صنّف المنتدى الاقتصادي العالمي بسويسرا "دافوس" في تقريره السنوي الأخير الذي نشرته عدة صحف ومواقع إعلامية، الجزائر ضمن أسوء البلدان التي يمكن أن تعيش فيها النساء، بالنظر إلى المعاملة السيئة التي تلقاها المرأة في المجتمع والتهميش الذي يطالها في مختلف مناحي الحياة الاجتماعية والسياسية. وتأتي الجزائر، حسب التقرير الذي أنجز بتعاون مع المؤسستين الإعلاميتين الأمريكيتين "يو آس نيوز" و"ورلد ريبورت"، في مرتبة متساوية مع باكستان المعروفة بتشددها في التعامل مع النساء وتضييق الحريات، فيما احتلت الدنمارك المرتبة الأولى متبوعة بالسويد ثم كندا. وجاءت رواندا (الاستثناء الإفريقي الوحيد) في المرتبة السابعة بعد الاختراقات التي حققتها المرأة في المجالات السياسية والاجتماعية. وتتعرض نساء الجزائر سنويا إلى التعنيف بما يناهز 7 آلاف حالة استنادا إلى إحصائيات رسمية لمصالح الأمن الجزائري، ناهيك عن كثير من التمييز في وصولها إلى مناصب قيادية سواء في المؤسسات الخاصة أو العمومية وحتى في التمثيل السياسي، حيث الكثير من الأحزاب السياسية لازالت تقصي المرأة من الترشح على قوائمها. التقرير الذي صنّف الجزائر في الذيل تناول المساواة بين الجنسين والدخل والسلامة في أوطانهم، وشمل استقراء رأي نحو عشرة آلاف امرأة حول العالم. وقد أفردت له الصحافة الجزائرية، في سعي منها لتكسير جدار الصمت المحيط بهذه الظاهرة، تحاليل عدة تتفق جميعها على أن العنف العائلي أصبح يأخذ أبعادا كارثية بالجزائر، كما أنه لا يعرف تفريقا بين الأوساط الغنية والفقيرة وحتى المثقفة. ويرصد تقرير المنتدى الاقتصادي العالمي الممارسات الذكورية القاسية على المرأة بدءا من العنف الجسدي كالضرب والبصق والتعذيب، إلى ما هو أشد وطأة كالعنف اللفظي والعاطفي والنفسي الذي أصبح متفشيا في السنوات الأخيرة في الأوساط الجزائرية، حتى إن آخر التقارير الجزائرية الخاصة بالعنف العائلي تقر، هي الأخرى، بأن ما لا يقل عن 7 آلاف من نساء الجزائر يتعرضن سنويا للتعنيف النفسي والجسدي على يد أزواجهن وأن 8 % منهن يلاقين حتفهن نتيجة ذلك. وتظهر معظم الدراسات التي أنجزت بهذا الشأن أن العنف النفسي يبقى السلاح المفضل للرجل، بالرغم من أن العنف الجسدي الممارس على النساء زاد سنة 2014 بنسبة 13 في المئة. ويتجلى العنف النفسي الذكوري في الكثير من سمات التجريح والإذلال والاتهامات الباطلة، وكذا السعي إلى استهداف المرأة في كيانها الأنثوي بشكل يفقدها توازنها المعنوي ويجعلها كائنا خنوعا منعزلا يتعايش مع الإهانة كجزء من قدرها المحتوم. وتوضح الدراسة أن اثنتين من بين عشر نساء فقط ممن يمارس عليهن هذا النوع من العنف، يخترن الطلاق بينما تتأقلم الأخريات مع سلطة الزوج دونما لجوء إلى مراكز الشرطة أو جمعيات حقوقية. ويُظهر تقرير لمركز منع العنف المنزلي والعائلي بالجزائر، بأن العنف العائلي تسبب سنة 2014 في مقتل 198 شخصا من بينهم 179 امرأة، أي بمعدل نحو قتيلة في كل يومين. وتلقت السلطات الأمنية الجزائرية سنة 2014 نحو ألفي شكاية من نساء تعرضن للعنف، وذلك بواسطة الرقم 2223 التي أحدثته جمعية الدفاع عن النساء المعنفات منذ سنة 2010 لتقديم العون والمشورة لضحايا العنف الذكوري المتزايد بوثيرة تستلزم التعامل معه اليوم كجريمة يعاقب عليها القانون بغض النظر عن تقدم الطرف المتضرر بشكوى أو عدمه. ويأسف تقرير المنتدى الاقتصادي العالمي لكون واقع حقوق المرأة في الجزائر هو بحاجة إلى أكثر من مراجعة حيث"الاختراقات" التشريعية والدستورية التي تحققت حتى اليوم بعد نضال عمره نصف قرن أو يزيد، لم ترق لمستوى تطلعات المرأة في العيش بكيفية متساوية في الحقوق السياسية والاجتماعية مع الرجل. فبعد مرور خمسين سنة من الكفاح، لم يحدث تغيّر كبير في حياتهن، حيث تمثيلهن علي المستوى الانتخابي وعلى مستوى مواقع السلطة ما زال متدنيا، فيما ارتفع إسهامهن في مجال رعاية الأطفال والواجبات المنزلية، ليكرسن بذلك صورة الجزائر في عمقها المحافظ المبني على سيادة التقاليد الذكورية. وإلى اليوم لم تتخلص الجزائر من النموذج السائد في الخمسينات، وهو نموذج الرجل المعيل لأسرته، فيما النساء مسئولات عن المهام المنزلية. وبالرغم من أن الأمور قد تغيرت نسبيا خلال خمسين عاما، لكن النساء مازلن في وضع متأخر جدا بالنسبة للرجال في كل مناحي الحياة السياسية والاقتصادية. وقد أثنى تقرير المنتدى الاقتصادي العالمي على المكانة المتميزة التي حققتها المرأة الرواندية بعد نضال وتعبئة قويين طيلة عقد كامل تمكنت خلاله من فرض نفسها رقما صعبا في المعادلة السياسية للبلاد وفاعلا في التنمية الاقتصادية والاجتماعية، مما جعلها تحصد 51 من بين 80 مقعدا في البرلمان. وجاء هذا التقدم الذي شمل إلى جانب المجال السياسي الجوانب الاجتماعية والاقتصادية، خلال أحلك الفترات التي شهدتها رواندا وهي الإبادة الجماعية لسنة 1994 حيث اغتصبت خلالها نحو 500 ألف امرأة، وفقدت أكثر من 400 ألف أخريات أزواجهن وفقا لأرقام الأممالمتحدة. ولم تطح هذه الأحداث ببذور الأمل في الحصول على وضع أفضل بالنسبة للمرأة الرواندية التي تمكنت من تجاوز مخلفات هذه الصفحة القاتمة من تاريخها المعاصر، وخلقت من ضعفها قوة اكتسحت بها الحياة السياسية والاقتصادية في البلاد.