حميد باجو عضو المجلس الوطني للاتحاد الاشتراكي 1//////////////////// تتوضح يوما عن يوم معالم الخارطة الحزبية الجديدة التي تعمل السلطة على رسمها. يظهر ذلك مثلا من خلال محاولة تشكيل القطب الليبرالي بين حزب الأحرار والاتحاد الدستوري والحركة الشعبية، ثم أيضا من محاولة إبعاد حزب الاستقلال عن الاتحاد الاشتراكي ودفعه للتحالف مع العدالة والتنمية في أفق تكوين قطب محافظ. وما إثارة مسألة منع الخمور من طرف شباط في مدينة فاس إلا إحدى تلك الخطوات العملية التي تقوم بها الدولة من أجل تنفيذ خطتها، مع التساؤل هنا إن كان شباط واعيا بما يقوم به في هذا الاتجاه أم أنه مجرد مدفوع من دون أن يدري ذلك. كما يتضح جيدا أن هذه الخارطة لا تبتعد كثيرا عما كان الملك الراحل الحسن الثاني يحاول تحقيقه دون أن يتوصل إلى ذلك: أي اختزال الحقل الحزبي في قطبين أو ثلاثة. وقد تم الاشتغال في هذا المجال على ثلاث مستويات: - أولا محاصرة المكون الإسلامي والعمل على تدجينه عبر وسائل متنوعة: اجتثاث السلفية التكفيرية، مضايقة وقص أجنحة العدل والإحسان، الضغط على العدالة والتنمية لفك ارتباطاتها مع مرجعياتها في المشرق، إعادة بعث التقليد الصوفي الموالي تاريخيا للمخزن، وأخيرا دفع حزب الاستقلال لاحتواء وتأطير هذا المكون تحت سقف لا يتجاوز مطالب السلفية الوطنية التي خرج هذا الأخير من أحضانها. - ثانيا العمل على تجميع الحداثيين بمختلف مكوناتهم اليسارية والليبرالية. كانت البداية عبر محاولة استمالة بعض عناصر الشباب الفاعلة في أحزاب اليسار، ثم لما تنجح هذه الخطة صار التوجه هو تجميع بعض الوجوه اليسارية القديمة في إطار الحركة لكل الديمقراطيين، ولما ظهرت محدودية هذا الإطار نفسه في استدراج النخب الجديدة، استغني عنه عبر خلق حزب الأصالة والمعاصرة الذي فتح أبوابه أمام أعيان الانتخابات، وهو ما جعله يتحول في ظرف وجيز إلى قوة انتخابية أولى في البلاد. لكن بعد الانتقادات والمعارضات الكثيرة التي ووجه بها هذا الأخير، وذلك منذ صدور بيان الاتحاد الاشتراكي الشهير حول الوافد الجديد، يبدو الآن وكأن هناك تغيير جزئي في التاكتيك، يتمثل في التراجع خطوة إلى الوراء، ودفع بدله حزب الأحرار في شخص صلاح الدين مزوار للعب دور أرنب سباق في أفق استحقاقات 2012 والقيام نيابة بتجميع القطب الليبرالي المشار إليه أعلاه. - ثالثا محاولة حل مشكلة الاتحاد الاشتراكي، هذا الحزب الذي كان هو المراهن عليه منذ البداية، ومن خلاله الوصول إلى باقي مكونات اليسار. إلا أن هذا الأخير ظهر وكأنه الأكثر استعصاء على التدجين وعلى مسايرة المخطط المرسوم، وذلك ليس بالضرورة عن وعي وقصد من طرف قيادته، ولكن للتعقيد الذي يوجد عليه وضعه الداخلي. فهو قد شارف على خطر الانفجار في مؤتمره الأخير بسبب هذا الضغط الذي مورس عليه من طرف أطراف في الدولة، وتمرد جزء من نخبه على المخطط المرسوم له. لذلك كان لابد لواضعي المخطط أن يراجعوا طريقة تعاملهم معه، ذلك ما تجسد مثلا من خلال السعي إلى الحفاظ على وحدته بعد وصوله إلى الطريق المسدود في الشوط الأول من المؤتمر الثامن، ثم عبر الاستجابة المغلفة لرغبة الكاتب الأول في مغادرة الحكومة والتفرغ لإعادة بناء الحزب، وأخيرا عبر إرضاء ادريس لشكر واستوزاره، بالنظر إلى أنه كان أبرز من أبدى