"لقد عانت المرأة على مر عدة عصور من أوضاع مزرية كبلت إرادتها وحدت من حريتها وقيدت دورها في الحياة، حتى أنها لم تكن تملك أحيانا سوى ما قد يجود به الرجل عليها، لكن إصرارها على تحقيق مطالبها في الحرية والمساواة، دفع التشريعات الدولية إلى أخد مطالبها بعين الإعتبار، وذلك عبر مسار طويل من النضال الحقوقي والسياسي كانت المرأة تحصل من خلاله في كل مرة على مكتسبات جديدة توجت بالإتفاقيات الدولية لحقوق الإنسان وفي مقدمتها اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد النساء، موازاة مع ذلك عملت أغلب الدول على تضمين قوانينها ما يضمن للمرأة حقوقها انسجاما مع الإتفاقيات الدولية المذكورة التي صادقت عليها" هذا ما كانت قد أدلت به إحدى المناضلات الحقوقيات. وانسجاما مع ذلك وبمناسبة اليوم العالمي للمرأة المؤرخ في 8 مارس من كل سنة، لا بأس من أن نسلط الضوء في هذا المقال على أهم الإتفاقيات والمواثيق الدولية التي صادق عليها المغرب بهذا الخصوص، مخصصين حيزا مهما كذلك لمدى إستجابة المشرع المغربي لهذه الإتفاقيات من خلال قوانينه الوضعية، ونقصد هنا الدستور المغربي لسنة 2011 ومدونة الأسرة المؤرخة في 2004 والقانون الجنائي.
من خلال الإعلانات والمواثيق الدولية:
إن مواثيق حقوق الإنسان الأساسية عززت حقوق المرأة لاسيما في الشرعية الدولية لحقوق الإنسان التي تضمنت ثلاثة صكوك:
* الإعلان العالمي لحقوق الإنسان
* العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية
* العهد الدولي الخاص بالحقوق الإقتصادية والإجتماعية والثقافية
ومن أهم المبادئ التي ضمنت مبدأ المساواة بين الرجل والمرأة وضمان تمتع الجميع بالحقوق ما ورد في ديباجة ميثاق منظمة الأممالمتحدة والذي يستفاد منه على أن شعوب الأممالمتحدة تؤكد من جديد إيمانها بالحقوق الأساسية للإنسان وبكرامة الفرد وقدره وبما للرجال والنساء والأمم كبيرها وصغيرها من حقوق متساوية.
ونصت المادة الثانية من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان على أنه "لكل إنسان حق التمتع بكافة الحقوق والحريات الواردة في الإعلان دون أي تمييز كالتمييز بسبب العنصر أو اللون أو الجنس أو اللغة أو الدين أو الرأي السياسي أو أي رأي أخر أو الأصل الوطني أو الإجتماعي أو الثروة أو الميلاد أو أي وضع أخر دون أية تفرقة بين الرجال والنساء"
أما فيما يخص العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية نجد المادة الثالثة منه على سبيل المثال نصت على "تتعهد الدول الأطراف في هذا العهد بكفالة تساوي الرجال والنساء في حق التمتع بجميع الحقوق المدنية والسياسية المنصوص عليها في هذا العهد" ونصت المادة 23 في فقرتها الرابعة على أنه "تتخذ الدول الأطراف في هذا العهد التدابير المناسبة لكفالة تساوي حقوق الزوجين وواجباتهما لدى التزوج وخلال قيام الزواج ولدى انحلاله، وفي حالة الانحلال يتوجب اتخاذ تدابير لكفالة الحماية الضرورية للأولاد في حالة وجودهم"
وبعد عام واحد من صدور العهدين الدوليين، حققت حركة حقوق المرأة خطوة أساسية في مسيرة إقرار حقوق المرأة، وتمثلت هذه الخطوة بإعلان القضاء على التمييز ضد المرأة الذي صدر عن الجمعية العامة لمنظمة الأممالمتحدة بالرقم 2263 (7 نونبر 1967)، ولكن بطبيعة الحال لم يكن للإعلان القوة القانونية الملزمة، إنما على الرغم من ذلك فقد شكل وثيقة مهمة لفتت إنتباه الدول إلى قضية التمييز ضد النساء، ومهد هذا الإعلان الطريق إلى صدور اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة فيما بعد سنة 1979م.
من خلال دستور 2011:
استمر المغرب في تجديد التزامه بالتعاون مع الأممالمتحدة في مجال حقوق الإنسان تعبيرا عن الإختيار الديمقراطي الوطني للبلاد، واقتناعا منه في دخول المسلسل الإصلاحي العميق والشامل الذي رسخ دعائمه الدستور الجديد، وبهذا تكون المملكة
المغربية من ضمن الدول التي تسعى جاهدة للإنخراط داخل منظومة المجتمع الدولي وفق المبادئ الحقوقية الكونية التي لا تتعارض مع قيمها الجوهرية المبنية على الدين الإسلامي.
