إن الحديث عن دور الاعلام المغربي في تسويق عدالة قضية وحدتنا الترابية، يفرض طرح التساؤلات التالية: أي بنية للإعلام المغربي، الورقي والسمعي البصري والإلكتروني يمكنها أن تسوق عدالة قضية وحدتنا الترابية إلى الخارج وبشكل أكثر احترافية ؟. وهل استطاع الاعلام المغربي أن يحترف في الدفاع عن قضايانا الوطنية وأساسا قضية الصحراء؟ انطلاقا من الاجابة عن هذه التساؤلات، يمكننا أن نفهم حيث يوجد الخلل في التسويق والجودة في التسويق لقضية وحدتنا الترابية وما هي مكامن وخلفيات هذا الخلل ، وما عواقب هذا الوضع وتجلياته على إبقاء ملف الصحراء يراوح مكانه وتداعياته على المنطقة المغاربية وعلى منطقة الساحل والصحراء؟ وما يمهد للإجابة عن هذه التساؤلات هو تدني معدل القراءة يوما بعد يوم، مما أضحى يهدد بإغلاق الصحف وفي مقدمتها الصحف الحزبية، لولا الإكرامية السنوية للدولة عليها، بحيث اصبحت بعض الصحف الحزبية تبيع مرجوعاتها بالجملة أكثر من بيعها لمبيعاتها اليومية التي لا تتعدى 2000 نسخة يوميا في أحسن الأحوال. وهو ما تؤشر عليه بعض الأرقام الصادمة لمبيعات الصحف المغربية، والصادرة في التقرير السنوي ل:"هيئة التحقق من الانتشار" (أو جيه دي) والذي أكد أن جميع الصحف اليومية المغربية انخفضت مبيعاتها، خصوصا منها الصحف الحزبية. وخلصت دراسة أكاديمية أنجزها المركز الدولي للدراسات الإستراتجية والحكامة الشاملة بتعاون مع مؤسسات أخرى بالمغرب، والتي شملت 1457 شخصا، 58 بالمائة من الذكور و42 بالمائة من الإناث، أن عدد الذين لا يقرؤون الجرائد بلغ 30 بالمائة من عدد المستجوبين، وبلغت نسبة من يقرؤون جريدة مرة واحدة في الأسبوع حوالي 15بالمائة، بينما لم يتجاوز18 بالمائة من يطلعون على مضامين جريدة مرتين في الأسبوع، ووصلت نسبة الذين يقرؤون الجرائد أربع مرات 7 بالمائة، أما من يطالعون الجرائد خمس مرات فقد حددت في 5 بالمائة، وتجاوزت نسبة من يدمنون قراءتها طوال الأسبوع 30 بالمائة. هذا ما يؤكد على أن المنتوج الاعلامي الموزع عبر الاكشاك لم يستطع حتى إغراء القارئ المغربي من اجل متابعته، فكيف به يسوق ويقنع الآخر بعدالة قضية وحدتنا الترابية ، وهذا ما يدفعني إلى القول بأن البنية الاعلامية المغربية هشة ، تعتمد في تركيبتها البشرية والمهنية على المجانية في تزويد الصحيفة بالأخبار من خلال مراسلين مبثوثين في كل مكان لا تتوفر فيهم ادنى شروط ممارسة مهنة الصحافة ، إلا القلة القليلة. هذا إضافة إلى الطاقم الصحفي المركزي للجريدة الذي يشتكي وباستمرار من نقص في الرواتب دون أن أتحدث عن التحفيزات التي لا توجد في قاموس الصحافة المغربية فقط دون غيرها من باقي الصحف الكونية، مما افسد الوضع الاعتباري والاجتماعي للصحافي المغربي، وفرض عليه أن يكون وهو من يسارع إلى الدفاع عن حقوق الناس، أول من تهضم حقوقه ، لذلك فالصحافي المغربي، أصبح يستشعر هذه "الوضعية الفجة"، والكثير من أفراد قبيلة الجسم الصحافي ببلادنا يعيشها يوميا في حركاته وسكناته وحتى في أحلامه، مقابل كل هذا يفرض على الصحفي في ظل هذه الظروف أن يشتغل وفق مزاج الناشر، يتنقل عبر كل الأقسام والمجالات، من الوطني إلى الاجتماعي إلى الاقتصادي حتى إلى تركيب الكلمات المتقاطعة أحيانا، مما يفقده الاهتمام بالتخصص، إذن في ظل هذه المعطيات ، أين إذن نحن من التخصص في تسويق قضية وحدتنا الترابية إلى الرأي العام الدولي. هذا في الصحافة المكتوبة، اما في الاعلام السمعي البصري والمسموع فبالرغم من تعدد الاذاعات