خبراء وباحثون يؤكدون على أهمية قانون المالية لسنة 2025 في النهوض بالاستثمارات العمومية وتمويل المشاريع المهيكلة    القاهرة... المغرب يؤكد على ضرورة إيجاد حل عادل للقضية الفلسطينية    بعد سنتين من الغياب.. جمال بن صديق يعود ويفوز بالضربة القاضية    المقاتل المغربي جمال بن الصديق ينتصر بالضربة القاضية في روتردام ويعد بالمزيد في منافسات الغلوري    الميلودي موخاريق يقود الاتحاد المغربي للشغل لولاية رابعة    توقيف ثلاثة أشخاص بتمارة لنشرهم محتويات عنيفة على مواقع التواصل الاجتماعي وتهديد أمن المواطنين    فقدان الشهية.. اضطراب خطير وتأثيره على الإدراك العاطفي    القوات المسلحة الملكية تساهم في تقييم قدرات الدفاع والأمن بجمهورية إفريقيا الوسطى    رضا بلحيان يظهر لأول مرة مع لاتسيو في الدوري الإيطالي    سبيس إكس تطلق 22 قمرا جديدا من طراز "ستارلينك" إلى الفضاء    الصين تطلق قمرا صناعيا جديدا    طقس الأحد: أجواء باردة مع صقيع بعدد من المناطق    توقيف فرنسي مبحوث عنه دولياً متورط في التهريب الدولي للمخدرات وتبييض الأموال    عرض 117 شخصاً "للنصب" و"الاحتيال".. توقيف شخص اوهم ضحاياه بتسجيلهم في لائحة للحصول على للعمل في الفلاحة بأوروبا    أخنوش يدشن الجناح المغربي بالمعرض الدولي للفلاحة بباريس    القصة الكاملة لخيانة كيليان مبابي لإبراهيم دياز … !    حادثة سير مروعة بطنجة تودي بحياة فتاتين وإصابة شابين    الشاذر سعد سرحان يكتب "دفتر الأسماء" لمشاهير الشعراء بمداد الإباء    إصابة عنصر من القوات المساعدة بحروق خطيرة في حريق سوق بني مكادة بطنجة    المغرب يعود إلى الساعة القانونية    افتتاح أخنوش رفقة ماكرون للمعرض الدولي للفلاحة بباريس يشعل غضب الجزائر    تذكير للمغاربة: العودة إلى الساعة القانونية    الأسير الإسرائيلي الذي قَبّل رأس مقاتلين من "القسام" من أٌصول مغربية (فيديو)    التحولات الهيكلية في المغرب.. تأملات في نماذج التنمية والقضايا الاجتماعية الترابية" محور أشغال الندوة الدولية الثانية    فيروس غامض شبيه ب"كورونا" ينتشر في المغرب ويثير مخاوف المواطنين    مقتل شخص وإصابة عناصر شرطة في "عمل إرهابي إسلامي" في فرنسا    التعادل يحسم مباراة آسفي والفتح    الجيش والرجاء يستعدان ل"الكلاسيكو"    اختتام رالي "باندا تروفي الصحراء" بعد مغامرة استثنائية في المغرب    منتخب أقل من 17 سنة يهزم زامبيا    في أول ظهور لها بعد سنة من الغياب.. دنيا بطمة تعانق نجلتيها    انطلاق مبادرة "الحوت بثمن معقول" لتخفيض أسعار السمك في رمضان    الملك محمد السادس يهنئ العاهل السعودي    أخنوش يتباحث بباريس مع الوزير الأول الفرنسي    تجار سوق بني مكادة يواجهون خسائر كبيرة بعد حريق مدمر    السينما المغربية تتألق في مهرجان دبلن السينمائي الدولي 2025    مسؤول أمني بلجيكي: المغرب طور خبرة فريدة ومميزة في مكافحة الإرهاب    الرئيس الفرنسي يعرب عن "بالغ سعادته وفخره" باستضافة المغرب كضيف شرف في معرض الفلاحة بباريس    عجز