا؟نعتذر لسيدات بيت حانون والشهيدات من بينهن، مثلما نعتذر لأهل العراق، وشهداء المقاومة في لبنان، فلم تعد توجد هناك امة عربية، وانما كتل بشرية مخدرة تحمل هذا الاسم زوراً. http://www.lemonde.fr/web/video/0,47-0@2-3218,54-830410@51-803567,0.html