في الوقت الذي كانت فيه بلادنا تعيش أعراسا وأفراحا وتستعيد الثقة المفقودة، والأمل الموؤود، بسبب وعود كاذبة، عانى منها الشعب عدة عقود، وأعني بهذه الأعراس، حملات الاستفتاء، من أجل إقرار الدستور الجديد، وقد نُظمت تجمعات خطابية، وموائد وحوارات، خُصّصت لشرح وبيان حسنات هذا الدستور.. في هذا الوقت بالذات، كانت هناك جهات أخرى تنظم موائد، ومؤتمرات موازية تدافع فيها عن القتلة والمجرمين، والمغتصبين، وتطالب بدسترة القتل، مع حماية القاتل، وإقرار حقه في الحياة، وأعني بهؤلاء، أولئك الذين يريدون إلغاء "عقوبة الإعدام".. ففي الوقت الذي كانوا فيه يتحاورون، ويتشاورون، وينادون بإلغاء الإعدام، تعرض تلميذ بريء في "تمارة" بالرباط، يوم الأربعاء 29 يونيو، لطعنات قاتلة في بطنه، مباشرة بعد خروجه من قاعة الامتحان، بإحدى المؤسسات التعليمية، حيث كان التلميذ يجتاز امتحان السنة الثالثة إعدادي، وقد اعترض طريقه مجرمان كانا يريدان من التلميذ أن يمنحهما هاتفه النقال.. [اُنظر "النهار المغربية" ليوم الخميس 30 يونيو عدد : 2185؛ الصحفة الأولى]. مات التلميذ البريء، في وقت كان فيه هؤلاء، يدافعون عن حق من قتلوه في الحياة؛ فهنيئا للمجرمين، والقتلة، وقد وُجد من يدافع عن حقهم في الحياة والعيش الكريم، في سجون، يُصرف عليها من ضرائب يدفعها أهل المقتولين من أبناء الشعب، مما يجعل الجريمة مزدوجة، وهو ما يدافع عنه هؤلاء، وهم أسوأ من القتلة أنفسهم، ولكنهم لا يشعرون.. هؤلاء الذين يريدون تعطيل حكم نزل من السماء، وهم لا يختلفون عن السلفيين الذين يبرّئون القتلة والإرهابيين، ويعتبرونهم شهداء يتقربون إلى الله بجرائمهم.. ما الفرق بين أصحاب "أركانة"، وقتلة "تمارة"؟ أمن أجل أموال تدفع لهؤلاء المدافعين عن القتلة، من طرف جهات أجنبية، تراهم يسترخصون حياة المغاربة بل يبيعون دماء المقتولين ظلما وعدوانا بمنطق فاسد، وبتكريس قانون الغاب !؟ لقد شككتُ في المستوى الثقافي لهؤلاء؛ وتساءلت عن نوعية العقلية التي يصدرون عنها، وعن المنطق الذي يعتمدونه في دفاعهم عن القتلة والمجرمين؛ فهل هم فعلا مقتنعون بما يدافعون عنه أم هناك مصالح أخرى عطّلت ملكاتهم؟ ! فالمغاربة يحتاجون لمن يدافع عن مجانية التعليم، والصحة، ولمن يدافع عن حقهم في الشغل، وفي السكن، وفي العيش الكريم، وليس لمن يدافع عن قاتليهم، ومغتصبي أطفالهم.. فالذين كانوا يدافعون عن الدستور، كانوا في الواقع يدافعون عن هذه المطالب الإيجابية التي تضمنها الدستور الجديد، والذي لا مكان فيه للقتلة والمجرمين، بدليل أنه ينص على أن المغرب [دولة إسلامية]، مما يجعل إعدام القتلة أمرا مشروعا، وقد صوت عليه المغاربة بنعم؛ ففي أي وادٍ تهيمون يا من تدافعون عن القتلة والمجرمين؟ ! لقد تطرق الدستور إلى كل جوانب الحياة، بل حتى الرياضة دسترها، وخصص لها فصولا، ولكنه أبدا لم يتطرق لإلغاء "عقوبة الإعدام".. فهل نسيها المشرّع أم أهملها عنوة؟ الجواب : كلاّ ! فهو تجنّبها لكي لا يتناقض مع الثوابت، ومع الهوية المغربية، وقد أبنتم عن جهل مركّب وأنتم تدافعون أيام الحملة عن إلغاء الإعدام.. فعقوبة الإعدام، رحمة، وعدل، وحفاظ على حياة وكرامة المواطن.. فحياة المواطن ثمينة، ولا تساويها إلا حياة مثلها، ثم [النفس بالنفس] وقسوة العقوبة، هي التي تجعل المجرم يفقد لذة الجرم، ويطرد من نفسه نية القتل بغير حق.. فلو أجرينا استفتاءً بخصوص إلغاء عقوبة الإعدام، لكانت النتيجة معادلة لنتيجة الاستفتاء على الدستور.. فالتأكيد على العقيدة الإسلامية في الدستور، يعتبر اعترافا ضمنيا بشرعية الإبقاء على هذه العقوبة التي تقرها شرائع السماء، وقوانين الأرض.. ولكن الضاحكين على الذقون، والذين لا تعنيهم حياة المغاربة، والمدافعين عن الإرهاب، وعن القتلة، هم وحدهم من يناضلون من أجل القتل، والدمار، والفوضى، وكل أنواع المظاهر الشاذة في الأمة.. بيد أن الشعب بأسره لا يسمعهم، ويسخر منهم؛ بل إن محامين في بلادنا، بدأوا يرفضون الدفاع عن القتلة، ودليلي هو ما حدث في طنجة، منذ شهور، بعدما قتل مجرم 03 أفراد من عائلة واحدة، مما أصاب المدينة بالصدمة والذهول.. فهل هذا ما يدافع عنه "قرامطة" العصر الحديث في بلادنا؟ ! ونصيحتي إليهم، هو أن عليهم اختيار قضية أخرى أكثر ملاءة، ومردودية؛ وأما قضية إلغاء "حكم الإعدام" فهي فاشلة رغم ما تذره من أرباح هي قليلة مهما كثرت.. محمد فارس