الميزانية قارب 7 ملايير درهم خلال يناير 2025    "البيجيدي" مستاء من قرار الباشا بمنع لقاء تواصلي للحزب بالرشيدية    التخلص من الذباب بالكافيين يجذب اهتمام باحثين يابانيين    مشروع قرار أمريكي من 65 كلمة فقط في الأمم المتحدة يدعو لإنهاء الحرب في أوكرانيا دون الإشارة لوحدة أراضيها    رئيسة المؤسسة البرازيلية للبحث الزراعي: تعاون المغرب والبرازيل "واعد" لتعزيز الأمن الغذائي    في حضور أخنوش والرئيس الفرنسي.. المغرب ضيف شرف في المعرض الدولي للفلاحة بباريس    بين العربية والأمازيغية: سعيدة شرف تقدم 'الواد الواد' بحلة جديدة    استثمار "بوينغ" يتسع في المغرب    السحب تحبط تعامد أشعة الشمس على وجه رمسيس الثاني    متابعة الرابور "حليوة" في حالة سراح    رمضان 2025.. كم ساعة سيصوم المغاربة هذا العام؟    رفع الستار عن فعاليات الدورة الثالثة من مهرجان روح الثقافات بالصويرة    المؤتمر الوطني للعربية ينتقد "الجائحة اللغوية" ويتشبث ب"اللسانَين الأم"    حوار مع "شات جيبيتي".. هل الأندلس الحقيقية موجودة في أمريكا؟    الحصبة.. مراقبة أكثر من 9 ملايين دفتر صحي وتخوفات من ارتفاع الحالات    على بعد أيام قليلة عن انتهاء الشوط الثاني من الحملة الاستدراكية للتلقيح تراجع نسبي للحصبة وتسجيل 3365 حالة إصابة و 6 وفيات خلال الأسبوع الفارط    اللجنة الملكية للحج تتخذ هذا القرار بخصوص الموسم الجديد    أزيد من 6 ملاين سنتيم.. وزارة الأوقاف تكشف التكلفة الرسمية للحج    الأمير رحيم الحسيني يتولى الإمامة الإسماعيلية الخمسين بعد وفاة والده: ماذا تعرف عن "طائفة الحشاشين" وجذورها؟    التصوف المغربي.. دلالة الرمز والفعل    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



هل انتهى عهد الفرويدية؟ .. التحليل النفسي ما بعد سيغموند فرويد

خصصت مجلة «لوبوان» الفرنسية عدد شهري شتنبر وأكتوبر 2013 لموضوع التحليل النفسي ما بعد فرويد، تضمّن، فضْلا عن دراسات نظريّة وتحليلات فاحصة، عددا من النصوص لكبار المحلّلين النفسانيين أمثال أوطو رانك، كارل غوستاف يونغ، ميلاني كلايْن، دونالدْ وينيكوتْ، جونْ بويْلبي، جاك لاكان، كارل روجرز الخ؟.
خصصت مجلة «لوبوان» الفرنسية عدد شهري شتنبر وأكتوبر 2013 لموضوع التحليل النفسي ما بعد فرويد، تضمّن، فضْلا عن دراسات نظريّة وتحليلات فاحصة، عددا من النصوص لكبار المحلّلين النفسانيين أمثال أوطو رانك، كارل غوستاف يونغ، ميلاني كلايْن، دونالدْ وينيكوتْ، جونْ بويْلبي، جاك لاكان، كارل روجرز الخ؟.
ويتّضح من خلال الأسماء المُساهمة في هذا العدد الخاصّ أنها تتوزّع إلى ثلاثة أقسام: قسْم يضمّ نصوص فرويد نفسه وتلامذته، قسم ثان مخصص للامتدادات المضيفة والمجددة للتحليل النفسي لمرحلة ما بعد فرويْد، وقسم ثالث تمّ إفراده لخصوم فرويد ولمعارضيه، لأولئك الذين رأوا الامتدادات الفرويدية الحقيقيّة هي السير في اتجاهات أخرى، تنطلق أحيانا من البعد الاجتماعيّ، وأحيانا أخرى من البعد التاريخي، أو من إيجاد مسارب أخرى لنفس المفاهيم .
