على وزير العدل المغربي محمد بوزوبع أن يخضر عينيه جيدا في الحكم الذي أصدره القضاء الفرنسي في حق أخ وزيرة العدل الفرنسية رشيدة داتي. فقد حكمت عليه المحكمة بسنة سجنا نافذا بعد أن كان قد نال حكما مخففا من طرف المحكمة الجنحية بستة أشهر موقوفة التنفيذ. كان هذا قبل أن تتسلم أخته حقيبة وزارة العدل، وبما أن رشيدة داتي بنت حملتها الانتخابية إلى جانب رئيس الجمهورية على وعد بتشديد العقوبات والأحكام القضائية ضد المتورطين في جرائم المخدرات، فإن أول من أعطت به المثل في تطبيق فصول هذا القانون المتشدد هو أخوها. لقد كانت لوزير العدل المغربي فرصة مشابهة لكي يعطي المثل بأخته وصهره على نزاهة العدالة واستقلاليتها، عندما تورطا في قضية شراء وبيع أرض المواطن الجزائري النعيمي بالرباط بعقود مزورة. وعوض أن تشرح لنا أخت وزير العدل أين انتهى مصير ثلاثة ملايير سنتيم التي باعت بها شركتها الأرض «المغتصبة» وأن يخبرنا حرمها السيد عبد المجيد بوزوبع عن مصير 156 مليون سنتيم التي اعترف أمام القاضي بأن المواطن العلواوي، الذي يقضي الآن حكما بالسجن لعشر سنوات على خلفية هذا الملف، ضخها في حسابه البنكي بعد أن بلغ إلى علمه، جزاه الله خيرا، أن صهر وزير العدل يمر بضائقة مالية خانقة. لقد «جاهد» وزير العدل بكل قواه لكي يغلق هذا الملف قبل أن يغادر كرسي الوزارة، حتى لا يترك أفراد عائلته بين أيدي غير أمينة. وفي الوقت الذي نرى فيه كيف شددت العدالة الفرنسية أحكامها ضد أخ الوزيرة مباشرة بعد توليها حقيبة العدل، نرى بالمقابل كيف تساهل القضاء مع أخت وزيرنا في العدل وزوجها، بحيث تحولت بقدرة قادر من متهمة إلى مجرد شاهدة ثم ضحية فيما بعد. ونحن هنا لا نطلب من وزير العدل أن يشرح لنا «التكييف» القضائي الذي تمت الاستعانة به لتحويل رجاء بوزوبع من مشاركة في هذه الجريمة إلى ضحية من ضحاياها، وإنما نريد منه فقط أن يدلنا على مصير تلك الملايير والملايين التي دخلت حساب أخته وزوجها ولم نسمع بأنهم أرجعوها إلى صندوق المحكمة. عندما استأنفت النيابة العامة بفرنسا الحكم ضد أخ وزير العدل رشيد داتي، واستطاعت أن ترسله إلى السجن للثني عشر شهرا نافذا، فإن الرسالة التي كانت تريد العدالة الفرنسية بعثها للرأي العام هي أنه لا يوجد أحد فوق القانون على أرض الجمهورية الخامسة. أما الرسالة التي ظلت تبعثها العدالة المغربية في عهد محمد بوزوبع فهي أننا في المغرب لسنا سواسية أمام العدالة وأن هناك لائحة بأسماء مجموعة من العائلات يوجد أفرادها فوق القانون. وهذه حقيقة مخجلة تتأكد يوما عن يوم، ورغم الخطابات التي يتحدث فيها الملك عن ضرورة إصلاح ورش العدل الذي تفوق جيوب الفساد فيه كل الأوراش الأخرى، إلا أن ما نلاحظ هو إصرار هذه الجيوب على ضرب مصداقية القضاء في الصميم. ولعل قرار تأجيل قضية عمدة الرباط البحراوي إلى أجل غير مسمى بعد أن صدر قرار بمتابعته بتهمة استغلال معدات عمومية في نقل المواطنين وعقد تجمع غير قانوني في بيته لمطالبتهم، حسب محاضر الاستماع، بتجديد الثقة فيه في الانتخابات المقبلة، يعتبر أكبر استهتار بالعدالة. إن مصداقية العدالة لا تتجسد في الضرب على أيدي المقدمين والشيوخ وصغار الموظفين الذين يتورطون في خرق القانون، ولكن مصداقية العدالة تظهر بجلاء عندما تقف في مواجهة الكبار عندما يتجرؤون على تحدي القانون، سواء كانوا عمداء مدن أو وزراء أو موظفين في الكتابة الخاصة للملك. ولذلك في الدول الديمقراطية يرسمون العدالة على هيئة امرأة معصوبة العينين تحمل ميزانا، أي أنها لا ترى شيئا ولا تستطيع أن تميز بين أسماء ووجوه الذين يقفون أمامها. أما عندنا فتستحق العدالة أن ترسم على شكل امرأة بعينين، واحدة مغلقة مخصصة لأبناء المزاليط وصغار الموظفين، والثانية مفتوحة بشكل واسع مخصصة لرؤية الأسياد الذين يقفون أمامها. وهذا ما فطن إليه المغاربة قديما وسموه «الحر بالغمزة والعبد بالدبزة». إن أحسن علاج لحالة اليأس الحاد التي