يوم بيوم وأخيرا خلق الإنسان ما هو أذكى منه! نور الدين مفتاح نشر في 13 فبراير 2025 الساعة 12 و 35 دقيقة وقد قال لوران ألكسندر في بلاطو قناة «LCI» إن فرنسا تحتاج العمل لمدة 30 سنة ليل نهار للحاق بالولاياتالمتحدةالأمريكية، وبالطبع هذا مستحيل. ونفس الباحث سخر بداية الأسبوع من الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون الذي ينظم هذا الشهر مؤتمرا عالميا حول الذكاء الاصطناعي بخصوص التقنين والتنظيم والأخلاقيات، وهو ما يعتبره مراقبون أوروبيون موضوعا عقيما، لأنه حسبهم لا يمكن لمن لا ينتج أن يقنن فهو دائما سيكون مفعولا به بدل أن يكون فاعلا. إن الذكاء الاصطناعي يتطور بشكل رهيب، ومن يتابع الخبراء سيصاب حقا بالفزع، لأن هذه الروبوتات تكسب كل يوم نقاطا إضافية في مستوى الذكاء، وستصبح في نهاية 2025 أذكى من أكثر أذكياء العالم. نور الدين مفتاح [email protected]
وكأننا في سباق ماراطون يشارك فيه تقريبا 200 متسابق (عدد دول العالم)، وفي لحظةٍ هرب متسابقان اثنان على الكوكبة، ودارا عليها أكثر من دورة، ويستحيل أن يلحق الباقون في هذه المنافسة التي هي اليوم محسومة وربما إلى الأبد.
أتحدث عن الولاياتالمتحدةالأمريكيةوالصين، وعن ثورة الذكاء الاصطناعي المذهلة، وهي ثورة غير مسبوقة بكل ما في الكلمة من معنى، ولا علاقة لها لا بالثورة الزراعية التي أخرجت البشرية من البدائية، ولا بالثورة الصناعية الأولى التي خلقت المعامل والقطارات، ولا بالثورة الصناعية الثانية التي جاءت بالسيارات والطائرات والكهرباء والهاتف. وهذا، كما يقول الطبيب والباحث الفرنسي لوران ألكسندر، غيّر بشكل جذري البنية التحتية للنقل والطاقة، ولكن الثورة التكنولوجية التي ترتكز على تقنيات علوم الإدراك والمعرفة والتكنولوجيا الحيوية والتي يوجد الذكاء الاصطناعي في قلبها، ستحدث تغييرا حاسماً في الحياة نفسها، وسيتحول الإنسان من «كائن بيولوجي بحت إلى مهندس للحياة ذاتها».
والذكاء الاصطناعي الذي أصبح تطبيقا متاحا من خلال «شات جي. بي. تي» الأمريكية منذ 2022 هو أداة لا تتيح المعطيات للباحث عنها فقط، بل تستطيع أن تتحاور وتركب الأفكار وتقترح المواضيع وتكتب المقالات والدراسات والبحوث وأطروحات الدكتوراه، وتقوم بتشخيص الأمراض، وتحلل أسهم البورصات، وغير هذا كثير. والأكثر إثارة للإعجاب هو أن تطبيقك عندما يستأنس بك يصبح متعودا عليك ويعرف طريقة تفكيرك وأسلوبك ويحاكيك حتى يقدم نسخة أحسن منك وأجود وأكثر ذكاء. واليوم أتاحت «شات جي. بي. تي» نسخة مطورة «GPT – 4o» في نفس الوقت الذي أطلقت فيه الصين، أمام ذهول عمالقة التكنولوجيا بوادي السليكون بكاليفورنيا تطبيقها الجديد «ديب سيك» DeepSeek الذي زعزع البورصة الأمريكية الأسبوع الماضي، بحيث فقدت شركة الرقائق الإلكترونية الخاصة بالذكاء الاصطناعي «إينفيديا» في يوم واحد ما قيمته 600 مليار دولار!!
والغريب أن التطبيق الصيني لصاحبه الشاب ليانغ وينفغ لم يكلف سوى 6 ملايين دولار، في حين أن النسخة الأخيرة من «شات جي.بي.تي» لشركة «أوبن إي آي» الأمريكية كلفت 100 مليون دولار.
نفهم هنا أن الحرب الباردة للخوارزميات والبيانات الضخمة قد بدأت، ولكنها حرب بين منتصرين اثنين في مجال تظل دول متقدمة نفسها فاغرة فاها أمامه لا تدري ما يجري. ولعل المتابع للإعلام الفرنسي سيلاحظ الأسى والأسف المخيمين على أوروبا، وهي تجد نفسها خارج هذه الثورة، مستهلكة فقط، وتابعة، ومتفرجة على الحرب الأمريكيةالصينية في مجال سيتحكم في مستقبل الأجيال وفي الحضارة الإنسانية.