تلامذة فرويد وخصومه
وفي جميع هذه الحالات، فإنّ العنصر الأهمّ في هذه الدراسات والنصوص هي نوعيّة الأسئلة والقضايا الجديدة التي تطرحها المساهمات، وهي كلها تتعلق بما تعرفه العلائق الاجتماعية والنفسية والعاطفية والذهنية من مستجدات مرتبطة بالتطور العام في مجتمعات اليوم. وكلّها تكشفُ حقيقة أنّ النظريات العلمية الحقيقية لا يمكن نعتها بالمغلوطة والخاطئة، بقدر ما ينبغي نعتها بالقابلة للدحض والتفنيد Réfutable. ومن ثم إذن يزخر العدد بأسئلة ملحّة يطرحها التحليل النفسي اليوم من قبيل:
- كيف يشتغل ذهننا وفكرنا؟
- هل عواطفنا وانفعالاتنا ذات جدوى بالقياس إلى أجسامنا ؟
- هل اللاشعور الذي حدده فرويدْ هو نفسه الّذي يتحدث عنها علماء الأعصاب وعلماء الأحياء؟
- هل ثمّة وجود حقيقيّ لعقدة أوديب؟
- هل يحتاج الطفل إلى أن يقال له «دودو»؟
- لماذا أصبح التأمل الفكري والروحي عن طريق الوعي الكلي هو العلاج الجديد اليوم؟
هذه الأسئلة وأخرى غيرها حاولت النّصوص الكبرى والأساسيّة التي نشرتْها مجلة «لوبوانْ» الفرنسيّة الإجابة عليها على لسان وَرَثة سيغْموند فرويد، بلْ وحتى على لسان خصومه.
لكن، ماذا يبيّن لنا هؤلاء جميعهم؟ يبيّنون أنّ اكتشاف العامل النفسي لم يتوقّف عند عالمنا الكبير فرويد، بلْ إنّ العكس هو الحاصل تماما: ذلك أنّ الأمْر يتعلّق في الحقيقة بورْش كبير ومتواصل ساهم فيه، كلّ بطريقته، كبار المنظّرين والمُمارسين في حقل التّحليل النفسي وعلم الأعصاب وعلماء الأحياء. مع هؤلاء، تمّت مراجعة أو تدقيق بل وحتى تفنيد مفاهيم ومصطلحات فرويدية مشهورة من قبيل: عقدة أوديب، الليبيدو، النرجسية الخ. وفي جميع الأحوال، فإن الممارسين، وهم يُنصتون إلى مرضاهم وإلى أنفسهم حاولوا فهْم الطريقة التي يعملُ بها الجهاز البشريّ بكلّ مكوّناته البيولوجية وأبعاده النفسية والذهنية، منذ الكشوفات الهائلة التي أنجزها سيغموند فرويد.
راهنية فرويد
لقد توفيّ فرويد (الذي ازداد سنة 1856 ) سنة 1939، وها نحن اليوم، كما تقول كاثرين غوليو في مقدمة هذا العدد، في الألفية الثالثة، في سنة 2013، وما يزال العظيم فرويد حيّا يرزق. لقد عاد فرويد، مؤسس علم النفس الحديث، وليس فقط في المجال النظري، بلْ من خلال امتداداته التطبيقية التي عملت في واقع الأمر على إضفاء الكثير من النسبية على بعض مفاهيمه ومصطلحاته وتحليلاته. كما يعود بقوة عبر المبادرات العالميّة التي تضمّ، في مختلف أرجاء العالم، علماء وأخصائيّين من علم الأعصاب والتحليل النفسي. وقد تشكّلت، من جانب آخر، الكثير من الاتحادات والشّبكات، وهي التي باتتْ تُعرف باسم «الجمعية الدولية للأعصاب والتحليل النفسي»، وتعقد هذه الجمعيّة مؤتمرا سنويّا، ولها نشراتها أيضا مثل نشرة «علم نفس الأعصاب التحليلي» . كما يشارك فيها الكثير من الباحثين والعلماء. يقول كاندلْ، في هذا السياق، بأن هؤلاء العلماء يؤسسون في الحقيقة «إطارا فكريا جديدا للطبّ النفسي». والمهم في هذا الإطار الفكري الجديد، هو أنّ نظريات فرويد تلعب فيه حول التنظيم الذهني والعقلي نفس الدّور الذي كانت قد لعبته أفكار داروين مثلا في نظرية التطوّر. وبعبارة أخرى، فإنّ نظريات فرويد وتحليلاته ستكون هي الإطار العام الذي تلتقي حوله التفاصيل في هذا التحالف العلمي الجديد الذي يؤكّد، خلافا لما كان قدْ قيل في مناسبات عدّة، بأن فرويد لا يمكن تجاوزه ولا يمكن التخلّص من حباله المفاهيمية الرائدة. وفي الوقت نفسه يقوم الاختصاصيّون في علوم الأعصاب بالكشف عن أدلّة لبعض نظريات فرويد والكشف عن الميكانيزمات الثاوية والمحرّكة وراء العمليات العقلية التي وصفها.
