مستقبل الدولي المغربي سفيان أمرابط بات على المحك … !    تفاصيل حريق بمطار محمد الخامس    إيداع تلميذين سجن تطوان على خلفية جريمة "ثانوية بني رزين"    مجلس الحكومة يتتبع مستجدات النهوض بأوضاع المرأة ويوسع اختصاصات قطاع التواصل    رئيس مفوضية الاتحاد الإفريقي يستقبل السفير الممثل الدائم للمغرب لدى الاتحاد    توزيع ملابس العيد على 43 نزيلا حدثا بالسجن المحلي بطنجة2    دنيا بوطازوت تنسحب من تقديم "لالة العروسة" بعد أربع سنوات من النجاح    السعيدية.. تسليط الضوء على الندوة الدولية حول تطوير الريكبي الإفريقي    ألستوم تُعلن رسمياً توقيع اتفاق يتعلق بمشروع "التيجيفي" بين طنجة ومراكش    شهر رمضان.. وكالة بيت مال القدس الشريف تقدم حصيلة حملة المساعدة الإنسانية في القدس    رحمة بورقية: أول امرأة تترأس المجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي بالمغرب    إسبانيا تعلن عن ملف مشترك مع المغرب والبرتغال لتنظيم بطولة عالمية جديدة    العجز التجاري للمغرب يقفز إلى 50.7 مليار درهم عند متم فبراير    ارتفاع حصيلة زلزال بورما إلى 144 قتيلا    وزير التربية الوطنية يكشف تفاصيل الإصلاح التربوي أمام مجلس الحكومة    بورصة الدار البيضاء تنهي تداولاتها على وقع الأخضر    فرنسا تمنح مهنيي النقل امتياز التأشيرات بدون مواعيد: توقيع اتفاقية شراكة بين القنصلية العامة وAMTRI    نهضة بركان يبلغ ثمن نهائي كأس العرش بفوزه على اتحاد طنجة    وزارة الداخلية.. إغلاق 531 محلا ومصادرة 239 طنا من المنتجات غير القانونية    مقترح قانوني.. حظر ممارسة الأنشطة التجارية للمسؤولين في فترة مهامهم    مارين لوبان تنتقد إدانة بوعلام صنصال: وصمة عار لا تُمحى على النظام الجزائري    العرض ماقبل الأول لفيلم «مايفراند» للمخرج رؤوف الصباحي بسينما ميغاراما    رامز جلال في رمضان والكاميرا الخفية المغربية .. مقلب في الضيوف أم في المشاهد؟    مباريات كرة القدم للتأهل إلى المونديال إصابة أكرد تدمي قلب مشجع ستيني    مطالب بعقد اجتماع عاجل بمجلس النواب لمناقشة تفاقم البطالة    الزرع المباشر في المغرب توسع متسارع نحو مليون هكتار بحلول 2030    بعد إزالة عمارة العنق.. "كازاميموار" تحذر من هدم بلوك بوعزة والتهديدات التي تطال عناصر أخرى من التراث البيضاوي    ضبط 240 ألف طن من المواد الفاسدة وإغلاق 531 محلا تجاريا بسبب مخالفات صحية خلال شهر رمضان    توقعات أحوال الطقس ليوم غد السبت    السناتور الأمريكي ساندرز يسعى للتصويت في مجلس الشيوخ على قرارات تمنع بيع أسلحة لإسرائيل    دوري أبطال إفريقيا: تحكيم ليبي لمباراة الإياب بين الجيش الملكي وبيراميدز المصري    محكمة إسبانية تبطل إدانة نجم برشلونة السابق البرازيلي داني ألفيش بتهمة الاغتصاب    "ضحايا كثر" جراء زلزال بورما وتايلاند    أسعار صرف أهم العملات الأجنبية اليوم الجمعة    دونالد ترامب يستضيف حفل إفطار بالبيت الأبيض    الصين: انخفاض الأرباح الصناعية ب0,3 بالمائة خلال الشهرين الأولين من 2025    وزيرا دفاع سوريا ولبنان يوقعان في جدة اتفاقا لترسيم الحدود بوساطة سعودية    "مناجم" التابعة للهولدينغ الملكي تحقق رقم معاملات ناهز 4 مليارات درهم وتعلن عن اكتساف 600 طن من احتياطي الفضة    تيك توك تطلق منصة تسوق تفاعلية في أوروبا    مصطفى أزرياح من تطوان يتوج بجائزة محمد السادس ل"أهل الحديث"    عودة أسطورة الطرب المغربي عبد الوهاب الدكالي في عرض يعد بالكثير    هل ينتقل نايف أكرد لماشستير يونايتد … بسبب إعجاب المدرب … ؟    