مقاومة في وجه المخطط المرسوم حين لوح بإمكانية التحالف مع العدالة والتنمية. ولحد اللحظة لا زال الاتحاد الاشتراكي هو الذي يمثل حجر عثرة الأساسي في وجه المخطط أعلاه. إذ بعد فشل محاولة جره إلى التطبيع مع العدالة والتنمية من جهة أو التحالف مع الأصالة والمعاصرة والأحرار من جهة ثانية، بسبب المقاومات المتعددة داخله، لم يجد قادته من غير الحفاظ على الوضع القديم والعودة مجددا نحو الكتلة، أي في الاتجاه المغاير لما يبحث عنه أصحاب المخطط الرسمي من خلق تقاطبات جديدة. غير أن المفارقة هنا أنه إذا كان هذا الاختيار قد يساهم في عرقلة المخطط الرسمي، فإنه ليس بتجاوزه وطرح تحالفات بديلة مفتوحة على المستقبل، ولكن فقط بالهروب نحو الماضي والتقوقع داخل وضع محجوز ومتجاوز لا يعد بأي أفق جديد قد يستجيب تطلعات الأجيال الجديدة. 2////////////////// لكن قبل هذا يطرح السؤال: ما هي طبيعة هذا المخطط الذي تعمل السلطة المركزية من أجل تمريره؟ هل ستنجح في ذلك وهل ستتمكن من إدماج اليسار وفي مقدمته الاتحاد الاشتراكي في ذلك؟ أو بعبارة أخرى، أين يمكن أن يتقاطع المشروع الرسمي للدولة على المستوى البعيد مع ما يفترض أن يمثله المشروع اليساري؟ بدون شك أن العهد الجديد قد بدأ مترددا في بدايته لتحديد ما يريده بدقة، لكن أنه على الأقل، منذ خروج تقرير الخمسينية ووضع سيناريوهات ممكنة لتطور المغرب خلال 25 سنة القادمة، حدد الملك اختياراته بوضوح، وشرع في تطبيقها عبر مخططات قطاعية مختلفة: من المجال الديني إلى المجالات والقطاعات الاقتصادية المختلفة، إلى التعليم ... وصولا إلى الحقل السياسي والحزبي. تتفاوت هذه السيناريوهات، بين الأكثر تفاؤلا والأكثر تشاؤما، والدولة تطمح من خلال سياساتها القطاعية أعلاه، أن تنجح على الأقل، في تحقيق سيناريو وسط،، أي أن تسير بالمغرب حسب وتيرة من النمو فوق المتوسط، تصل ببلادنا في أفق 2030، إلى مستوى ما هو موجود عليه الأمر حاليا في دولة متوسطة كبولونيا. في هذا الإطار يصير الرهان عند اليساريين، إن هم أرادوا استرجاع مصداقية الشعب ويعودوا لمكانهم الطليعي داخل المجتمع، أن يقترحوا ويقنعوا المغاربة بأنهم قادرين على تحقيق سيناريو أفضل مما تقترحه عليهم الدولة بنهجها السياسي الحالي، أو جعل المغرب سنة 2030 في وضع أفضل مما هي عليه بولونيا اليوم. عليهم أن يكشفوا من منظور مبادئهم الثلاث المؤطرة لهويتهم: العدالة الاجتماعية والديمقراطية السياسية والحداثة الثقافية، ماذا يمكن أن يحققوه من قيمة مضافة أفضل وأعلى مما يعدهم به المشروع الرسمي للدولة، وأن يفضحوا في نفس الوقت مدى لاجدية هذا المشروع الأخير وعجزه المحتمل في تحقيق حتى ما يعد به. - على المستوى الاقتصادي والاجتماعي، أن يطرح السؤال: إن كان يكفي تحقيق نسبة نمو بحسب وتيرة السنوات الأخيرة، في تحقيق ما ينتظره المغاربة، أم أن هذا النمو ورغم ارتفاعه النسبي لا ينتج عنه في النهاية هذه سوى توسيع للهوة الاجتماعية بين المغاربة والتستر على اقتصاد الريع، وهو ما قد ينجم عنه انفلاتات واضطرابات اجتماعية تهدد بتقويض بكل ما تراكم وبني لحد الآن؟ كيف يستطيع اليساريون فضح هذه السياسة الاجتماعية المعمقة للفوارق الطبقية، وأن يقترحوا بدلها سياسة اقتصادية تجمع في نفس الوقت بين النجاعة الاقتصادية وبين العدالة الاجتماعية وتكافؤ الفرص بين مختلف المواطنين؟ - على المستوى السياسي، هل يمكن تحقيق أي تقدم اجتماعي في غياب إشراك حقيقي للمواطنين في المراقبة وتقرير مصيرهم بأنفسهم، عبر آليات ديمقراطية واضحة كما هو متعارف عليه كونيا: أي فصل حقيقي للسلط وإقرار ملكية برلمانية يسود فيها الملك ولا يحكم؟ - على مستوى الحداثة الثقافية، هل ما يحاول بعض واضعي مخطط الدولة، من حزب الأصالة والمعاصرة ومحالفيهم، الظهور به من ادعاء للقيم الكونية وتمثيل دور المدافع عن الحريات الفردية، هي فعل جدي ينتظر منه نتائج ملموسة على أرض الواقع، أم أن ذلك لن يفيد في شيئ في ظل وجود سقف للحريات وللقيم الحداثية محدد سلفا لا يمكن لأحد تجاوزه، هو ما تخطط له وزارة الأوقاف والمجالس العلمية، من خلال سياسة ما يسمى بالإصلاح الديني الهادفة لبعث ثقافة دينية تقليدانية وإعادة الاعتبار للزوايا والطرقية المدعمة تاريخيا للمخزن؟ هل ستكون لدى هؤلاء المدعين للحداثة من داخل الدائرة المحيطة بالمخزن ، ومن قدماء اليسار بالخصوص، الجرأة على اختراق هذا السقف حينما سيصطدمون به، أم أن ما يراد بهم في هذه المرحلة هو أن يكونوا مجرد ديكور عند الدولة ليس لديهم من دور أكثر من التشويش على مشروع اليسار؟ أو بعبارة استعارية، هل تستطيع خديجة الرويسي مثلا (من الأصالة والمعاصرة) أن تذهب في اجتهاداتها داخل بيت الحكمة في الدفاع عن الحريات الفردية، أكثر ما يحدده لها أحمد التوفيق كسقف للحريات المسموح بها في المغرب؟ وهل يمكن تصور حداثة ثقافية حقيقية في غياب علمانية واضحة وفصل للدين عن الدولة والسياسة؟ 3////////////////// وفي بحث عن إجابة للأسئلة السابقة بشأن التحديات المطروحة على اليسار عموما وعلى الاتحاد الاشتراكي خصوصا، نحيل هنا على النقاش الجاري حاليا داخل هذا الحزب الأخير وهو يعد لندوته التنظيمية،وذلك باعتبار أن هذه الندوة قد تكون هي أيضا فرصة لتقديم بعض الإجابات ولبلورة معالم ولو أولية لما يمكن أن يكون عليه مشروع اليسار مستقبلا. لكن قبل ذلك لابد أن نتساءل إن كانت قيادة الاتحاد واعية على الأقل بهذه الأسئلة الكبرى، وتعطيها ما تستحق من اهتمام، وأن النقاش الدائر حاليا في التحضير للندوة، يعكس فعلا تلك الهواجس التي تحدثنا عنها أعلاه، أم أننا نحن هنا فقط أمام عدد من الاستراتيجيات الشخصية الخاصة والحسابات الفردية لتكريس وضعيات قائمة تعود أصحابها أن يستفيدوا من الريع الحزبي؟ فبالرغم من أن موضوع الندوة هو تنظيمي بالدرجة الأولى كما هو واضح من عنوانها، لا بد أن ننطلق في البداية من السؤال المركزي الذي لا يمكن لنا أن نفر منه: أية سياسة وأي دور يطمح الحزب إلى ممارسته في المجتمع حتى يمكن تحديد نوع التنظيم الذي يناسبه؟ كيف سيتسنى لنا بلورة مشروعنا المجتمعي البديل وتوضيح هويتنا اليسارية بما قد يقنع المواطنين بجدية ما نعرضهم عليهم، إذا كان وزراءنا يصرون على التشبث بمقاعدهم في الحكومة، ليس لأي غرض آخر سوى تنفيذ ما يملى عليهم بأمانة، من طرف أصحاب القرار الحقيقيين، والدفاع عن المشروع الرسمي للدولة، في تناقض تام مع ما نروج له من خطاب عن الاشتراكية والعدالة الاجتماعية وتكافؤ الفرص ووو ...؟ كيف نقنع مواطنا بأن وزير المالية السابق هو من رموز اليسار وقادته، وهو لم ينجح لا في استئصال اقتصاد الريع ولا الحد من تزايد الفوارق الطبقية في المجتمع، ولا حتى فضح أصحاب الامتيازات وناهبي المال العام الذين واجهوه في إبانه، وكشفهم أمام الرأي العام ؟ كيف لا يستطيع وزير ثقافة مفترض فيه أن يمثل اليسار، حتى أن يتواصل مع المثقفين فيجعلهم ينقلبون ضده و ربما ضد اليسار ككل، وهل هناك من يمكن أن يستعين بهم أكثر من هؤلاء لترسيخ الحداثة الثقافية في المجتمع ومواجهة الثقافة التقليدانية المهيمنة حاليا؟ كيف يحترمنا المواطنون بعد اليوم وهم يشاهدون ادريس لشكر ينقلب في مواقفه ويزايد بها من أقصى التطرف إلى أقصى الاعتدال، ليس لغرض سوى لمقايضة ذلك بحقيبة وزارية لا طعم ولا لون لها، سوى ما تدره من امتيازات على صاحبها وحده؟ ما معنى وجود هؤلاء الوزراء في الحكومة، وهم لا يشركون أو حتى لا يحاطون علما بأخطر القرارات ، التي قد ترهن مستقبل المغرب بكامله، كمشروع الطاقة الشمسية أو القطار السريع أو غيره؟ كيف يحترمهم المواطن المغربي وهو يعرف جيدا أنهم مجرد كومبارس لملء واجهة مسرح اسمه الحكومة و البرلمان؟ بالنسبة إلى على الأقل، كواحد مشارك في هذا النقاش التحضيري للندوة التنظيمية على مستوى لجان المجلس الوطني، لست متفائلا لحد الآن، اللهم إذا انبرى الاتحاديون الحقيقيون سواء داخل المجلس الوطني نفسه أو في القواعد الحزبية، لإعطاء نفس وتوجه مغايرا للمسار الحالي للنقاش. قد يكون المدخل التنظيمي ربما أحد المداخل لتصحيح الوضع في الحزب، ومن خلاله الوضع داخل اليسار ككل. كيف نستطيع أن ننتزع من هذه الندوة على الأقل مبادئ أولية لتطوير الديمقراطية الداخلية وجعل القرار الحزبي في يد القواعد والمناضلين في الفروع والأقاليم، وذلك عن طريق ترسيخ الجهوية الحقيقية وإعطاء الفروع ما تحتاجه من صلاحيات وإمكانيات لممارسة نضال القرب مع المواطنين، وضبط العضوية واحترام المساطر التنظيمية بما يجنبنا مهازل الإنزالات وتزوير نتائج الانتخابات المتفشية في صفوفنا، وأن لا يبقى هذا القرار محتكرا في المركز لاستعماله كوسيلة للاستفادة من الريع الحزبي؟ كيف ننجح في تجديد أطر الحزب وتشبيبها وتأنيثها، حتى نستطيع تجاوز واقع الشيخوخة الذي يطبع جل مسؤوليه وطنيا ومحليا، هذا الواقع الذي لا يمكن أن ينتج غير عقلية المحافظة والتكلس ورفض كل ما هو جديد؟ ما هي الآليات الممكنة لفتح المجال أمام الشباب لتبوء موقعه الحقيقي في أجهزة الحزب وتنظيماته بما يساعده على ممارسة وظيفته كاملة من تأطير وتكوين واقتراح واحتجاج ومواجهة مع الخصوم السياسيين، وبالتالي إخراج جهاز الشبيبة من جبة بعض القياديين الذين دأبوا دائما على توظيف هذه الأخيرة لخدمة حساباتهم التنظيمية الخاصة؟ كيف نحول الحزب إلى إطار حقيقي للنقاش والتنافس بين الأطروحات والبرامج، عبر خلق التيارات واحترام الاختلاف وقبول الانتقادات، حتى نقطع مع سياسة الرأي الوحيد ومع التحلق حول الأشخاص ونكسر بذلك علاقة الشيخ بالمريد؟ تلك أسئلة نطرحها على الاتحاديين بمناسبة الندوة التنظيمية، وبالتأكيد أن الإجابة الصحيحة عنها ستمثل قفزة في اتجاه إخراج الاتحاد الاشتراكي من مأزقه الحالي ومدخلا لإعادة تجميع اليسار وربطه من جديد بقواعده الاجتماعية، وبالتالي امتلاكه القدرة من جديد على صياغة البديل المجتمعي الكفيل بمنافسة المخطط الرسمي الذي ينفذ حاليا.