رد تبون العصابة الحاكمة في الجزائر على سؤال واضح لصحفيته التي كانت ضمن طاقم موظفي إعلامه المنتقى لحواره الأخير الأشبه بالهذيان المزمن على خلفية الانفلاتات المتصاعدة في السياستين الداخلية والخارجية لنظام العصابة. تسأل الصحفية تبون عن إمكان اعتبار الزيارات التي تقوم بها الوفود الرسمية الفرنسية للصحراء المغربية استفزازا فرنسيا للجزائر… يجيب تبون: يوم سأفهم ما يجري سأفسر لكم الموضوع. ثم دخل في هذيان هجين بالعربية والفرنسية، لا نلوي فيه على موقف ديبلوماسي متماسك أو خطاب واضح منسجمين مع الخرجات العنيفة التنديدية والتحرشية بالعلاقات المغربية الفرنسية في البيانات والبلاغات الصادرة عن الخارجية الجزائرية بشكل تصاعدي وتصعيدي لا مثيل له في التدخل السافر في العلاقات بين دولتين مستقلتين ذاتا سيادة وصديقتين وشريكتين تربط بينهما علاقات استراتيجية متينة. فلكأن التبون لم يسمع ببلاغات خارجيته ولا بالحملات الإعلامية التي قادتها عصابته الحاكمة ضد المغرب وفرنسا، لا لشيء إلا لأن البلدين طورا نموذجا في الحكامة الديبلوماسية لعلاقاتهما على أساس وضوح الموقف من الوحدة الترابية للمغرب لما تشكله من مفتاح رئيسي في إرساء وتطوير هذه العلاقات، ومن صمام أمان ونظارة ينظر منها المغرب إلى العالم، ومن معيار يقيس به صدق الصداقات ونجاعة الشراكات. تبون العصابة أعاد للصحفية سؤالها عن الاستفزازات الفرنسية باستفزاز لفهمه واتهامه له بأنه لم يستطع أن يفك طلاسم مطلسمة لهذه الزيارات الفرنسية الرسمية إلى الصحراء المغربية، ويوم سيفكها ستتضح له الرؤية وسيمتلك آنذاك جرأة أن يسمي ما قامت به فرنسا أو تقوم به بمسمياتها من استفزاز أو غيره، وسيمتلك شجاعة أن يشرح للصحفية وأن يفسر عبرها للشعب الجزائري مكمن الضرر اللاحق به وبدولته من العلاقات المغربية الفرنسية المتقدمة. والحال أن كل الجزائر من قياداتها السياسية والديبلوماسية والعسكرية إلى إعلامها الرسمي والشعبي إلى جاليتها وخطبائها ألقت بكل جثتها وأحذيتها وأنفها في حدث الزيارات الرسمية الفرنسية إلى المغرب لتنزيل وتفعيل الاعتراف الفرنسي بمغربية الصحراء، ودعم الاستثمارات والمشاريع التنموية الكبرى بهذه الأقاليم الصحراوية المغربية التي تنعم بالاستقرار وتنمية ثرواتها والاستفادة من خيراتها ومن شراكاتها وجسورها الممدودة نحو عمقها الإفريقي ونحو شمالها المتوسطي الأوروبي وغربها الأطلسي. كل هذا السعار الموثق والمسجل عن الهجمات الجزائرية التي صاحبت الزيارات الرسمية الفرنسية إلى المغرب ورافقت المشاريع الاستثمارية في العلاقات المغربية الفرنسية الجديدة، فضلا عن الحملات الممنهجة التي قادتها العصابة الحاكمة في الجزائر لثني فرنسا عن القيام بمناورات عسكرية مقررة مع المغرب، لم يفهم منها لا الحاكم ولا المحكوم في جزائر العصابة إلا فهما واحدا مغلقا ومنتهيا ومؤكدا هو أنها استهداف صريح للجزائر واستفزاز لا يطاق لما تحيكه الجزائر بليل من نسيج مرقع بالمؤامرات والمساومات والابتزازات، وشر مستطير يزيد العلاقات الفرنسية الجزائرية نزيفا وتوترا وترديا وبلوغا للباب المسدود أو "نقطة اللاعودة" كما يحلو دائما وأبدا للعصابة الحاكمة في الجزائر أن تسمي به نجاحات المغرب في الدفاع عن حقوقه وأرضه وشعبه واستقطاب الأصدقاء والحلفاء والشركاء لمشاريعه في السلام والتنمية والتعاون. فكيف أدرك رأس العصابة الحاكمة في الجزائر، متأخرا، أنه مع كل هذا الفهم السلبي المدفوع إلى الساحة، وإلى التحليلات السياسية والإعلامية الجزائرية طيلة أشهر من حملات