محمد مزوز من طنجة يتوج بجائزة محمد السادس للكتاتيب القرآنية في فرع "جائزة التسيير"    أيها المغاربة .. حذار من الوقوع في الفخ الجزائري    الأردن وزواج بغير مأذون    باحثون يكتشفون رابطا بين السكري واضطرابات المزاج ومرض ألزهايمر    كرة القدم لعبة لكنها ليست بلا عواقب..    سكان المغرب وموريتانيا أول من سيشاهد الكسوف الجزئي للشمس السبت    "الرزيزة" .. خيوط عجين ذهبية تزين موائد ساكنة القصر الكبير    عادل أبا تراب ل"رسالة 24″: هذا هو سبب نجاح "الجرح القديم" ومقبل على تقمص جميع الشخصيات    حب الحاجب الذي لا يموت..!    أوراق من برلين: فيلم "طفل الأم".. رحلة تتأرجح بين الأمومة والشكوك    فن يُحاكي أزمة المياه.. معرض فني بمراكش يكشف مخاطر ندرة الماء والتغيرات المناخية    رسالة إلى تونس الخضراء... ما أضعف ذاكرتك عزيزتي    الجمعية المغربية لحقوق الإنسان تودع شكاية لفائدة طفلة أُصيبت بالسيدا عقب عملية جراحية    كسوف جزئي للشمس مرتقب بالمغرب يوم السبت القادم    عمرو خالد يحث المسلمين على عدم فقدان الأمل في وعد الفتح الرباني    السعودية تحين الشروط الصحية لموسم الحج 2025    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



العدل والإحسان ومدونة الأسرة (3/2)
نشر في لكم يوم 03 - 02 - 2025


قليلا من حكمة العقل، قليلا من الجرأة!
الملاحظة الخامسة: في المسألة الدينية
في المسألة الدينية، ترتكز رؤية الجماعة على أساسين، الأول وهو استبداد السلطة وتغولها مما يحد من مساحة حرية الرأي والتعبير ويساهم في التعتيم على الإمكان الديني في السياسة والاقتصاد، وفي هذا لا تزال الجماعة غير قادرة على بلورة ابتكارا يساهم في رفع التعتيم المفترض؛ والثاني في جمود الفقه وعدم تفاعله مع واقع الناس وحاجياتهم المستجدة، وعلى هذا المستوى أيضا لم تخرج الجماعة علاقة بالنساء من مستوى الشعارات وإعلان المبادئ لم يرق لتفكيك المنظومة الذكورية الثاوية خلف الفقه السائد. بل قد حددت شروط الاجتهاد في بلاغها حول مقترحات المجلس الأعلى بما لم يرد فيه نص. كما أنها تسعى لسيادة الدين في الحياة العامة أيضا، مع الاعتراف بما "تتقاسمه الإنسانية من وحدة الأصل الإنساني، ووحدة المصير الوجودي…". وهذه الرؤية تطرح أكثر من سؤال عن الحرية في التفكير والرأي والتعبير في الفضاء العام، وعن حرية الفرد في مثل هذه الرؤية التي تصبح مجردة من حقها في الوجود في الفضاء العام. فتصبح الحرية والحالة هذه في المنطقة الرمادية بين الاستئصال والإدماج. بل التعبيرات العقدية والاعتقادات الفكرية المختلفة عن السائد في الاعتقاد الديني تعتبر انتهاكا للفضاء العام "المشترك". وأما مسألة التَّسوُّر على الناس بالمغرب، فهي غير ذات موضوع، لأنها ممنوعة دستوريا، ولا يقبلها المغاربة وقواهم الحية، وليست إلا محاولة للهروب بالنقاش الحقيقي ذي الصلة بالحق في الوجود في الفضاء العام لكل أشكال الاعتقادات الأخرى دون توجس أو خوف.
