رغم أن عبد الإله بنكيران ووزراءه يستحقون النقد والمساءلة في أكثر من ملف وعلى أكثر من صعيد، فإن التظاهرة التي خرجت الأحد الماضي للتنديد بسياسة الحكومة تدعو إلى الضحك أكثر من أي شيء آخر، رغم جدية بعض الوجوه والتنظيمات التي شاركت في المسيرة، ورغم الشعارات الغليظة التي رفعت باسم الشعب والطبقات المسحوقة، فإن أجمل ما في المسيرة أن المنظمين كانوا عباقرة في اختيار التوقيت: فاتح أبريل... لأن تظاهرة من هذا القبيل لا يمكن أن تكون أكثر من مزحة، «كذبة أبريل»، ويجدر بنا أن نحيي حس الدعابة لدى المنظمين الذين برعوا في اصطياد هذه «السمكة» ! بعيدا عن أبريل وأسماكه، لا أحد باستطاعته أن يجرد المعارضة من حقها في الاحتجاج، بل إن ذلك دورها الطبيعي في الأنظمة الديمقراطية، ومن حق النقابات والأحزاب الغاضبة أن تختار الشكل الذي يناسبها للتعبير عن رفضها لسياسة الحكومة، وبإمكانها طبعا أن تخرج إلى الشارع بالكوفيات والكاسكيطات وقناني المياه متى أرادت، بشرط واحد: أن يكون خطابها مقنعا وسمعتها طيبة، وإلا فستجد نفسها في استعراض ساخر يجعل من يراها يردد المقولة الفرنسية: «لحسن الحظ أن السخافة لا تقتل أحدا»!. في ثقافتنا المغربية، قبل أن تحمل المكنسة وتقصد بيت الجيران، يجدر بك أن «تشطب باب دارك» أولا، والحال أن التنظيمات التي قادت احتجاجات الأحد تحتاج إلى أن «تشطب» الدار وباب الدار والغرف والحمام والحيطان والسقف الذي عششت فيه العناكب وكل أنواع الطحالب والطفيليات، إلى درجة بات من الصعب عليك معها أن تدخل إلى بعض المقرات دون أن تصاب بالحساسية. ولا يسع المراقب إلا يتساءل كيف تتجرأ هيئات سياسية على انتقاد التدبير الحكومي وهي لم تستطع أن تدبر أمورها الداخلية؟ عندما يكون شغلك هو نش الذباب، ومصداقيتك في الحضيض، وتخرج إلى الشارع كي تندد بمن يشتغلون، يصبح وضعك مثل الأحمق الذي يصرخ دون أن يلتفت إليه أحد. وأعتقد أن مشكلة البلاد الحقيقية اليوم ليست في الحكومة بل في المعارضة. الحكومة خرجت من صناديق الاقتراع، وسيأتي أوان تقديم الحساب أمام الناخبين، ويمكن أن نقول ما شئنا عن حزب «العدالة والتنمية»، أن نختلف مع مرجعياته أو نتحفظ عن تاريخه، لكن لا أحد يستطيع أن يجادل في كونه الحزب الأفضل تنظيميا في البلاد، وأنه استطاع أن يجدد هياكله ونخبه بسلاسة، ونجح في تدبير خلافاته الداخلية مرسيا دعائم ديمقراطية لم تستطع أن تصل إليها الأحزاب الأخرى التي صارت نسخا باهتة لبعضها البعض، بما فيها ما كان يعرف ب«الأحزاب الوطنية»، وعلى رأسها «الاستقلال» و«الاتحاد الاشتراكي» و«التقدم والاشتراكية»، التي أصبحت مجرد أرقام صغيرة في المعادلة السياسية، بعد أن جردتها سنوات السلطة من قوتها التنظيمية واستنفدت رصيدها من المصداقية بسرعة قياسية، ودخلت في «حروب أهلية» لم تضع أوزارها بعد. أما «الأصالة والمعاصرة»، رغم انسحاب فؤاد عالي الهمة ومحاولة تحويله إلى حزب كباقي الأحزاب، فإنه يحتاج كثيرا من الوقت لإقناع المغاربة بأنه ليس مجرد امتداد للنظام «المخزني»، لو افترضنا أنه فطم فعلا عن الرضاعة المخزنية. الكلام نفسه ينطبق على النقابات المرتبطة بهاته الأحزاب، التي نخرتها البيروقراطية والصراعات الداخلية والتهافت على الغنائم؛ بل حتى الصحافة الموالية، بشكل أو بآخر، لهذه «المعارضة» لا تزيد الموقف إلا سخرية حين تلجأ إلى التلفيق ونشر أخبار و«بورتريهات» كاذبة، هدفها النيل من وزراء «العدالة والتنمية»، ما يؤدي إلى نتيجة عكسية، حيث يتعاطف الناس مع الوزير الذي يحوله الصحافي الغبي ببراعة إلى «ضحية» ! أن تعارض في النظام الديمقراطي هي أن تبلور برنامجا سياسيا متكاملا، وتنتقد ثغرات الأداء الحكومي بالحجج والأرقام، في البرلمان وفي النقاش العمومي، وعندما يكون بديلك السياسي دامغا وخطابك مقنعا وصوتك واضحا والحكومة صماء، حينها فقط يمكن أن تلجأ إلى الشارع كي تضغط من أجل التغيير، لا أن تغط في سبات عميق ثم تستيقظ فجأة وتقرر النزول إلى الشارع ل»إسقاط الحكومة» التي لم تستطع الوصول إلى حقائبها لأنك خسرت الانتخابات، كما فعل «مناضلو يوم الأحد».