تشكل علامات الترقيم في اللغة العربية ضرورة أساسية، فهي عبارة عن رموز اصطلاحية توضع بين الجمل والفقرات لتوضيح المعنى للقارئ، لاستيعاب ترتيب الأفكار وارتباطها بعضها ببعض، كما ترسم حدود الجمل لتمييز القول ولتعيين مواقع الفصل والوقف والابتداء، والنبرات الصوتية والأغراض الكلامية وما يناسبه من تعجب أو استفهام، فتنظم الكتابة والقراءة بشكل صحيح ومفيد. والصحافة المكتوبة كغيرها من المجالات التي تستخدم اللغة العربية، تعرف قصورا في هذا المستوى، فالمطلع على الأخبار والمقالات المنشورة في صحفنا الورقية، يلاحظ بالإضافة الى الركاكة في التعبير، واستخدام بعض العبارات الجاهزة والنزوح عن قواعد النحو والصرف، غياب علامات الترقيم أو وضعها في غير المكان المخصص لها. وسنحاول في هذا المقال، أن نذكّر ببعض علامات الترقيم والقواعد الخاصة بها مع تقديم بعض الأمثلة على ذلك. والبداية مع الفاصلة (،) التي تدخل في خانة الوقف، وتأتي ملتصقة بالكلمة التي تسبقها مباشرة بدون احداث فراغ، وتستخدم بين الجمل المتصلة المعنى، على سبيل المثال: أكَّد وزير الصحة الحسين الوردي، أنّ وزارته أعدت خطة وطنية للعمل على تفادي مضاعفات الإجهاض غير المأمون والسري، في إطار الإعداد لمشروع قانون لتعديل فصول قانون الإجهاض في المغرب. كما تستخدم بين أقسام الشيء الواحد، مثال ذلك: ويهدف هذا الاجتماع الدولي الذي تحتضنه اليونيسكو، إلى إطلاق شبكة منظمات شبابية تعمل على نشر ثقافة السلام في افريقيا، عبر مبادرات ترسخ الحوار، والتسامح، والإدماج الاجتماعي وبين الشرط والجزاء، وبين القسم والجواب إذا طالت جملة الشرط أو القسم، وبعد لفظ المنادى المتصل، وقبل الجملة الحالية، وبعد كلمات التعجب في بداية الجملة، وقبل ألفاظ البدل وبعدها، وبين الكلمات المتضادة. والفاصلة المنقوطة (؛) وتدخل ضمن خانة الوقف الكافي، وتكون بسكوت القارئ سكوتا يجوز معه التنفس، وتستخدم إذا كان ما بعدها سببا لما قبلها، مثال ذلك وهكذا سارت المؤسسات التعليمية على هذا النهج؛ لأنه الأقرب الى الواقع، أو إذا كان ما بعدها نتيجة لما قبلها مثل: المقاولة لم تخطط بشكل جيد لمشروع بناء أزيد من 500 سكن اقتصادي؛ فكان مصيره الفشل. كما تستخدم بين جمل طويلة يتألف من مجموعها كلام تام الفائدة، فيكون الغرض من وضعها إمكان التنفس بين الجمل، وتجنب الخلط بينها بسبب تباعدها. والنقطة (.) وتسمى بالوقف التام، وتوضع في نهاية كل جملة مستقلة عما بعدها في المعنى والإعراب، مثل: أكد وزير الفلاحة والصيد البحري عزيز أخنوش، أن القطاع الفلاحي يعد أحد القطاعات المعنية أكثر بالتنمية المستدامة، ومن هنا جاء اختيار هذا الموضوع المحوري، شعارا للمعرض الدولي الخامس للفلاحة بالمغرب. وعلامة الاستفهام (؟) وتوضع بعد الجملة الاستفهامية سواء كانت أداة الاستفهام مذكورة في الجملة أم محذوفة، على سبيل المثال، هل المغاربة مستعدون للاستحقاقات الانتخابية المقبلة ؟ والقوسان ( ) ويوضع بينهما الجمل والألفاظ التي ليست من الأركان الأساسية للكلام، بغرض الايضاح أو التفسير أو التحديد، بالإضافة الى الأرقام التي تقع في وسط الكلام والألفاظ الأجنبية، مثال ذلك: تراجع سعر الذهب الاسود (البترول) بنسبة ستين بالمائة منذ منتصف يونيو بسبب ازدهار الانتاج الاميركي. وعلامة التنصيص ( « » )، ولها مواضع كثيرة منها، أنها توضع بين العبارات المقتبسة بنصها من كلام الآخرين مثل: واعتبر وزير الخارجية صلاح الدين مزوار أن «مستقبل إسبانيا يوجد في الجنوب»، كما توضع بينهم عناوين المجلات والصحف مثال ذلك: ذكرت «صحيفة لوفيغارو الفرنسية» اليوم الخميس، أن زيارة وزير الشؤون الخارجية الفرنسي لوران فابيوس للمغرب، تروم تعزيز العلاقات الثنائية بين البلدين. كما تستخدم مع الألفاظ العامية غير العربية والتسميات التي يريد الكاتب اجتذاب الانتباه اليها، أو التي يتحفظ من استخدامها. والشرطتان (--) وتأتي بينهما الجملة المعترضة التي إذا حذفت لا يتأثر المعنى، ثم النقطتان الرأسيتان (:) وتسميان علامة التوضيح أو التفسير أو البيان، وتستخدمان بعد القول أو ما هو في معناه أو بين الشيء وأنواعه، أو بين الكلام المجمل والكلام الذي يتلوه موضحا له. وتتجلى أهمية علامات الترقيم كما جاء في كتاب « الترقيم وعلاماته في اللغة العربية» لصاحبه أحمد زكي، في أنها لا تقتصر على بيان مواضع الوقف أو السكوت التي ينبغي للقارئ مراعاتها، ولكنها خير وسيلة لإظهار الصراحة وبيان الوضوح في الكلام المكتوب، ففكرة الكاتب لا يتأتى الوصول إلى إدراكها بجميع تفاصيلها إلا عند بلوغ نهاية ذلك الكلام. وليس من مصلحة الكاتب أن يتعب ذهن أو بصر القارئ الذي يطلع على مادته، فتضيع الفائدة المقصودة كلها أو بعضها، لذلك فمن الواجب عليه أن يلفت نظره في كثير من المواضع بعلامات تحمله على الوقوف قليلا أو السكوت طويلا، وذلك بأن يعرض عليه فكرته العامة مفصلة ومقسمة، بحيث يأتي له تفهم أجزائها واحدا فواحد، بصرف النظر عن العلاقة العامة التي تربط هذه الأجزاء كلها، بعضها ببعض. وبهذا تصبح الجملة، باعتبار الترقيم، عبارة عن سلسلة من الكلمات يدل مجموعها على جزء من أجزاء تلك الفكرة العامة التي سبقت الاشارة اليها، بحيث إن هذه السلسلة تؤدي إلى فهم معنى مستقل بنفسه وكامل في حد ذاته. فهذا الموضع هو الذي يجب وضع النقطة عقبه، للفصل بين كل جملة وما يليها من أخواتها، حتى يصح القول بأن الكاتب أراد الدلالة بهذه الوسيلة على أنه قد فرغ من عرض فكرته الجزئية وأنه يطلب من القارئ أن يقف قليلا عند هذا الموضع ليعلق بذهنه ما وقع عليه بصره. فالإكثار أو الاقلال من وضع هذه العلامات يكون بحسب ما ترمي اليه نفس الكاتب من الأغراض،. وكما يختلف الناس في أساليب الإنشاء، وتختلف مواضع الدلالات كما هو مقرر في علم المعاني، فكذلك الشأن في وضع هذه العلامات. ولذلك على الصحافي أو الكاتب أن يلم بقواعد اللغة العربية، وما تتضمنه في باب علامات الترقيم، التي تعد أساسية ولاغنى عنها في أي نص كيفما كان نوعه وكيفما كانت لغته، حتى ينتج نصا أو مقالا متكاملا ومستوفيا لشروط وقواعد الكتابة و صالحا للقراءة والنشر.