تصبح عبارات الاجتهاد المعتدل والمنفتح على مختلف التخصصات في حقوق النساء مجرد شعارات فارغة من مضمون يبتغي التقدم نحو المواطنة الكاملة للنساء. وتصبح عبارة تعميم المساجد موازاة مع تعميم المدارس في إطار تكاملي رسالي أكثر من مخيفة لما ترمي إليه من مجتمع ودولة دينيين مهما حاولنا التخفيف بعبارات احترام الاختلاف وحرية المعتقد التي سوف لن يكون بمقدورها تلطيف جبروت الحقيقة الدينية.
الملاحظة السادسة: بين الشورى العتيقة والديمقراطية الجريحة تضيع حقوق النساء
ما علاقة الشورى بالديمقراطية؟ هل لا يزال مفهوم الشورى قادرا على الجواب عن الإشكالات الحاضرة في عوالم القرن الواحد والعشرين؟ بمعنى آخر، هل استطاع الإسلام السياسي والفكري تطوير هذا المفهوم ليستجيب لحاجيات المجتمعات المسلمة في القرن الواحد والعشرين؟
الجماعة لم تعمل على تعريف الشورى كما تراها في وثيقتها، ربما لأنها اعتبرتها غنية عن التعريف. وهذا لا يتوافق مع ما تطمح له على المستوى الوطني والدولي بالنسبة للدور الجديد للإسلام السياسي. وفي مطلق الأحوال، فالشورى تدخل في خانة المجاهدة في إبراز معالم الخصوصية الإسلامية بأي ثمن وإن أصبحت متجاوزة وغير مستدركة لأن حياة المجتمعات لا تتوقف حتى تجيب هي عن أسئلتها الجديدة لتتوافق ومتطلبات اليوم وحاجيات المجتمع المغربي كمجتمع عصري يطمح للديمقراطية. جاء في الصفحة 25 من الوثيقة ما يلي:
"وكوننا نؤمن بأن الشورى هي روح الحكم وفلسفته في الإسلام، فإننا نؤمن في الآن نفسه بنجاعة الكثير من الآليات الديمقراطية وفاعليتها في تحصين الدولة والمجتمع من نوازع الاستبداد، وتحقيق التداول السلمي على السلطة، وما يرتبط بذلك من فصل بين السلط، ومنع تغول سلطة على أخرى، وربط المسؤولية بالمحاسبة، وإرساء التعددية السياسية، وكفالة الحقوق والحريات، واحترام الدستور والقانون."
أن تكون الشورى روح الحكم وفلسفته في الإسلام في الماضي، فهذا ما لم يؤكده التاريخ الإسلامي إلا لماما، بمعنى لم تكن القاعدة السياسية المعمول بها. وأما أفقها الفكري والتاريخي فلا يسمح لها بأن تنافس المنهج والنظام الديمقراطي، وما الاحتفاظ بهذا المبدأ ليس إلا من باب المجاهدة للنفس للحفاظ على توازن المرجعية الإسلامية المعتمدة. والاحتفاظ به سوف يفتح الباب للتشويش على الديمقراطية روحا وميكانزمات. لكن الجماعة واعية بهذا ولذلك نرى أن الفقرة السابقة تتكلم عن قدرة الديمقراطية على ضمان تحصين الدولة والمجتمع من نوازع الاستبداد.
وقد يكرس مبدأ الشورى مزيدا من الاستئثار بالقرار في ظل نظامنا السياسي الحالي. لنأخذ المنهجية المعتمدة في ورش المدونة. يفتح الملك بابا واسعا للمشاورات حول الإصلاح، تبدأ بتشكيل لجنة من مؤسسات دستورية، حكومة، المجلس الوطني لحقوق الإنسان، المجلس العلمي الأعلى، النيابة العامة، المجلس الأعلى للقضاء، يستشار تقريبا الجميع، ثم يختم برأي مجلس ديني قبل تكليف الحكومة على إعداد مسودة مشروع قانون مدونة الأسرة. لتعرض على أنظار البرلمان حتى يضفي عليها صبغة الديمقراطية بعدما أغلق النقاش الحقيقي.