وبعبارة أخرى، تبقى الفرويدية مدرسة واتجاها سيكولوجيا متفرّدا من حيث المداخل لفهم الإنسان، وعلى مستوى فنيات هذه المدرسة في الممارسة الميدانية، وأيضا من حيث إثارتها للمتعة العقلية دوما .
لقد تعرّضت الفرويدية لاحقا على يديْ فرويد نفسه أوّلا، إلى التعديل، تعديل ببعض المفاهيم ذات الصّلة باللاشعور أو العقل الباطن وبالتحليل النفسي والعلاج النفسي، وأصبح هناك نوعان من الأفكار التي تُنسب إلى فرويد: أفكاره القديمة المبكرة وأفكاره المتأخرة عن اللاشعور. ولاحقا الانقسامات التي ظهرت على أيدي مجموعة من علماء التحليل النفسي، والذين خالفوه وعارضوا وجهات نظره في اللاّشعور وفي التحليل النفسي وفي حجم تأثير العوامل البيولوجية والدافع الجنسي في تشكيل سلوك الفرد، وكذلك اختلفوا معه في تفسير الكثير من القضايا ذات الطابع السيكو-فلسفي، كالدين والحضارة والعادات والتقاليد والثقافة وغيرها. ومن مجموع أفكار هؤلاء نشأ مايسمى « بمدرسة التحليل النفسي الجديدة « أو « اليسار الفرويدي» بتعبير كاثرين غوليو. وأبرز هؤلاء : ألفرد أدلر، وكارل يونع، وكرن هورني وإريك فروم وغيرهم.
يضاف إلى ذلك مبالغة فرويد أيضا في تقدير المُيُول الجنسية، والليبيدو، وإطالة الحديث عن تأثير هذه الميول في سلوك الأنسان وعن المراحل التي يمر بها نمو الغريزة الجنسية وما يرتبط بها من ميول, ونظرته الى هذه الميول على أنها قوى مسيطرة على الجانب الأكبر من اللاشعور.مع العلم أن فرويد تناول هذا الجانب بمعناه في التحليل النفسي والذي يقوم في الحقيقة على الجانب الوجداني في الغريزة الجنسية وليْس التناسلي فقط في تعليل المرَض وأهمّية الخبرات الطفلية. إلا أنّ الاتجاهات التي ظهرتْ لاحقا من داخل الفرويدية حاولت إعادة تفسير الخطاب الفرويدي بهذا الخصوص محاولة وضع الفرْد ضمن المنظومة الاجتماعية والتاريخية، وتعتبر محاولة الطبيب والمحلل النفسي الفرنسي جان لاكان (19811901) من المحاولات التي مهّدت السبيل لإيجاد الصلة بين الماركسية والتحليل النفسي، حيث اعتبر لاكان أن النفس البشرية، إلى حد كبير، نتاجا لمنظومة أو تركيبة اجتماعية وحضارية وتاريخية تمارس تأثيرها من خلال الأعراف التي تحملها اللغة إلى الطفل أثناء نموّه وتحدد شخصيته لاحقا. ولكن الكثير من هذه التقاليد والمعتقدات،حسب لاكان ينتقل إلى ذهن الشخص دون وعي. علما أن لاكان لم يكنْ ماركسيّا، بل كان مؤسس وإصلاحي مدرسة التحليل النفسي الفرنسية,وكان يقود حلقات تعليمية منذ عام 1951 وقد استمرت الى 29 عاما تحت عنوان « العوْدة إلى الفرويْدية»، إلا أنه وضع ثقْلا خاصا حول دوْر اللغة ورمزيّتها في عمليات التحليل النفسيّ.