الحكومية والخاصة، يبقى دورها يغلب عليه الطابع الاجتماعي والتنشيطي، في غياب ملحوظ للتحليل /السياسي/الاقتصادي/إلخ. مما يسهل من عملية توظيف العنصر البشري دونما الحاجة إلى تكوين في الكثير من الحالات، وهو ما يفقد هذا الاعلام الذي له جمهور خاص وواسع توفره على إعلاميين متخصصين في مجالات وطنية هامة ، مثل قضية وحدتنا الترابية وسياستنا الوطنية . أما الاعلام البصري أو القنوات التلفزيونية المغربية، و في ظل انعدام قنوات تلفزية حرة، لا يزال هذا الاعلام في غالبية برامجه ، وأخباره يجتر اسلوبا ماضويا في تقديم الاخبار وإنتاج البرامج، تفتقر إلى الجودة شكلا ومضمونا. وما الاحتجاجات التي واكبت برامج رمضان هذا العام، إلا النقطة التي أفاضت الكأس وعرت عن واقع إعلامي يتقدم إلى الوراء، وهو ما دفع بجمهور واسع من المشاهدين المغاربة إلى الفرار بشكل جماعي إلى القنوات الأجنبية، وإغلاق القنوات الوطنية على قلتها "بالشمع الأحمر". هذا في الوقت الذي توجد فيه على طاولة الهيأة العليا للإعلام السمعي البصري"الهاكا"، مشاريع قنوات إعلامية حرة تنتظر فقط التأشير . أما الاعلام الالكتروني الذي شهد فيضا غير مسبوق في بلد لا يزال الحاسوب لم يستبح بعد كل البيوت وكل الأفراد وكل المؤسسات ، خصوصا منها التعليم العمومي ، وبالرغم من فوضويته وهشاشة بنيته المهنية ، فقد استطاع إشاعة ملف الوحدة الترابية ونشره على أوسع نطاق ،بحكم يسرسيولة المعلومة عبر الشبكة العنكبوتية، بالرغم من ما واكب هذا النشر من ارتجال وتشتت في المعطيات وفي الأفكار وفي الرؤية والتحليل المقنع للمنظمات الحكومية وغير الحكومية الدولية بعدالة قضية وحدتنا الترابية.بحيث غلبت عليه الهواية في متابعة الأحداث المرتبطة بالصحراء، مما أضر في كثير من الحالات عدالة القضية الوطنية أكثر مما قدم إليها ومن خلالها للوطن خدمات . إذا كان الاعلام المغربي بكل تمفصلاته لم يستطع أن يؤثر حتى في المشهد الوطني الداخلي، إلا ما نزر، كيف يمكنه أن ينقل الصورة الحقيقية لعدالة قضية وحدتنا الترابية إلى الرأي العام الدولي ، ويسوقها باحترافية عالية، تؤثر في التوجهات العامة لأصحاب القرار في المنظمات الدولية الحكومية منها وغير الحكومية من أجل توجيهها وفق ما يخدم المصلحة الوطنية وقضية وحدتنا الترابية على وجه التحديد. إن قضية الصحراء المغربية، قضية عادلة، يجمع عليها الشعب المغربي من الكويرة إلى طنجة ومن المحيط إلى تخوم الصحراء الشرقية، لكننا ندافع عنها أمام المنتظم الدولي وأمام اللوبيات السياسية الضاغطة في القرار الدولي من خلال العديد من المنظمات الدولية المنحازة إلى خصوم وحدتنا الترابية، ندافع عنها بمحام فاشل، لم يستطع بعد فك عقدة لسانه، وهذا المحامي الفاشل هو الاعلام المغربي الهش، هذا المحامي الفاشل هو الدبلوماسية الرسمية التي لا تقوم إلا كما يقوم الإطفائي ، يفاجأ بالنار، فيسرع لإطفائها، ثم يعود إلى ثكنته في انتظار مفاجآت أخرى. هذا الأسلوب في التعامل مع قضية شائكة مثل قضية الصحراء التي عمرت حوالي أربعة عقود، بأربعة أجيال مضى عليها الزمن وانتهى. خصوصا في ظل تواجد خصم "شرس " يسخر كل ثروات شعبه وبلاده النفطية وغيرها من أجل أن تبقى قضية الصحراء المغربية تراوح مكانها، ولا هم للحكام الجزائريين بالصحراويين المحتجزين بصحراء تندوف ولا بتقرير مصيرهم ولا بحريتهم، إنما حكام الجزائر لا يدخرون جهدا من أجل أن يوزعوا أموال الشعب الجزائري الشقيق الذي يعاني شظف العيش على بعض الدول الإفريقية وكل