تستعصي فعلا هذه الحالة على التسمية، ففي القضايا النسائية والعلاقات بين الجنسين ببلادنا، يصبح النظام السياسي في مساحة التقاطع بين النظام الأوتوقراطي والتوتاليتاري والثيوقراطي المصبوغ بطبقة رفيعة من الحداثة والديمقراطية تكاد تصبح شفافة. وهذا لعمري يشكل صفعة للحركة النسائية التي وضعت كل بيضها في سلة واحدة إذ فصلت النضال من أجل الديمقراطية وكل القضايا الأخرى العادلة عن نضالها من أجل المساواة بين النساء والرجال. النظام السياسي ببلادنا يعرقل عمل المؤسسات الدستورية ويعوق الديمقراطية والنسائية في آن واحد.
فما هو الإحساس الذي ينتاب البرلماني والبرلمانية عندما يسمع تصريحات تقول بأن ما أصدره المجلس الأعلى من فتاوى غير قابلة للمراجعة؟ ألسنا والحالة هذه بصدد إضفاء القدسية، التي رفعت عن شخص الملك في دستور 2011، على المجلس العلمي الأعلى؟ وهل البرلمان سوف ينضبط لهذا؟ وإن فعل، أية مشروعية تبقى لكل الهلما الانتخابية والعجعجة الخطابية للديمقراطية؟ وهل سوف ترضى البرلمانيات والبرلمانيون من ذوي الغيرة على التحديث والديمقراطية ببلادنا على الانحصار في خانة الخوض في السفاسف؟ وهل سنرضى بأن يسلب المجلس العلمي الأعلى سلطة أعلى مؤسسة تمثل الإرادة الشعبية؟
أطلق عالم المستقبليات، المهدي المنجرة، على هذا النوع من الأنظمة السياسية مصطلح الذُّلوقراطية. وبما أن هذا التوصيف يدخل في خانة حكم القيمة، فإن الحاجة إلى اجتهاد مصطلحي حقيقي يعكس الدلالة التي تناسبها موضوعيا تطرح نفسها علينا بإلحاح. فهل نائبات ونواب الأمة الغيورين على دمقرطة المغرب دولة ومجتمعا سيرضخون لهذا الجور الثيوقراطي؟ إن الحاجة اليوم لجبهة شعبية واسعة أصبحت ملحة من أجل أن تُحترم سلطات المؤسسات الديمقراطية واستقلاليتها، وأن توسع سلطات المؤسسة التشريعية والتنفيذية مهما كلف قضيتنا النسائية من تأخر، بهدف إخراج قضايا النساء والمساواة بين الجنسين من جور الثيوقراط، وإدخالها حلبة الصراع الديمقراطي.
نقف بالملموس اليوم على مخاطر استعمال الدولة المغربية لمفهوم الشورى المبهم على طريقتها وتحت غطاء دستوري يسمح لها بذلك. أي أن التقدير في اتخاذ القرار يعود في النهاية إلى مؤسسة واحدة، ضربا لكل قواعد الديمقراطية حد الابتذال، بالتحايل عليها وذلك عن طريق تبييض المشورة العتيقة، عبر مرورها بالبرلمان في المرحلة النهائية بعد أن حسم في توجهاتها.
ولهذا فالشورى الرثة لن تنفعنا اليوم مهما مجدناها، كما لن تنفعنا الديمقراطية الجريحة في التقدم. وحدها الديمقراطية التي تمنح المؤسسات الممثلة للشعب مساحة كبيرة في القرار والفعل، ووحدها ستكرس حرية التعبير وثقافة احترام الاختلاف، واكتساب النساء والرجال قواعد العمل السياسي، وتنمي ثقة الشعب في نخبه وقدرته على العقاب إن أخلوا والمكافئة إن توفقوا…الخ.
في حقوق النساء والمساواة بين الجنسين
لا حقوق للنساء إلا عبر منخل الأسرة عند الجماعة: عندما تصبح حياة النساء عصية على اللبوس الديني
يعتبر الخطاب الرومنسي المعتمد حول الأسرة أكثر من مجرد حنين لأسرة متخيلة، لم يكن لها من وجود لا قبل العولمة ولا بعدها ولا قبل هذا النظام المستبد ولا خلاله، لكنه عبارة عن استراتيجية واعية لمناهضة كل محاولات التقدم في بناء أسرة تتأسس على مقومات عصرنا المتمثل في المساواة بين النساء والرجال، وحقوق الأطفال خارج أية اعتبارات اجتماعية أخرى.
