- نجد اليوم الكثير من العائلات المغربية، سواء المسلمة أو اليهودية في فاس ومدن الشمال وحتى في الجنوب المغربي، التي تشترك في بعض الألقاب العائلية.. في نظرك بمَ يمكن تفسير ذلك؟ هل هي أسَر يهودية أسلمت واحتفظت بألقابها الأصلية أم هي أسَر مسلمة استعمَلت، لظروف معينة، ألقابَ أسر يهودية؟ هذا موضوع من اختصاص علم الأنساب، الذي يحتاج -هو الآخر- إلى تحديد منطلقاته، وأعتقد أن تراث ابن خلدون سيشكل بوصلة، فهو يتحدث عن أنّ «نهاية الحسَب في العقب الواحد أربعة آباء».. كما ذكر أيضا: «وليس لأحد من أهل الخليقة شرَف متصل في آبائه من لدن آدم».. وختم بأن «النسب الأول يتم تناسيه بطول الزّمان، ويذهب أهل العلم به فيخفى على الأكثر. وما زالت الأنساب تسقط من شعب إلى شعب ويلتحم قوم بآخرين في الجاهلية والإسلام والعرب والعجم».. أظنّ أنها صياغة واضحة ولا تحتاج إلى تعليق. أما في ما يتعلق بما أسميتموه «كثير من العائلات» فقد أصبتم في حيادية السؤال عندما قلتم «تشترك»، ولفهم هذا الأمر يجب العودة إلى مصدر الاسم، وأزعم أنّ الألقاب في المغرب بشكل عام هي إما ذات مصدر مرتبط بالمهَن والحرَف، وتتحول إلى (اسم فاعل) وهنا سنجد أسماء لا معنى لها إلا في قاموس المهن، والتي يشترك فيها يهود ومسلمون، مثلا لقب الحدّاد، النظّام، الصبّاغ.. المصدر الثاني مرتبط بالمجال، حيث سنجد أنه يعود إلى المنطقة التي ينتمي إليها الشخص، سواء كان يهوديا أو مسلما، ولا ننسى أنّ أول حكومة مغربية كان وزير بريدها يهوديا يحمل لقب «زاكوري»، أي من زاكورة.. ثم لدينا أحد كبار الأحبار، ويسمى موسى الدّرعي.. فهل كل من يحمل لقب زاكوري أو الدّرعي أو التازي ذو أصول يهودية؟.. كما أنّ هناك أسماء ارتبطت باليهود النازحين من مناطق إيبيرية، كمرادجي.. المصدر الثالث دينيّ، وهو بشكل عامّ أقربُ إلى المصدر المهَنيّ، لكنه مؤشّر يمَكّننا من تحديد اسم بعض العائلات، إذ إنّ المهَن الدينية اليهودية هي، في أغلبها، عبرية وليس عربية.. إذن هذا هو المؤشر الوحيد الذي أطمئنّ إليه شخصيا. يحضرني الآن اسم يردّده الجميع إعلاميا وهو «شباط».. إنه اليوم المقدس عند اليهود، الذي يطفئون فيه النور ولا يستعملون النار، هو مخصّص للعبادة، ولا معنى له كلقب عائليّ، إلا إذا عدنا إلى ظروف كتابة الأسماء في الحالة المدنية، التي من المفترض أن تمدنا بمعطيات دقيقة لكن للأسف يحد من إمكانية توظيفها عائقان، يرتبط الأول بأنها حديثة وظهورها مرتبط الإدارة الاستعمارية بعد 1912، والمشكل الثاني هو الظروف التي تم فيها تسجيل الاسماء لم تخضع لمعايير موضوعية بقدر ما كانت المزاجية واللامسؤولية. إضافة إلى أسماء مثل برجال أو بورجال، حيون أو أوحيون، حروش أو عروج من أصل ها آروش... ثم هناك الصفات والنعوت، التي يمكن أن تكون مصدرَ ألقاب.. المهم، إذا تتبعنا الموضوع بسطحية فسنسقط في ما كان الرّواد من الصهاينة الأوائل في المغرب يعملون على تثبيته، وسيصبح كل المغاربة ذوي أصول يهودية. - هل هناك معيار علميّ يمكن اعتماده في الحسم في أصول هذه العائلات؟ في حدود علمي، يمكن الاستئناس بكتب الأنساب والتراجم أو الفتاوى و»التقنوت» الدينية (إسلامية ويهودية) أو المونوغرافيا التاريخية.. وهي كلها نسبية، والموضوع يحتاج إلى لجنة علمية تضمّ مختصّين في التاريخ والجغرافيا واللسانيات ومقارنة اللغات والأنساب.. وهو شيء بعيد المنال في ظلّ ظروف البحث العلمي الحالية في المغرب. لكنْ أقدّر أن الأسماء اليهودية ذات الأصول الدينية، وأقصد (أولاد هارون، أخ موسى) والتي حافظت طيلة التجربة التاريخية على مهامّها الدينية، وأقصد هنا عائلتان هما «الكوهانيم» و«الليفيين»، لكنّ المشكل الذي يطرَح وهو أنه لا يمكن لليهوديّ أن يحتفظ بلقبه الديني هذا إذا خالف القواعدَ الدينية!.. وهنا في أحسن الأحوال عليه إما أن يتخلى عنه أو يضيف إليه لقبا، كما حدث في دبدو خلال القرن الخامس عشر، حيث أضافت عائلة «كوهن» لقب «صقلي» (اسم مهنة أو منطقة جغرافية: صقلية).. بعد ذلك تخلوا عن اللقب الديني واحتفظوا بالصّقلي، وهنا لا بد من الإشارة إلى أنه ليس كل من يحمل لقب الصقلي هو بالضّرورة من أصول يهودية، قد يكون للمهنة دور في ذلك.. لهذا تلاحظون تعقيدات الموضوع. - لكن الأكيد هو أنّ هذه الأسماء المُشترَكة ترتبط بسياقات تاريخية أسلمت فيها بعض العائلات اليهودية على امتداد الدّولة التي حكمت المغرب؟ بالطبع، مع التشديد على أنّ إسلام اليهود في المغرب يرتبط باتجاهين، أولهما حالات شخصية تحكَّمَ فيها طابع العيش المُشترَك والثقافة السائدة في مجتمع كل مرحلة (وهنا يحصل اعتناق الإسلام إما عن اقتناع بضرورة الانخراط في حياة الفئة الغالبة، أو لاعتبارات ذات طابع مصلحيّ ترتبط بالرغبة في فتح باب أكبر لتعاملات تجارية والحفاظ على امتيازات وقتية).. ثم هناك لحظات مهمّة في هذا المسار، والتي اتخذت طابعا جماعيا، ويتم الأمر إما بقرار سياسيّ من طرف أعلى السلطات، إذ تذكر المصادر حالة الدولة الموحدية، التي فرضت على اليهود خيارات محدودة، حتى إنّ المؤرخ عبد الواحد المراكشي، صاحب الكتاب الشهير ب»المعجب»، ذهب إلى أنه «لم تنعقد عندنا ذمّة ليهودي ولا نصراني منذ قام أمر المصامدة، ولا في جميع بلاد المسلمين بالمغرب بيعة ولا كنيسة، إنما اليهود يُظهرون الإسلام ويصَلّون في المساجد ويُقرئون أولادهم القرآن، جارين على ملتنا وسنننا، والله أعلم بما تكنّ صدورهم وتحويه بيوتهم».. وبغضّ النظر عمّا يمكن أن نسجله من مغالاة وإطلاقية في الحكم فلا بد من التشديد على أنّ السلوك السياسي للموحدين يجب ربطه بالسياق الإيديولوجيّ للدولة، التي رفضت الرأي المخالف