وقد قال لوران ألكسندر في بلاطو قناة «LCI» إن فرنسا تحتاج العمل لمدة 30 سنة ليل نهار للحاق بالولاياتالمتحدةالأمريكية، وبالطبع هذا مستحيل. ونفس الباحث سخر بداية الأسبوع من الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون الذي ينظم هذا الشهر مؤتمرا عالميا حول الذكاء الاصطناعي بخصوص التقنين والتنظيم والأخلاقيات، وهو ما يعتبره مراقبون أوروبيون موضوعا عقيما، لأنه حسبهم لا يمكن لمن لا ينتج أن يقنن فهو دائما سيكون مفعولا به بدل أن يكون فاعلا. إن الذكاء الاصطناعي يتطور بشكل رهيب، ومن يتابع الخبراء سيصاب حقا بالفزع، لأن هذه الروبوتات تكسب كل يوم نقاطا إضافية في مستوى الذكاء، وستصبح في نهاية 2025 أذكى من أكثر أذكياء العالم.
لقد ظل الإنسان عبر العصور يطور أدوات أقوى منه لاستعمالها، من المطرقة الأقوى من قبضة اليد إلى المركبات الأسرع من سرعة الصوت، ولكنه لم يكن بصدد تطوير شيء أشد ذكاء منه في التعامل مع كل التعقيدات الفكرية والرياضية والعلمية بصفة عامة، كما هو الشأن مع الذكاء الاصطناعي.
والمشكل أن القادم سيكون مشابها لما كنا نشاهده في أفلام الخيال العلمي كسلسلة «ماتريكس» بحيث إن أكبر ملياردير في العالم إيلون ماسك يعمل على إنتاج مليار «روبو» ذكي ابتداء من الآن، ويطور من خلال شركته Neuralink شرائح معرفية لزرعها في أدمغة الأطفال لتعفيهم من سنوات من تحصيل المعلومات في المدارس، وقد صرح بأنه سيزرع هذه الشرائح أولا لأبنائه. لم يعد ماسك مجرد مستثمر في القطاع الخاص، بل إنه أصبح عمليا ثاني رجل في حكومة الولاياتالمتحدةالأمريكية بجانب الرئيس دونالد ترامب، حيث إن الذكاء الاصطناعي أصبح بشكل أو بآخر سياسة رسمية لواشنطن.
نعود للباحث لوران ألكسندر صاحب كتاب «حرب الذكاء» الذي أكد وهو الطبيب أن تشخيص مرض السرطان اليوم مثلا بالذكاء الاصطناعي وحده أحسن بستة عشرة في المائة من تشخيصه بنفس الذكاء مع وجود طبيب! والذكاء الاصطناعي نفسه عندما سألناه يقول إنه منذ 2023 يستطيع تشخيص أمراض القلب بدقة تصل إلى 90% مقارنة ب 70% للأطباء البشر. وهنا يطرح المشكل الجوهري والأساسي عن مصير المدرسة أو جدوى التعليم الممأسس. وفي نظر ألكسندر أن المدرسة لا يجب أن تبقى فضاء لتلقين المعارف، بل يجب أن تتحول إلى وسيلة تجعل نفس الطبيب الذي نقصت جودة تشخيص المرض بوجوده ب 16٪ قادراً مع الذكاء الاصطناعي أن يعطي تشخيصا يفوق ما يستطيعه الذكاء الاصطناعي وحده، وقس على ذلك في المجالات الأخرى.
وكالعادة يفرض سؤال ال «نحن» نفسه في المغرب ودول الجنوب عموما، وكما سيستنتج كل قارئ لبيب، فإننا غير معنيين لحد الآن بهذا الموضوع، ومن باب الخيال العلمي تصور دخولنا في سباق الإنتاج ما دام أننا في مجالات العلوم مازلنا بعيدين بعقود عن أوروبا البعيدة بعقود عن الولاياتالمتحدةالأمريكية.
وبالتالي نحن متفرجون وربما نكون مستهلكين طموحين لأن نستهلك بشكل جيد، لأن هذا الذكاء الاصطناعي يتيح إمكانيات هائلة لمن تعوّد على السرقات الأدبية والغش والكسل والتزوير، وقد انتقل من «الفايك نيوز» إلى «الديب فايك»، بحيث يمكن اختلاق فيديوهات مماثلة تماما لك في أي وضعية نشاء ونجعلك فيها تقول ما نريد. هنا ستصبح المشكلة في البلدان التي تعاني من شبه انهيار قيمي وتثاؤب تكنولوجي هي تطوير الأمن السيبراني ليتحول إلى أمن الذكاء الاصطناعي. أما المدرسة، فما دام أننا لم نستطع أن نكون في مستوى المدارس التقليدية الموجودة في أوروبا لمدة عقود، وما نزال نجترّ أزمة التعليم، فإن هذا الذكاء الاصطناعي قد يحل مشكلتنا إذا أصبح إيلون ماسك يبيع شرائح الذكاء في السوق العالمية، فبدل أن نصرف ميزانيات على آلاف البنايات وعشرات الآلاف من الأطر التربوية، يكفي أن نشتري ملايين الشرائح الذكية كل سنة ونزرعها لأبنائنا، وحتى في هذا السيناريو سنجد في 2050 أو 2060 أننا بدل أن نتكلم عن الفوارق المجالية والاجتماعية سنتحدث عن العدالة الذكائية!
هي مزحة بطعم المرارة لأننا مازلنا ندبر مشاكل بدائية كمحاربة الأمية، فهل ننجح على الأقل في أننا «نستهلكو بلا ما نتهلكو»؟.