ولهذا تصبح الأسرة عندهم، وعند باقي مكونات الإسلام السياسي المنظم منه وغير المنظم، القضية الرئيسية والمجال الأنسب للتشبث فيه بالمرجعية الإسلامية، والتي على أساسها تبنى التمثلات للعلاقات بين النساء والرجال، اعتبارا من أن الأسرة تشكل الحاضنة الأساسية لقيم المحافظة والمتراس القوي ضد كل تغير أو "دخيل". ولهذا يصبح الاستقرار الأسري المبني على التكامل التفاضلي بين النساء والرجال على أساس الجنس مهمة دينية إيمانية وسياسية مجتمعية.
بينما سنجد السياسة والاقتصاد والمالية والتعمير والبحث في العلوم الدقيقة (الرياضيات والفيزياء والبيولوجيا، والطب، والبيئة، والفضاء، والأركيولوجيا، والتكنولوجيا الرقمية والذكاء الاصطناعي…) والعلوم الإنسانية والإبداع والفنون بشكل عام … التي جاءت مع الحداثة المنجزة في البلدان الصناعية الغربية قد خرجت تماما عن السيطرة الدينية، ولم تعد للمسلمين في ظروفنا الحالية عموما القدرة على الابتكار فيها، كما أنها لا تتناقض والمصالح الرأسمالية للذكورية الأبوية الإسلامية. فالجماعة لم تتكلم عن ربوية الأبناك مثلا التي أصبحت أكثر من ذلك، تستنزف الطاقة الشرائية لما تفرضه من رسوم عالية وبطش عبر عقود مجحفة دون رقيب، بل أكدت أكثر على عدم مساهمتها بشكل فعال في الإنتاج، وهذا صحيح، ولكن ليس هذا هو عيبها الوحيد. ولم تضع بديلا للنموذج الرأسمالي السائد المنتج للفوارق ليس بالعرض، ولكن بطبيعة ميكانزماته، فقط دعت إلى جعله أكثر تضامنا. ويبقى الإسلام عندها بالنسبة للنساء المصدر الأساسي للتشريع "مع ضمان احترام التشريعات الخاصة بالأحوال الشخصية لأصحاب الرسالات السماوية". وهذا يطرح مشكلا حقيقيا في المقاربة. وهو ما سيؤكده بلاغ الجماعة حول مشروع مقترحات التعديلات للمجلس العلمي الأعلى، عندما تم التأكيد على أن لا اجتهاد إلا فيما لم يرد فيه نص، وفي نفس الوقت، لم يجتهد في التعصيب الذي ليس فيه نص. وهنا يلح علينا سؤال أين تتميز الجماعة عن العروض الأخرى للإسلام السياسي ببلادنا؟ يمكن القول إن المضمون واحد وإن تعددت الصباغات التنظيمية في موضوع المساواة بين النساء والرجال.
