أعاد حادث وفاة ثلاث سيدات فرنسيات الأسبوع الماضي بمدينتي مونبيليي ونانسي (جنوب ووسط فرنسا) على يد أزوأجهن، إلى الواجهة ظاهرة العنف المنزلي المتفشية بفرنسا، كما تسبب في شرخ جدار الصمت المحيط بهذه الظاهرة التي أفردت لها الصحافة عدة دراسات تتفق جميعها على أن العنف العائلي الذي أصبح يأخذ أبعادا كارثية بفرنسا، لا يعرف تفريقا بين الدول النامية أو المتقدمة، ولا يميز أيضا بين الأوساط الغنية والمثقفة ونظيراتها الفقيرة والكادحة. وترصد دراسة نشرتها جريدة "لوباريسيان" في عددها الأخير، الممارسات الذكورية القاسية على المرأة بدءا من العنف الجسدي كالضرب والبصق والتعذيب، إلى ما هو أشد وطأة كالعنف اللفظي والعاطفي والنفسي الذي أصبح متفشيا في السنوات الأخيرة في الأوساط الغربية هي الأخرى، حتى إن آخر تقرير للأمم المتحدة الخاص بالعنف العائلي يقر بأن ما لا يقل عن 500 مليون من نساء العالم يتعرضن سنويا للتعنيف النفسي والجسدي على يد أزواجهن وأن 8 % منهن يلاقين حتفهن نتيجة ذلك. وتظهر الدراسة التي استقت شهادات من مختلف الفئات الاجتماعية، أن العنف النفسي يبقى السلاح المفضل للرجل، بالرغم من أن العنف الجسدي الممارس على النساء زاد سنة 2014 بنسبة 13 في المئة، مما يفند الكثير من المزاعم القائلة إن المجتمعات المتحضرة تحرم على نفسها التعنيف مهما كانت دوافعه. ويتجلى العنف النفسي الذكوري في الكثير من سمات التجريح والإذلال والاتهامات الباطلة، وكذا السعي إلى استهداف المرأة في كيانها الأنثوي بشكل يفقدها توازنها المعنوي ويجعلها كائنا خنوعا منعزلا يتعايش مع الإهانة كجزء من قدرها المحتوم. وتوضح الدراسة أن اثنتين من بين عشر نساء فقط ممن يمارس عليهن هذا النوع من العنف، يخترن الطلاق بينما تتأقلم الأخريات مع سلطة الزوج دونما لجوء إلى مراكز الشرطة أو جمعيات حقوقية. وتفيد الأرقام التي أوردها مركز منع العنف المنزلي والعائلي بباريس، بأن العنف العائلي تسبب سنة 2014 في مقتل 334 شخصا من بينهم 298 امرأة، أي بمعدل نحو قتيلة في كل يوم. ومنذ بداية العام الحالي، قتلت 180 من النساء في منازلهن على يد زوج حالي أو سابق، كما تلقى ملجأ "ليسكال النسائي" حوالي 2000 مكالمة هاتفية سنة 2014 من نساء تعرضن للعنف، وذلك بواسطة الرقم 3919 التي أحدثته جمعية الدفاع عن النساء المعنفات منذ 1994 بتنسيق مع وزارة الأسرة، لتقديم العون والمشورة لضحايا العنف الذكوري المتزايد بوثيرة تستلزم التعامل معه اليوم كجريمة يعاقب عليها القانون بغض النظر عن تقدم الطرف المتضرر بشكوى أو عدمه. وتدعو الجمعيات النسائية المنضويات تحت لواء "الفيدرالية الوطنية للتضامن مع المعنفات"، إلى التعجيل بوضع القانون العائلي الجديد موضع التنفيذ. ومن بين بنود هذا القانون، منح الشرطة صلاحيات أوسع لمحاربة ظاهرة العنف العائلي. فحتى الآن كانت قوات الأمن تجد نفسها مكبلة في حال اعتداء الرجل على المرأة بسبب نصوص قانونية قديمة تتعامل مع العنف المنزلي باعتباره شأنا خاصا، ويشترط أن تتقدم الضحية بشكوى رسمية للسماح بتدخل السلطات العمومية. غير أن خوف المرأة من شريكها أو اعتمادها عليه اقتصاديا عادة ما يمنعها من التقدم بشكوى ضده. وينص القانون الجديد على اعتبار ظاهرة العنف المنزلي جريمة تستوجب العقاب، وليست شأنا عائليا خاصا كما كانت في السابق. ويعني هذا عمليا أن قوات الشرطة التي تتلقى آلاف المكالمات بحالة عنف عائلية سنويا، لن تقف منتظرة تقدم المرأة بالشكوى، بل ستتدخل على الفور لإلقاء القبض على الجاني كما ينص على ذلك القانون الجديد. ولا تخرج النساء المغربيات في دنيا الاغتراب عن قاعدة العنف الرجالي الذي يظل ملفوفا بكتمان شديد ناجم في معظم الأحيان عن النزعة الكبريائية للمرأة وخجلها من أن تكون موضع سخرية مجتمعية، أو ربما تجنبا لقرارات زجرية على غرار الطلاق. وثمة شريحة واسعة منهن غير متعلمات، خاضعات لسلطة الرجل وغير مدركات لحقوقهن. وتعيش هذه الشريحة في عزلة تامة عن محيطها الاجتماعي بعد أن تكونت لديها القناعة بأن دورها لا يتجاوز حدود تقديم الرعاية لعائلاتها والقيام بالأعمال اليومية للأسرة. والعنف اليومي الذي يطالها في بلد المهجر، هو اليوم راقد في رماده ينتظر طفرة من جمعيات أنثوية مغربية في المهجر، تغذيها في يوم قريب أحداث فاضحة لهذا الواقع المغمور. وفي انتظار أن تخرج النساء المعنفات عن صمتهن، وأن تبادر الجمعيات والمجالس المغربية في الخارج إلى اقتحام وعاء المحرمات من زواياه المختلفة، يبقى العنف الذكوري آخذ في التأصل دون زجر أو عقاب في بلد المساواة والحرية.