في تحليل للهجمات على باريس يعتقد جيل كيبل الجامعي المتخصص في الإسلام والعالم العربي المعاصر أن هجمات باريس ربما تم تنظيمها من قبل الفرع الفرنسي للدولة الإسلامية. – لوفيغارو: هل تسجل هذه الهجمات تحولا في أساليب وأهداف تنظيم الدولة الإسلامية؟ ** جيل كيبيل: تنظيم الدولة الإسلامية لا يزال يحاول ترويع السكان، وتقسيمهم وتهيئة ظروف حرب أهلية من شأنها، وفقا لتطلعات التنظيم، تدمير أوروبا، والغرب، وانتصار الجهاديين. ومع ذلك، فإن الهجمات الأخيرة تختلف عن تلك التي تمت في يناير والتي استهدفت فئات محددة: «الإسلاموفوبيون» بالنسبة لصحيفة شارلي إبدو، و«المرتد» في شخص الشرطي تعيس الحظ أحمد مرابط والزبناء اليهود لمتجر «إيبر كاشير». النتيجة «إيجابية» بالنسبة لداعش: رغم المظاهرة الموحدة والوطنية في حادي عشر يناير فقد ظهر بعض الانشقاق من خلال حمل لافتات تقول «أنا لست شارلي». وهذا الرفض للتمثل مع الضحايا والتواجد ضمن الوحدة الوطنية سمح لداعش بمواصلة محاولة تجميع أشقائها في الدين خلف رايتها وتحويل شباب فرنسي غير راض عن واقعه ودون آفاق مستقبلية إلى «جنود جهاد». – لوفيغارو: لكن ألم تكن هذه المحاولة لإيجاد ركن داخل الوفاق الوطني وإغراء جزء من الشباب المرشح للمغامرة الجهادية حاضرة دوما؟ ** جيل كيبيل: هذه الإرادة كانت دوما موجودة طبعا، لكن الهجمات العمياء يمكن أن تنتهي بنتيجة أخرى. فيوم الجمعة تم المساس بفئة غير محددة شابة، في حي من أحياء باريس المختلطة، حيث توجد فئة «البورجوازين» وكذا أبناء الهجرة ما بعد الكولونيالية. وبالنسبة للفئة الأخيرة فهي نفسها الفئة التي تحلم داعش، في استيهاماتها، بجرها خلفها. لكن في حين حظت هجمات «شارلي إبدو» ومتجر اللحوم اليهوي باستحسان وآلاف علامات «إعجاب» على فايس بوك، إلا أنه ومنذ الجمعة تبدو مواقع التواصل الاجتماعي هادئة من هذه الناحية. باستثناء بعض المواقع السلفية التي عبرت عن فرحتها على الأنترنت لأن أماكن «الفسق» قد تم عقابها. – من هي هذه المجموعات؟ ** مجموعات صغيرة غير مهيكلة في الضواحي. لكنها لا تبلغ حجم «أنا لست شارلي» أو «برافو مراح» عند أحداث تولوز. * أليس من المبكر قياس التأثير على السكان المحتمل تعاطفهم مع الدولة الإسلامية؟ فدقائق الصمت في المدارس لم يتم تنظيمها بعد إذ لم يمر سوى ثمان وأربعين ساعة على الأحداث؟ ** دون شك، لكن سيكون من الصعب بالنسبة لداعش خلق ذلك التضامن بعد أن استهدفت هجماتها فئة غير محددة .ومن المهم أيضا التشديد على أنه في بيانها الذي تبنت فيه العملية افتخر التنظيم بمقتل «على الأقل 200 صليبي». بينما لم يكن جميع الضحايا مسيحيين. - ألا يبدو هذا «المنطق» متناقضا: تريد أن تقتل أكبر عدد ممكن وأيضا اجتذاب دعم محتمل؟ الهدف الأول يظل فعلا هو إحداث أكبر عدد من الضحايا لكن بتصرفه بهذا الشكل قد يكون داعش قد ارتكب خطأ استراتيجيا. - ما المعلومات التي يمكن أيضا استخلاصها من بيان تنظيم الدولة؟ ** إنه مهم من نواحي عدة سواء في نسخته العربية أو الفرنسية. فالبيان باللغة الفرنسية بأخطائه النحوية والإملائية هو خطاب إسلامي مستعار ويحمل نكهة الضواحي الشعبية الفرنسية. ويبدأ بسورة قرآنية نادرا ما يتم استعمالها والتي تتحدث عن طرد اليهود من المدينة. كما يركز على أنه تم استهداف «مشركين» وكذا «فاسدين». وفي النسخة العربية يصف البيان الهجمات ب«الغارات المباركة» وهو نفس المعجم الذي تم استعماله في 11 شتنبر. وأخيرا، هناك ذلك الإحصاء الاستباقي عندما تحدثوا عن «مائتي صليبي»، وهو الرقم الذي يبدو للأسف قريبا من الحقيقة بالنظر لعدد الضحايا الذين يوجدون الآن بين الحياة والموت. – ما الذي يمكن استنتاجه من الزمان والمكان الذي تم اختياره؟ ** الفكرة هي إظهار أن داعش يمكن أن يضرب متى يشاء وأين ما يشاء. وكذا معاودة الظهور على بعد مئات الأمتار من موقع الهجوم على شارلي إيبدو وإعدام أحمد مرابط. وكأنهم بذلك يقولون «يمكننا أن نظهر حيث نريد» أما بالنسبة للتاريخ فهو من الصعب تفسيره: فالجمعة/ 13 ليس له أي دلالة في الإسلام لكن مساء الجمعة هو بداية بداية السبت بالنسبة لليهود. كما أن ملعب فرنسا كان هدفا مختارا: 80 ألف شخص مجتمعون من أجل مباراة كرة قدم ورئيس الدولة حاضر بدوه. لو تمكن الانتحاريون من الانفجار وسط الحشود لأدى الأمر إلى مذبحة. كما أن «الشهداء» انفجروا بأنفسهم عندما اختاروا ذلك بعد أن نفذت ذخيرتهم وذلك حتى يظهروا أنهم يتحكمون بشكل تام في أفعالهم. - كيف يمكن تفسير الفشل النسبي لعملية الملعب؟ ربما وصل الإرهابيون متأخرين حيث وجدوا أن الحشود دخلت مسبقا الملعب. أو ربما لم يجدوا الفرصة للدخول محملين بالمتفجرات. وهنا يمكن أن نلاحظ نوعا من عدم الاحتراف .. - هل هذا يعني أن الإرهابيين لم يكونوا على درجة كبيرة من التدريب؟ التحقيق – من خلال الاستجوابات والتنصت على المكالمات بين الفاعلين- سيجيب عن هذا السؤال. من المحتمل أن التنسيق القادم من سوريا مع «مؤطرين» مكلفين بقيادة العملية من خلال مجندين فرنسيين. الأكيد أننا نعيش «جهاد الجيل الثالث» الذي لم يعد لديه «المهنية» التي امتازت بها حقبة بن لادن. منذ الآن، نعطي خريطة طريق للارهابيين التي تعمل على شكل سرب. * من أعطاعهم الأمر بالعمل فعلا؟ ** يمكن أن نقول إن الفرع الفرنكوفوني للدولة الإسلامية المسؤول عن العملية. منذ شهور وهذه المجموعة تجند فرنسيين وبلجيكيين وسويسريين ومغاربيين ومتحدرين من الجنوب الساحل أي بضعة آلاف من الأفراد في المجموع. هل هذه المجموعة مؤهلة لأن تكون لها أجندتها الخاصة؟ هذا ممكن. لأن الفرنكوفونيين لا يحظون بمرتبة هامة، و متهمون بكونهم جنود أقل مستوى، ولذلك أرادوا رفع مرتبتهم عبر إطلاق عملية دراماتيكية وإظهار أنهم جاهزون لارتكاب مجزرة في بلدهم حيث رفضوا كل فكرة عن الاندماج. إنهم يحاولون التودد نوعا ما لزعمائهم السوريين والعراقيين. – هل يمكن أن نفكر أيضا أنه بعدما عرفت داعش بعض النكسات على الأرض خصوصا في العراق راحت تفكر في التنويع؟ **داعش لديها دوما ردة فعل مواجهة بين طرفين غير متعادلين، لكن فكرة عملية منظمة من قبل فرع فرنكوفوني تبدو لي صحيحة. – في بيانه ذكر داعش «بداية العاصفة» هل يمكن الحديث عن خطر «تكرار» الهجمات؟ ** هذه هي معضلة الإرهابيين دائما: مواصلة مسار العنف الأعمى أو «الاستراحة»، فبعد 11 شتنبر كان هناك مدريد ولندن ونايروبي. باريس يمكن أن تثير أعمالا أخرى. لكن ذلك يعتمد على من كان الموجه. من الصعب عقلنة الأشياء مع التفكير في أن هذه الأفعال تجيب جميعها عن عقلية عقلانية تماما. فداعش تملك التقنيين أكثر من الاستراتيجيين. – هل هولاند وفالس محقان في القول إن فرنسا في حرب؟ ** أحيانا الصحيح هو أن هذه الحرب التي نشاهدها من بعيد تم نقلها بشكل جزئي على التراب الفرنسي. لقد شهدنا الجمعة أعمال حرب على ترابنا لكن القول بأننا في حرب ضد داعش يجعل منه دولة حقيقة وهو ما يبحث عنه هذا التنظيم فعلا.