تحيل فكرة التحليل النفسي بالطبع إلى مكتشف قارة اللاشعور سيغموند فرويد، ومن الطبيعي أنْ يرتبط جاك لاكان بفرويد ارتباطاً وثيقاً، فقد قاربت أطروحة لاكان لشهادة الدكتوراه «البارانويا» وأصابت حينها حظاً كبيراً من اهتمام المفكرين والمثقفين على حد سواء، ومثلما هو معلوم فإن فرويد تعامل مع البارانويا باهتمام كبير. كما أن لاكان سعى في إحدى أبرز إسهاماته العلمية المعنونة ب «مرحلة المرآة»، والتي ألقاها في المؤتمر السنوي للاتحاد العالمي للتحليل النفسي عام 1936 إلى الإجابة عن سؤال سبق لفرويد أن أثاره في بحثه الشهير عن النرجسية. وبالإمكان تبين قوة تلك الوشيجة التي جمعت ما بين الاثنين عند النظر إلى التطابق في مُيولهما الفلسفية، ذاك أن لاكان كما هو شأن فرويد أقبل على قراءة المؤلفات الفلسفية، بل إنه حرص على حضور دروس أستاذ الفلسفة كوجيفْ حول الفيلسوف الألماني هيجل والتي أثارت حينذاك اهتمام كثير من المثقفين.
ولئن أسهم فرويد في تحليل العقل وجعل من ذلك العامل الأساس في نشاطه، فإنّ لاكان حاول تبيان أن العقل إنما هو مكشوف على الاغتراب، والتثبيت، والذاتية المطلقة، إذ سيقوم لاحقاً في بحوثه بشرح الطريقة التي تكون فيها مصطلحات كالواقع، والعقلانية، والموضوعية مجرد تهويمات يتمثل عملها الأساس في كونها تبعث على الطمأنينة. وفي الحقيقة، فإن ذلك الإسهام الذي اجترحه لاكان قد جعله جزءاً أساسياً من التيار البنيوي. كان الخطاب الفلسفي الدارج تحليلاً للوعي، في حين أن خطاب لاكان كان يروم تحليل العقل الباطن، ولكن بما أن أي تحليل نظري لا بد وأن يتم القيام به في عالم الواقع فلا مندوحة من أن يغدو أي نقاش حول العقل الباطن شكلياً. واستطراداً، فإن خريطة لاكان للعقل الباطن بنيوية، فهي من شأنها أن توضح لنا الكيفية التي وفقاً لها تتشكل بنى العقل الباطن، والكيفية التي يعمل بها، وكذلك الطريقة التي تتمظهر فيها في المراحل الأربعة للحياة الواعية، بحسب لاكان، الرمزية، المتخيلة، الحقيقية، العرضية. وقد يثار اعتراض على أن التركيبة البنيوية التي يقترحها لاكان لا تحوي أي معنى ضمني إلا أن ذلك في الواقع ليس دقيقاً حينما يدرك المرء بأن البنى نفسها هي المعنى الضمني.
ورثة فرويد: يونغ، أدلر، كلايْن
وفضلا عن جاك لا كانْ، نقرأ في العدد نفسه لأسماء باتت مشهورة في حقل التحليل النفسي: منها كارل يونغ، وهو من أوائل طلبة فرويد، والذي أسّس مدرسة معروفة اليوم باسم «علم النفس التحليلي». وقد استخدم مصطلح اللبيدو ولم يقصد به فقط تلك الطاقة الجنسية، بل طاقة الدوافع الكلية النفسية. ومن ثمّ صار اللاشعور يتكوّن من قسميْن: اللاشعور الفرديّ نتيجة لخبرة الفرد الكلية والكبت، واللاشعور الجمعي، وهو مخزن لخبرة البشر العرقي. ففي اللاشعور الجمعي توجد صور بدائية شائعة والصور البدائية هي أنماط أوّلية للفكر تميل لتشخيص العمليات الطبيعية بلغة أسطورية ميتافزيقية المفاهيم كالخير والشر والأرواح الشريرة، والآباء مصدر للنموذج الأصلي. عندما تتجه الليبيدو واهتمامات الفرد العامة إلى الخارج نحو الناس وموضوعات العالم الخارجي يسمى انبساطيا وعندما يتمركز اللبيدو والاهتمام نحو الذات نسميه انطوائيا. والمهم هو أنّ يونغ رفض التمييز الذي قام به فرويد بين الأنا والأنا الأعلى وعرف الجزئان على أنهما في الشخصية مشابه للأنا للأعلى، وسماها القناع حيث يتألف القناع مما يظهر الشخص للآخرين على عكس حقيقة ما هي وهو دور الفرد الذي يختار والانطباع الذي يريد الفرد تأثيره في العالم.
