لم يفهم كثير من المتتبعين وحتى البرلمانيين من مستشارين ونواب المغزى من العرض الذي تقدم به إدريس جطو، رئيس المجلس الأعلى للحسابات، أمام غرفتي البرلمان في جلسة مشتركة ينص عليها الدستور، وذلك من أجل تدبير جيد للحكامة، حيث اعتبروا أن التقرير سبق أن قدمه رئيسه أمام جلالة الملك كما تم نشر مضامينه على موقع المجلس الأعلى للحسابات وتناولته وسائل الإعلام بالداخل والخارج. فالمجلس الأعلى للحسابات يقدم مساعدته للبرلمان في المجالات المتعلقة بمراقبة المالية العامة، ويجيب عن الأسئلة والاستشارات المرتبطة بوظائف البرلمان في التشريع والمراقبة والتقييم المتعلقة بالمالية العامة. فما قام به جطو يدخل في باب مساعدة البرلمانيين. ويا ليت قومي يعلمون. فهو يقدم لهم أدوات المراقبة. حيث يضعهم أمام الأمر الواقع، وبدل المهاترات والاتهامات المجانية التي توزع دون حجة ولا دليل، يسعى المجلس الأعلى للحسابات لأن يضع الأدلة أمام ممثلي الشعب. ولقد سمعنا كثيرا من الاتهامات داخل البرلمان، تم توزيعها وتبادلها بين النواب والمستشارين أنفسهم وبينهم وبين أعضاء الحكومة، لكن لا أحد من هؤلاء كانت لديه الجرأة والقوة على تعزيز اتهاماته بالوثائق، لكن تبين أن الإخوة البرلمانيين مثلهم مثل عامة الناس الذين يروجون للإشاعة، في حين كان على ممثلي الشعب أن يرسوا ثقافة جديدة تتمثل في قول الحق، والحقيقة تتطلب التدقيق قبل إطلاق الكلام على عواهنه. ولقد حرص المغرب على غرار الدول المتطورة، على الارتقاء بالمجلس الأعلى للحسابات إلى مصاف مؤسسة دستورية تضطلع بدور المساهمة الفعالة في عقلنة تدبير الأموال العامة وتمارس كليا وظيفتها كمؤسسة عليا للرقابة مستقلة بذات الوقت عن السلطة التشريعية والسلطة التنفيذية. وهكذا وضح الباب العاشر من الدستور بأن المجلس الأعلى للحسابات يتولى ممارسة الرقابة العليا على تنفيذ القوانين المالية ويبذل مساعدته للبرلمان والحكومة في الميادين التي تدخل في نطاق اختصاصاته بمقتضى القانون. فعرض التقرير السنوي للمجلس الأعلى للحسابات أمام غرفتي البرلمان في جلسة واحدة لها دلالات قوية. فالمجلس مستقل عن السلطة التشريعية أي البرلمان. كما أنه مستقل عن السلطة التنفيذية أي الحكومة، ولا يخضع لها وليست لرئيس الحكومة ولا لأحد من وزرائه سلطة على المجلس. هذه الاستقلالية هي التي تعطي قيمة مضافة لعرض التقرير أمام البرلمان. فهو يقع في منطقة مستقلة عن السلطتين وبالتالي يتوفر فيه الحياد اللازم لتقديم المساعدة للبرلمان، وذلك من خلال عرض جميع الاختلالات التي تعرفها الوزارات والإدارات العمومية والجماعات المحلية، ومراقبة كل ما يتعلق بصرف المال العام، وبالتالي فهو يقدم الأدوات اللازمة لمراقبة عمل الحكومة. فمراقبة عمل الحكومة لا يمكن أن يعتمد على الإنشاء وعلى نزع الوزرات وتبادل الشتائم، ولكن يعتمد على معطيات الواقع، وعلى دراسات وتحقيقات يقوم بها قضاة محلفون ومستقلون عن السلطتين التنفيذية والتشريعية. عرض التقرير رسالة إلى من يهمه الأمر بالعدول عن المهاترات الخاوية والاعتكاف على المراقبة الجدية لعمل الحكومة والمؤسسات العمومية.