الفهم والتفسير والشرح والتأويل، ثم التحذير والتنديد والإدانة، والحكم على فرنسا والمغرب بالتآمر والتخابر ضد الجزائر، أنه لم يفهم بعد، وأنه بصدد ممارسة هذا الحق في الفهم، ويوم سيفهم سيخرج بنتيجة لقراءته في الأحداث، وسيقدم تفسيرا موضوعيا وواضحا لكل ما جرى ويجري. جواب التبون قد يُحمل على أنه سخرية من موضوع الزيارات، أو أنه هروب من السؤال والتفاف عليه، أو أنه تحلل بالكلية من كل ما راكمته ديبلوماسيته وإعلامه من فهم رديء ومخجل أوصل الجزائر إلى الحضيض في التعامل مع متغيرات ومستجدات وتطورات النزاع المفتعل حول الصحراء الذي أعمى العصابة، وأفقدها توازنها وصوابها وبوصلتها في الحكم. لكن سياق إلقاء هذه الجملة "يوم سأفهم سأفسر لكم" والمتمثل في وصول العلاقات الجزائرية الفرنسية إلى درجة غير مسبوقة في التوتر وتصعيد الأعمال العدائية، بسبب من طيش العصابة الحاكمة وسوء تقديرها لعواقب تنطعها، يكشف عن رغبة تبونية في وضع مسافة مع كل ما قيل استجداء لفرنسا وتحرزا من أن يصدر عنه شخصيا وبصفته رئيسا، وصف ما جرى من أحداث الزيارات الفرنسية إلى المغرب، وتنزيل الاتفاقات المرتبطة بالاعتراف الفرنسي بمغربية الصحراء، على أنها استفزاز للجزائر. "يوم سأفهم سأجيبكم عن سؤالكم" جملة تضع قدما في احتمال أن تدلي العصابة عبر تبونها بفهم مغاير لكل الفهم السعاري والتنديدي الذي خرق على الجزائر سفينتها الحربية التي تطلب اليوم الرسو على بر الأمان مع فرنسا. الكل قال بالاستفزاز بمن فيهم أعوان وخدام تبون من خارجيته إلى داخليته، إلا هذا التبون الذي يبدي اليوم، بعد تجريب إعلانات الحرب الفاشلة، تريثا وتعقلا وانتظارا للفهم والدراسة وتجميع المعطيات ليحكم ويقضي بالقول الفصل، ولعله لن يكون إدانة فرنسا بالاستفزاز، وإنما إدانة للذين تسببوا في سوء الفهم، ومن ثمة إعادة السفراء والوزراء والعلماء والخبراء إلى جادة الصواب ليلقوا الورود والتحايا على فرنسا، كأن شيئا لم يكن. كان بإمكان التبون أن يعتبر ويتعظ من الأعمال العدائية والتصعيد لعصابته ضد إسبانيا على خلفية نفس الاعتراف الفرنسي بمغربية الصحراء، والتي أساء التصرف فيها وكلف ديبلوماسيته ودولته كلفة غالية وثقيلة أخلاقيا وسياسيا واقتصاديا، لكن الغباء لا حدود له إذ ينتظر يائسا وآملا في الوقت نفسه نتيجة مغايرة من تكرار نفس السلوك، فيعيد نفس السيناريو الفاشل والمنحط هذه المرة مع فرنسا وعلى نفس موضوع الصحراء، لتكون النتيجة جراءة لدول المعمور على الجزائر وإسقاط أي احترام لنظامها ولمؤسساتها ولسياستها، وانبطاحا من قبل العصابة، فضلا عن خسارة للثروات كما للكرامات، وحيث يحيق بها دائما مكرها السيئ وتنقلب مخططاتها عليها ويرد كيدها إلى صدرها ونحرها. كل ما في أمر هذا الإدعاء بعدم الفهم وبانعدام رؤية واضحة ولا سماع إدانة أو تصريح من هذا الطرف أو ذاك، أنه آخر محاولة تحايلية من العصابة للنفاذ بجلدها من النيران التي فتحها غباؤها على الجزائر باستفزازها لفرنسا وتحرشها بالعلاقات المغربية الفرنسية، ومحاولة لدفع التبون إلى الواجهة ليسأل ماذا جرى؟ أنا لا أفهم… ونحن لم نقل شيئا ولا اعترضنا على شيء ولا نددنا بأحد… وفرنسا دولة صديقة وعلاقاتها مع المغرب لا تهمنا ولا تسبب لنا أي إزعاج… هذا السيناريو المفضوح لطمس الجريمة وادعاء البراءة والطهارة، ومسح السماء بقفاز،واسترداد المصداقية المفتقدة، صار مفهوما من سلوك هذه العصابة الخبيثة بكل واجهاتها المدنية والعسكرية التي تختبئ في صورة الدولة وتتبادل أدوار الإطفائي وموقد النيران في آن.