عالم آخر هو ألفرد آدلر، وهو أيضا من طلبة فرويد، واختلف معه ومع يونغ بالتأكيد على أنّ القوة الدافعة في حياة الإنسان هي الشعور بالنقص، والتي تبدأ حالما يبدأ الطفل بفهم وجود الناس الآخرين والذين عندهم قدرة أحسن منه للعناية بأنفسهم والتكيف مع بيئتهم. ومن اللحظة التي ينشأ فيها الشعور بالنقص، يشرع الطفل في المقاومة للتغلب عليها، ولأنّ النقص لا يحتمل الآليات التعويضية، فإنه تنشأ من النفس وتؤدي لظهور اتجاهات عصابية أنانية وإفراط تعويض وانسحاب من العالم الواقعي ومشاكله. لقد أبرز أدلر الضغط الخاص على الشعور بالنقص، ويظهر من اعتباره على ثلاث علاقات أساسية: القائمة بين الفرد والعمل الأصدقاء والمحبوبين، تفادي مشاعر النقص في هذه العلاقات تقود الفرد لتبني هدف الحياة غير الواقعي ويتكرر التعبير عنه بإرادة غير عاقلة للقوة والسيطرة، وتقود إلى كل نوع من السلوك الضد اجتماعي من الاستبداد والتفاخر إلى الطغيان السياسي، من ثم آمن أدلر بأن التحليل النفسي والشعور بالجماعة يرعى الإنسان السليم عقليا.
تلميذ آخر لفرويد هو أوطو رانك الذي قدم نظرية جديد في العُصاب،ونسب كل الاضطرابات العصابية إلى الصدمة الأساسية للميلاد في كتاباته الأخير وصف النموّ الفردي، كتقدم من التبعية الكاملة للام والعائلة إلى الاستقلال المادي مصاحب بالاستقلال الفكري من المجتمع وأخيرا التحير الكامل فكريا ونفسيا، رانك بين الأهمية الكبرى للإرادة وعرفها كمرشد ايجابي يمنع ويتحكم في الدوافع.
أسماء ومدارس تحليلية أخرى قدمت تعديلات تحليلية نفسية لا حقة جاءت من المحللين الأمريكيين إريك فروم وكارين هورني وهاري سوليفان. فنظريات فروم، تؤكد خصوصا على مفهوم المجتمع والفرد باعتبار أنهما غير منفصلين وأنهما قوى متعارضة، كما أن طبيعة المجتمع تتحدد من خلال الخلفية التاريخية، وحاجات ورغبات الأفراد كثيرا ما تتشكل من قبل المجتمع.
اسم آخر هو ميلاني كلاين المدرّسة التي عمل معها معظم أتباعها في بريطانيا. ولذلك عرفت بالمدرسة الإنجليزية. وقد امتد تأثيرها ليشمل أوروبا وجنوب أمريكا. نظرياتها الرئيسة اشتقت من ملاحظاتها المتعلقة بالتحليل النفسي للأطفال. وقد افترضت كلاين وجود أوهام لاشعورية معقدة في الأطفال ما قبل سنّ ستّة شهور، ومصدر القلق هو غريزة الموت ويظهر لذلك نوعان من الاتجاهات العقلية موقف اكتئابي وموقف شكّيّ أو جنون عظمة. وفي موقف جنون العظمة، هناك دفاعات الأنا تتألف من تخيّل وإسقاط موضوعات داخلية خطرة إلى بعض الأشياء الخارجية والتي تعالج كتهديدات حقيقية من العالم الخارجي. وفي الموقف الاكتئابي الموضوعات المهددة تغرس وتعالج في الأوهام كحاجز نفسي قوي الأعراض الاكتئابية والوسواسية كنتيجة. مع أن الشك معتبر موجود مثل عقدة لاشعورية وهمية تعمل في نفس الطفل.
ففي نهاية القرن التاسع عشر، استطاعتْ عبقرية فرويد أن تبيّن بأنّ الأحلام والأخطاء المتكررة باستمرار تنمّ على أنّ هناك مكانا، حالة تتجاوز «الشعور»، وهي التي أطلق عليها اسم «اللاشعور». وفوق هذه القارة الجديدة رفع فرويد علمه العلمي الجديد. والأهمّ اليوم هو أنّه، بعد كلّ هذه التحليلات، لا يمكن القوْل البتّة بأنّ سيغْموندْ فرويد تمّ تجاوزه أوْ لم يُتجاوز لأنّ الحقيقة هي أنّ الورْش الكبير الذي دشّنه، ذلك أنّ الطفل الذي أوْجده فرويد، قد عرف آخرون كيف يصاحبون خطواته ويطوّرونه


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.