حتى من المسلمين، وإلا فسيصبح كل التحليل غيرَ ذي معنى، وحتى ما وُصف به الموحدين من إعمال السيف في حق اليهود لا يستقيم بالشكل الذي روج له بعض الباحثين الذين اعتمدوا «قينة» ابن عزري البكائية... ومن قراءة أولية لكتابي نظم الجمان لابن القطان، أو كتاب «المن بالإمامة» لابن صاحب الصلاة، ستستشعر ما أتحدّث عنه.. أو كما حدث في اللحظة المؤسسة لدخول الإسلام، والتي امتدّت حتى عهد الأدارسة الباحثين عن شرعية الوجود.. وهناك لحظة ثالثة لها أهميتها في موضوعنا خلال القرن الخامس عشر، حيث برزت نقاشات بين الفقهاء حول طبيعة التعامل مع «المسلمين الجدد» الذين تم نعتهم ب«البلديين» أو «الإسلاميين» أو «المهاجرين»... ويبدو أنّ الأمر هنا مرتبط بصراع اقتصاديّ حول «قيسارية مولاي إدريس».. وحول ما إذا كان لهم الحق في تعمير «حوانيتها».. وعلى كل حال تحتاج كل لحظة من هذه اللحظات إلى العودة إلى سياقاتها، لفهم إشكاليات لحظة إفرازها. ولا أريد أن نثقل على القارئ بالفتاوى والتقاييد والرّسائل التي حاولت معالجة الموضوع، كل من زاويتها. أما العنصر الثاني فهو البؤس الاجتماعي، وهي حالة اليهود الذين تم طردهم من إيبيريا، سواء سنة 1391م أو سنة 1492م، بعد سقوط غرناطة، دون أدنى مقومات الحياة، بعد أن تم رميهم في السواحل المغربية.. وهناك عامل ثالث، وهو عندما يقوم «الرّعاع» من العامة -طبعا بتأليب من بعض مُتطرّفي الوقت- بحملات على الملاّح، فيزعم بعضهم الإسلام، وقد يستمرّ الأمر ويصبح مسلما.. - هل كانت هناك عمليات مصاهَرة بين العائلات اليهودية التي أسلمت وبين العائلات التي احتفظت بديانتها الأصلية؟ وكيف كان يُنظر إلى هذه الفئة التي تخلت عن دينها؟ بالطبع، كان هناك اندماج ومصاهرات، وإلا كيف سيستمرّ النسل، أعرف اليوم امرأة من مراكش ذات أصول دينية يهودية متزوجة من مسلم، لا تستطيع أن تميّز ذلك إلا من خلال مائدتها اللذيذة والمقبّلات الشهية فيها، أو في ما يتعلق بمخارج بعض الحروف، حيث ما زلنا نسمع بعض اليهود ينطقون حرف الجيم زايا... وهو ما لاحظتُه شخصيا لدى نساء أعتقد أنهنّ كنّ يهوديات حتى ستينيات القرن الماضي.. لكنّ مسألة النظرة هي حالة إنسانية تحتاج إلى مصالحة. لقد نُظر إليهم بشكل دونيّ، وسأعطي بعض الأمثلة مما حدث، مثلا، في العصر الموحّدي، إذ فُرِض على اليهود الذين أسلموا لباس هو عبارة عن «ثياب كحلية وأكمام مفرطة السّعة تصل إلى قريب من أقدامهم، وبدلا من العمائم «كلوتات» على أبشع صورة، كأنها البرادع تبلغ تحت آذانهم.. فشاع هذا الزيّ بين جميع يهود المغرب، وعندما رق قلب الخليفة حوّل ثيابهم إلى اللون الأصفر.. وبعد جهود حثيثة، تمكن المسلمون الجدد -أو سمّهم «الإسلاميين»- من أن يحتفظوا بحاوانيتهم في فاس، لكنْ فُرِض عليهم تعليق «كلخة» في باب الحانوت حتى يعرفهم