ولعل ما يقوم به المغرب من جهود متتالية للنهوض بأوضاع النساء على الخصوص، يؤكد عزم المغرب ووفاءه بإلتزاماته الدولية. فقد شكل الدستور الأخير للمملكة المغربية المؤرخ سنة 2011 خطوة كبيرة في اتجاه تعزيز حقوق المرأة في جميع المجالات، وقد أصبح من نافلة القول أن دستور 2011 شكل منعطفا تاريخيا ليس فيما يتعلق فقط بفتح أفاق جديدة في مسلسل التغيير الديمقراطي، بل أيضا في تسليط الضوء أكثر على الملفات الإجتماعية الشائكة ومن بينها ملف النهوض بحقوق الإنسان عموما وبقضايا النساء خصوصا.
وإذا ما حللنا لغة الوثيقة الدستورية نجد على أنها ولأول مرة استحضرت مقاربة النوع من خلال الحديث في غير ما موضع عن المواطنات والمواطنين معا كمكونين أساسيين وفاعلين مهمين في المشروع المجتمعي المغربي وما الفصلين 14 و 15 من دستور 2011 إلا تأكيدا على ذلك.
وقد جاء الفصل 19 من الدستور المذكور أعلاه ليؤطر المساواة من خلال تنصيصه على "الرجل والمرأة يتمتعان على قدم المساواة بالحقوق والحريات المدنية والسياسية والإقتصادية والإجتماعية والثقافية والبيئية الواردة في هذا الباب من الدستور..."
من خلال مدونة الأسرة:
شكلت المستجدات الواردة في مدونة الأسرة سنة 2004 مقارنة بالمقتضيات الواردة في مدونة الأحوال الشخصية السابقة لخدمة المرأة والطفل قفزة نوعية ومهمة في تاريخ المرأة النضالي للظفر بحقوقها والتمتع بها على أكمل وجه سيما فيما يتعلق بمؤسسة الزواج التي كانت تعرف في ظل مدونة الأحوال الشخصية إشكالات جمة.
ومن مظاهر المساواة بين الرجل والمرأة في مدونة الأسرة نجد:
* المساواة في رعاية الأسرة.
* المساواة في سن الزواج وهو 18 سنة شمسية كاملة (بدل 15 سنة للفتاة و 18 سنة للفتى سابقا).
* جعل الولاية في الزواج حقا للمرأة تمارسه الرشيدة حسب اختيارها ومصلحتها.
* تقييد إمكانية التعدد بشروط صارمة تكاد أن تجعله شبه مستحيل.
* إقرار جواز الإتفاق بين الزوج والزوجة على إيجاد إطار لتنظيم تدبير واستثمار أموالها المكتسبة خلال فترة الزواج.
* إثبات نسب الأطفال المولودين أثناء فترة الخطبة.
* توسيع حق المرأة في الحضانة.
من خلال القانون الجنائي:
نص الفصل 486 من القانون الجنائي الذي يجرم الإغتصاب ويعاقب عليه بالسجن من 5 إلى 10 سنوات أما إذا كان سن المجني عليها أقل من 18 سنة أو كانت عاجزة أو معاقة أو معروفة بضعف قواها العقلية أو حاملا فإن الجاني يعاقب بالسجن من 10 إلى 20 سنة.
الفصل 503-1 والذي يجرم التحرش الجنسي في الفضاءات العمومية أو من قبل زميل المرأة في العمل، عاقب مرتكبيه بالحبس من سنة إلى سنتين وبغرامة من 5000 درهم إلى 50000 درهم.
بناءا على كل ما سلف ذكره يتضح أن المنظومة الحقوقية الكونية عامة والقوانين المغربية خاصة كلها ذهبت إلى تمتيع المرأة بجملة من الحقوق والمكتسبات التي ظلت إلى حين الأمس القريب مجرد سراب.
وفيما يلي ثلة من أهم النساء المغربيات اللواتي حققن نجاحات في مجالات مختلفة:
* فاطمة الفهرية: مؤسسة أول جامعة بالعالم (جامعة القرويين)
* جميلة لعماري: مديرة الموارد البشرية بوزارة التعليم العالي وتكوين الأطر والبحث العلمي، وأستاذة التعليم العالي بكلية الحقوق بطنجة، ورئيسة شعبة القانون الخاص(سابقا) بكلية الحقوق طنجة، ورئيسة مركز محيط للدراسات والأبحاث وعضو بالمكتب التنفيذي للمركز الوطني للمصاحبة القانونية وحقوق الإنسان.
* مليكة الصروخ: عميد كلية الحقوق بطنجة سابقا وأستاذة التعليم العالي بنفس الكلية.
* مريم بنصالح شقرون: رئيسة الإتحاد العام لمقاولات المغرب.
* سلوى الفهري: أول قاضية في العالم العربي تولت كرسي القضاء في المحاكم الإدارية
* حسناء خولالي: أول امرأة مغربية وعربية توجت بالجائزة الأولى في المسابقة العالمية لتجويد القرأن الكريم بمالزيا.
* نوال المتوكل: أول امرأة في العالم العربي والإسلامي فازت بالميذالية الذهبية في الألعاب الأولمبية بلوس أنجلوس سنة 1984.
* مريم شديد: أول امرأة في العالم العربي والإسلامي وصلت إلى القطب الجنوبي المتجمد.
* ثرية شاوي: أول من حصلت على شهادة الطيران في العالم العربي سنة 1951.
* بشرى الأندلوسي: أول ربانة قادت طائرة في العالم العربي.
* سعيدة العابد: أول من قادت قطار في العالم العربي.