في روايته الجديدة الموسومة ب "محتال باهر"، يرسم كبير مصطفى عمي، بورتريها قاتما لرجل بلا ضمير، شخصية تطوع مجريات التاريخ والأحداث لفائدة مصلحتها الشخصية، تراكم الخيانات وتغيير الولاءات،عبر تاريخ الجزائر المستعمرة وإلى حدود سنوات 1990، خدمة لأهدافها الانتهازية ولوصوليتها. إن الرواية الصادرة ضمن منشورات "ميركور دو فرانس" والمكونة من 250 صفحة، قراءة لتاريخ الجزائر الفرنسية والجزائر المستقلة، وتأمل في منعطفات هذا التاريخ وآثارها. وكبير مصطف عمي باحث وكاتب من مواليد مدينة تازة المغربية في 1952، أبوه جزائري ووالدته مغربية. وهو مستقر الآن في فرنسا منذ حوالي ثلاثين سنة، في ضاحية باريس بالضبط، ومدرس للغة الإنجليزية، و"محتال باهر" هو مؤلفة السابع. يسرد الكاتب في روايته الأخيرة مغامرات "شر"، وانتقاء اسم الشخصية الرئيسية هذا ليس اعتباطيا، وهو انتهازي فظيع يستغل المجتمع ببشاعة. ويروي الكتاب الوقائع والأحداث ومسار "شر" بنفَس ملحمي، ابتداء من ولادة هذا الأخير في الجبل الجزائري، سنة 1932، إلى ما بعد استقلال البلاد واحتلال بطلها كرسيا في دواليب الحكومة. في استهلال الرواية، ينطلق الحكي على لسان سارد يبدو أن هويته الملغزة توحي بعلاقة قرابة محتملة بينه وبين الشخصية المحورية السلبية، بل وإلى إرادة مبيتة لدى الأول للانتقام. في هذا الاستهلال على لسان السارد الشاب، يدفع شخص بخشونة شابا ذات مساء في الطريق العام، شخص كان الشاب يعتقده متوفى. من يكون هذا الشخص إذن، هذا المدعو "شر"؟ ستسمح رسالة احتفظت بها والدة الشاب-السارد، بعناية في المغرب، منذ انتحار زوجها، له برسم للملامح الحقيقية للبطل السلبي، لمن يستحق بامتياز لقب "محتال باهر". وإذا كانت الفصول اللاحقة للاستهلال مسرودة بلسان "شر"، فإنه يروي في طياتها طفولته البئيسة في الجزائر المستعمرة، وفراره من البلد عقب جريمة قتل، ليتحول إلى مغامر ومرتزق. مراهقا، سيكون "شر" شاهدا على مأساة والده الذي انخرط أولا في صفوف الجيش الفرنسي خلال الحرب العالمية الثانية، قبل الانتماء لخندق المطالبة باستقلال الجزائر، والإصابة بإعاقة وتشوه جسديين كبيرين أثناء مجزرة سطيف في 8 ماي 1945. حين سيهجر "شر" بلده في مرحلة الشباب، سيكون قلبه وضميره قد دمرا، ليصبح بدون شعور ولا أحاسيس، مغيرا المواقف والمواقع وفق ما تقضي به تطورات الأحداث ومجريات التاريخ، وما تفرضه عليه انتهازيته الجارفة، متحولا إلى شخصية كلبية بكل ما تعنيه الكلمة. حياة "شر" حينها عبارة عن مسلسل كل حلقة من حلقاته مناسبة لتغيير الولاء، مسلسل تتوالى في رحمه مغامرات لا تنتهي، لذا سنصادفه في بقاع مختلفة من العالم، متنقلا من أوربا إلى أمريكا اللاتينية، ومن الأخيرة إلى آسيا حيث سيضع جبة المرتزقة. وفي سنة 1954، سيعود "شر" إلى وطنه، فهل سترافق التوبة هذه العودة؟ أجل، ذاك ما سيحصل، لكن الأمر لن يدوم طويلا، لأن موقفه هذا مجرد ملاءمة ظرفية لنزوعاته الوصولية مع اللحظة. سينحت "شر" بنفسه أسطورته كبطل وطني في هذه الحقبة، إذ سيصبح قائدا لكتيبة من الثوار. لكن مرحلة الانخراط في خندق الأخيار لن تعمر طويلا، لينقلب صاحبنا رأسا على عقب في موقفه، وتقوده كلبيته إلى حد الانتماء لمنظمة الجيش السري المتطرفة والمدافعة حد الإرهاب على أطروحة الجزائر الفرنسية، مكلفا في إطارها بالكشف عن مخابئ "الفلوس"، أي المجاهدين الجزائريين حسب تسمية الجنود الفرنسيين المحتقرة للمقاومين أيامها، ويقترف مجازر جماعية ضدهم. وعقب مرحلة الدفاع أولا عن الاستقلال، وثانيا عن "الجزائر الفرنسية"، سيستشعر "شر" أن الرياح صارت تهب في اتجاه تخلي فرنسا عن مستعمرتها، فينقلب من جديد، بل ويتلو خطاب الاحتفاء بالاستقلال، هو الرجل الأمي. وتتعرض الرواية، عقب ذلك وعلى "شر" دائما، لتطورات جزائر الاستقلال إلى حدود سنوات. "كنت أمتلك كل الأوراق الرابحة لإخضاع التاريخ لإرادتي"، يقول "شر"، قبل أن يواصل الحكي عن دواليب السلطة في الجزائر المستقلة، وتصفية كل من يؤمن بروايات مختلفة للتاريخ. وبالمقابل، ولرسم معالم "شر" في جميع أبعادها، بل ولفضحها بشكل مطلق، تحضر شخصية "خير" في الرواية، صديق وأخ البطل السلبي الذي رافق اللحظات المفصلية في حياته، والذي لن يتردد الثاني في خيانته. "شر" الذي يرويه كبير مصطفى عمي بطل بدون أدنى مجد، أسطورة مفتعلة يفضحها الروائي علما أن تاريخ العرب يعج بمثيلاتها، فضح جديد للاحتيال على التاريخ والناس والذاكرة الذي يحترفه الكثيرين موظفين إياه كأصل تجاري، فضح يضاف إلى تيمة توصيف مدارج الاحتيال التي سبق لعمي تناولها في روايات سابقة.