الناس.. المثال الثاني هو لأحد الأئمّة المشهورين، الذي عندما أراد أن يتقدّم للصلاة بالسلطان دفعه عالِمٌ آخر، وانتبه السلطان إلى ذلك وذكر العالم بأنّ الرجل (أي الإمام) قدّمه علمه.. فكان الجواب «إذا قدّمه علمه فقد أخّره نسبه!».. ثم هناك ما حدث للعلامة محمد ميارة في القرن ال17، والذي أصدر فتوى تبيح ل«المهاجرين» (أي المسلمين الجدد) تعمير «قيسارية مولاي إدريس» في فاس. وقد تعرَّض لصنوف من الاضطهاد، واضطرّ إلى الالتجاء إلى الزاوية الدلائية للاحتماء. إنها كلها مظاهر تمييزية، تفرَض على مسلمين، مع أن جميع المسلمين كانوا في مرحلة من المراحل «جُدداً» في الإسلام، فبأيّ حق تفرَض على هؤلاء إجراءات تمييزية؟ لحسن الحظ أنّ المُتعصّبين دائما كانوا أقلية، لكنّ خطورتهم تبرز في فعاليتهم وقدرتهم على تهييج الرّأي العامّ بادّعاءات دينية أو عِرقية... وهي تعبّر، في العمق، عن مصالح ومطامح ذات أبعاد مخالفة. أما نظرة اليهود إلى الذين أسلموا منهم فتكون عبارة عن مآتم وأحزان، حيث تلبس عائلته لباس الحداد، وتعتبره في حكم الميّت، وهو ما يعبّر عن ثقل حضور الرّابطة الدينية عند اليهود.. إن أغرب ما اطلعتُ عليه هو نقاش إرثه، حيث حفظ له بعض حاخاماتهم هذا الحق، رغم اعتباره ميتا شرعيا. - في نظرك، هل احتفظت العائلات اليهودية التي أسلمت بالعادات الاجتماعية اليهودية «الأصيلة» أم اندمجت في النسيج الاجتماعي العام؟ لا أستسيغ كلمة «اندماج»، لِما لها من حمولات تنهل من قاموس العنصرية.. أحبّذ كلمة «تعايش».. لكنْ بالنسبة إلى اليهود في المغرب فقد كانوا في لحظة «عيش مشترَك»، وهي أعلى مرتبة من التعايش.. وكل المشاكل التي عرفتها تجربتهم في المغرب لا تختلف عن تجارب باقي المغاربة، فالموقع الاجتماعي والثروة والقرب من السلطة هي محدّدات الوضع بشكل عامّ.. لكنْ تحضر في بعض اللحظات ثقافة الجهل بالأشياء وتأثير الظروف العامّة ليخلق رأي عامّ متوتر. أما في ما يتعلق باليهود الذين أسلموا فقد كانت عاداتهم هي عادات المسلمين نفسها، فعندما كانوا يهودا لم تكن الفوارق كثيرة، إذا استثنيا ما تعلق بالعبادات والكاشير (حتى اللباس كان مفروضا عليهم، وليس من اختيارهم) والأضرحة نفسها يقصدها جميع المغاربة.. لهذا أنا أتحدّث عن «عيش مشترك» بكل معانيه. يجب ألا نعمم قضايا اليوم المرتبطة ببؤس التفكير السياسي والنظرة القاصرة إلى التاريخ... لقد أسلم بعضهم منذ قرون طويلة، منذ زمن عقبة بن نافع، فهل كان «برّانيين» على المغاربة حتى نتساءل اليوم عن اندماجهم في النسيج الاجتماعي. أعتقد أنّ أخطر ما يمكن أن يهدّد المغرب الآن هو هذا التسطيح السياسي وتعميمه على قضايا شديدة الحساسية، مثل موضوعنا هذا، لأنّ أخطر ما فيه هو استغلاله من طرف الجهَلة لأغراض لا صلة لها بالبحث العلميّ الجادّ والرّصين..