المنظمات التي تقتات من الصحراء في أوروبا وأمريكا وغيرها، واحترفت في الدفاع عن أطروحة الجزائر ، صنيعة البوليساريو من أجل التأثير على قرارات المنتظم الدولي، وتأليب الباطل على الحق في عدالة قضية وحدتنا الترابية. وهذا التهميش أو "الحكرة " كما يسمونها إخواننا الجزائريون هو ما دفع بتظاهرات لمواطنين جزائريين، خرجت يوم عيد الفطر، كما باقي الأيام في مختلف ربوع الجزائر، تنديدا بالوضع الاجتماعي والمعيشي المتردي بالجزائر ، رافعة الأعلام المغربية ، مطالبة حكام الجزائر بالاقتداء بالعاهل المغربي في مجال محاربة الفقر والهشاشة وفتح الأوراش والمشاريع التنموية الكبرى، ومشددين على ضرورة فتح الحدود المغربية الجزائرية. هذا المحامي الفاشل، هو الدبلوماسية الموازية الحزبية والبرلمانية ودبلوماسية المجتمع المدني، هؤلاء الأطراف يبذلون جهدا مهما ، إلا أنه يبقى غير ذي جدوى لافتقاره إلى أدوات الإقناع من خلال هضم القضية وكل تفاصيلها مع السماح بمجال لحرية المبادرة لهذه الأطراف المدنية والسياسية، مع تيسير التدابير الادارية والقانونية لها وتحصينها بمدها بملف موحد متكامل وقوي الأفكار ، احترافي المنهج ، محدد الرؤية حول عدالة قضية وحدتنا الترابية. بهذه البنية الأساسية الهشة لكل هذه الأطراف المتدخلة في الملف ومع ما يحيط بها من التباس أحيانا وغموض أحيانا أخرى، في ظل افتقار للمعلومة الرسمية يبقى دور الاعلام المغربي يعاني كثيرا من هذا الجانب مما ينتقص من مهمتة النبيلة، ألا وهي تنوير الرأي العام الوطني أولا بما يستجد من معطيات وأحداث تتعلق بقضية الصحراء المغربية، وكذلك تنوير الرأي العام الدولي وتسويقه معلومات سليمة وحقيقية معززة بالحجة والبرهان، وتفنيد كل المغالطات التي يختلقها خصوم وحدتنا الترابية. إذن دفاع الاعلام المغربي والدبلوماسية الرسمية ودبلوماسية المجتمع المدني عن الصحراء المغربية وعن مقترح الحكم الذاتي الذي يعد المقترح الوحيد المتشاور حوله في المفاوضات المرعية من قبل هيئة الأممالمتحدة والتي فشلت بعد محطاتها التسع في إيجاد حل جذري وواقعي يعيد الصحراوين إلى وطنهم المغرب ويشاركون في تدبير شؤونهم بأنفسهم في ظل دولة المؤسسات ودولة الحق والقانون، تضمن لهم الكرامة والأمن والاستقرار في مختلف ربوع المملكة من الجنوب إلى الشمال، وذلك بفعل التعنت المبيت لحكام الجزائر الراعين للبوليسايو والذي يعمل على تنفيذ تعليماتهم حرفيا، فيما يتعلق برفض كل الحلول الممكنة من أجل انهاء التعذيب والتجويع الممارس على المواطنين الصحراويين المغاربة المهربين من الصحراء المغربية نهاية السبعينات والمحتجزين بمخيمات تندوف طوال حوالي أربعة عقود. إذن دفاع هؤلاء عن عدالة قضية وحدتنا الترابية وتسويقها للعالم في أجود صورة مدمغة بالدليل والبرهان الذي لا يشق له غبار، يفرض على الاعلام المغربي أن يصحح بنيته الهشة، وفق استراتيجية إعلامية متينة وواضحة تسموا بالخطاب الاعلامي وبتصحيح وضعية نساء ورجال الاعلام الاجتماعية والقانونية ، وذلك سموا بوضعهم الإعتباري، وتمكينهم من المعلومة من مصادرها، والسماح بالحرية في التعبير والرأي ارتباطا بالمسؤولية ، وحفاظا على نبل رسالة الصحافة والإعلام، وبذلك يمكن للإعلامي المغربي أن يتحمل مسؤولية تهاونه في الدفاع عن قضية الصحراء وكافة القضايا الوطنية الأساسية بخلاف ذلك، لا يمكننا إلا أن نعذر له ولدبلوماسية المجتمع المدني بهضا من هفواتهم وتقصيرهم في هذه القضية بالذات. *صحفي وكاتب مهتم بقضايا المغرب الكبير