يشعر بها المغاربة من السياسة، وفقدان الثقة في العدالة المغربية هو العلاج بالصدمات. أي أن العدالة المغربية يجب أن تطبق حرفيا مطالب الملك التي أوردها في خطابه الأخير والذي ينص على تطبيق القانون بغض النظر عن مركز خارقيه السياسي أو الرسمي. ويجب أن تكون لوزير العدل الجرأة، انسجاما مع ما جاء في الخطاب الملكي، لكي يطلب بوصفه رئيس النيابة العامة الاستماع إلى منير الماجدي الكاتب الخاص للملك ووزير الأوقاف في فضيحة تفويت العقار الوقفي بتارودانت، وأن يأمر بالاستماع إلى رفيقه في الحزب الحبيب المالكي وزير التعليم الذي ضبط وهو يقوم بحملة انتخابية سابقة لأوانها في واد زم، وأن يأمر بتحديد تاريخ واضح لمتابعة محاكمة البحراوي عمدة الرباط، وأن يأمر الضابطة القضائية بنشر بيان واضح تشرح فيه طبيعة «اختطاف» لبنى الشينوية واستنطاقها في تمارة حول فضيحة المتاجرة بالكوكايين وإعداد أماكن للدعارة لمسؤولين كبار. فإلى حدود الآن لا أحد يعرف هل استدعت الشرطة لبنى أم اختطفتها أم أطلقت سراحها. فهناك تضارب في الأخبار أججه صمت الإدارة العامة للأمن الوطني لكي تضرب حصارا على كل المعلومات المتعلقة بهذه الفضيحة التي تمس أهم جهاز في المغرب وهو جهاز الأمن والاستخبارات. وفوق هذا كله يجب أن يضرب وزير العدل محمد بوزوبع المثال بنفسه، كما صنعت وزيرة العدل الفرنسية رشيد داتي، وأن يفتح تحقيقا لمعرفة الأسباب التي أدت بابنه إلى صدم خمس سيارات على الساعة السابعة صباحا في شارع فرنسابالرباط قبل ثلاثة أسابيع، دون أن تسجل الشرطة أي محضر للحادث. على وزير العدل أن يضرب المثل للمغاربة بنفسه ويفتح تحقيقا في فضيحة استفادة والده من فحوصات مجانية بمستشفى ابن سينا بالرباط، رغم أنه لا يتوفر على شروط العوز والفقر والاجتماعيين اللذين يؤهلان المريض للاستفادة من الفحص المجاني المخصص لأصحاب شواهد الضعف. ثم عليه ثانيا أن يضرب المثال ببعض قضاته الذين تورطوا في أشرطة رقية أبو عالي، حيث ظهروا عراة كما ولدتهم أمهاتهم. عليه أن يقول لنا لماذا لم يأمر بإنجاز اختبار الحمض النووي لنائب الوكيل العام للملك الذي تقول خادمة رقية أنه والد ابنها، لكي يقطع الشك باليقين. لن نعطي المزيد من الأمثلة الفاضحة التي تؤكد بالملموس بأن العدالة في المغرب لا تسري على الجميع، وبأن هناك مغاربة تحت القانون وآخرين فوقه. في اليوم الذي سنرى فيه وزراء سابقين أو حاليين وموظفين سامين وموظفين كبار واقفين أمام القضاء ليجيبوا على أسئلة القضاة، في اليوم الذي ستصدر فيه أحكام بالسجن ضد المتورطين بين هؤلاء في الفساد والاختلاس والشطط في استعمال السلطة، آنذاك سنفهم أن المغرب يريد فعلا أن يتقدم إلى الأمام. لأنه ليست هناك دولة واحدة طبقت سياسة الإفلات من العقاب وتقدمت خطوة واحدة إلى الأمام. الصرامة في تطبيق القانون على الجميع لا يجب أن ترفع كشعار، بل يجب أن نلمسها على أرض الواقع. يكفي استعمال قوة القانون بالتيمم، نريد استعمالا لقوة القانون بالفعل. نريد أن نشعر بأن كل المغاربة ولدوا أحرارا بالفعل، وليس بينهم سيد يضع نفسه فوق القانون وعبد سيف القانون مسلط على رقبته. هذه هي ثورة الملك والشعب الحقيقية التي ننتظرها على أحر من الجمر. الثورة على عدالة الكيل بمكيالين، والثورة على استمرار سياسة الإفلات من العقاب، والثورة على التمييز بين المغاربة وتقسيمهم إلى أبناء المروك حكل الراس الذين تدوسهم عجلة العدالة، وأبناء الفشوش الذين يدوسون المواطنين بسياراتهم في الشوارع ويغادرون السجن بمقتضى عفو ملكي خاص. عندما نرى كيف تتصرف العدالة في الدول الديمقراطية نقتنع أن ما تعيشه عدالتنا هو العبث بعينه. وإذا لم يتم إصلاح القضاء، على الأقل حتى نصل إلى مستوى مصر، فإن المغرب سيظل يراوح مكانه وسينطبق عليه مثل ذلك الرجل الذي يعتقد أن حصانه يسير ببطء لأن صفائحه تقادمت ويجب تغييرها، فيما السبب الحقيقي لبطء حصانه هو أنه أعرج. راكم كاتسمرو فيه عرج أيها السادة.