"تتعرض الأسرة المغربية، في سياق الاستبداد والفساد وسياقات التحولات العولمية الكاسحة، لهزات كبرى تمس نسقها القيمي العام وأوضاعها الاجتماعية والاقتصادية؛ وهو ما يجعل أسرنا تعيش مآسي التفكك الأسري التي تبرز تجلياتها في ارتفاع حالات الطلاق وتزايد حالات العنف ضد الأصول، وانتشار ظاهرة العنوسة والأطفال المتخلى عنهم، ناهيك عن بروز آفات الانتحار والانحراف والشذوذ، لتقوية مؤسسة الأسرة والحفاظ على استقرارها ودوام روابطها، نقترح ما يلي: مراجعة مدونة الأسرة عبر تجديد الاجتهاد الفقهي الذي يجيب عما استجد من قضايا أسرية ونسائية معاصرة متشعبة. وعدد الأطفال المتخلى عنهم والذين يولدون خارج مؤسسة الزواج والأطفال المشردين … " (مقتطف من الوثيقة السياسية)
خطاب مشحون بالرومنسية والمثالية للأسرة، مشحون بخطاب أخلاقي للتحولات التي تعرفها، إذ يعتبر كل تحول خارج عن العادة فساد، وليس نتاج عوامل موضوعية لا سلطة للإرادة على إيقافها، مما يغلق أبواب مسارات كيفية التعامل حيالها لدمجها ضمن سلوكيات يومية للمغاربة مُتواضَع عليها، مع تأمينها بالنقاش العمومي من لدن كل حساسيات المجتمع. فمسألة الزواج المتأخر أو انعدامه بالنسبة للنساء ينظر له على أنه آفة اجتماعية، وتُنسى هذه الظاهرة عند الرجال أيضا، وهي ناتجة عن عوامل موضوعية تعليمية واقتصادية واجتماعية وأيضا عوامل ثقافية جديدة. أصبحت النساء والرجال أكثر تعليما، وأكثر استقلالا مما يتيح لهم حريةً أكبر في اختيار الحياة التي تردن، وهنا فئات واسعة قليلةُ التعليم أو غير متعلمة على الإطلاق للإخفاقات التي عرفها نظامنا التعليمي قرابة نصف قرن، لا تتوفر لديها ظروف القيام بذلك، من مسكن وعمل ودخل قار تَحُول أيضا دون الزواج مما يزيد أعداد غير المتزوجين، وهذا يحتاج لسياسات عمومية مناسبة لكل فئة تساعد الشباب على العمل والاستقرار الاجتماعي وليس خطابات التهويل الأخلاقي التي لا طائلة منها. كما أن التهويل من ارتفاع نسبة الطلاق وكأننا حالة فريدة في العالم، مجانب للصواب وغير مجدي، فالعالم الإسلامي برمته يعرف مثلنا أو أكثر هذا الارتفاع، يكفي البحث في مواقع المؤسسات الإحصائية الرسمية عن نسب الزواج والطلاق في تركيا، مثلا، لتجد أن نسب الزواج انخفضت وارتفعت بالمقابل نسب الطلاق، والحال نفسه في ماليزيا. وأن سن الزواج الأول قد شهد ارتفاعا بالنسبة للجنسين معا. وما إلى ذلك من التحولات التي تعرفها مجتمعاتنا المعاصرة. وقد أصبحت العلاقات العاطفية في الشارع مألوفةً، وزاد في ذلك ما توفره وسائل التواصل الرقمية من سهولة، وبالموازاة من ذلك برزت ظواهر أخرى مرضية (الإدمان الرقمي، العنف والتحرش الرقمي، البيدوفيليا الرقمية) لا بد من إنتاج معرفة علمية حولها عبر مقاربتها سوسيولوجيا وأنثروبولوجيا واقتصاديا…الخ.
فالجماعة تنظر لحقوق النساء باعتبارهن حافظات للأجيال ولأدوارهن في المجتمع، وليس باعتبار حقوقهن كنساء بغض النظر عما تقمن به من أدوار. وتصبح مقولة "إزالة كافة أشكال التمييز ضدهن" المستعملة في الوثيقة خاصة بفئة من النساء، اللواتي يعانين من الهشاشة الاجتماعية، للقيام بالأدوار التي يحددها لهن العقل الذكوري الأبوي المُغلَّف بالعواطف والمثالية. والأنكى من كل هذا عندما ترهن العدل داخل الأسرة بالعدل في الدولة، وهذه الفكرة سادت في الفكر الماركسي سابقا، أي أسبقية التناقضات السياسية على باقي التناقضات الأخرى، لكنها أصبحت منتقدة ومتجاوزة، بل أكثر من ذلك، لقد سُيِّست حقوق النساء والفضاء الخاص، إذ أصبحا من صميم العمل السياسي عندما تم نقل العنف الممارس على النساء، وزنا المحارم، واغتصاب الطفلات أو الأطفال من لدن الأقارب وغيرها من الظواهر المريبة، داخل هذه الأسرة "المثالية" التي يسوق لها الفكر المحافظ ويستميت للحفاظ عليها مريضةً، من الفضاء الخاص إلى عالم السياسة.
ترصيد للنقاش العمومي والاستخفاف بعمل الحركة النسائية في المكتسبات المحققة
أول ما يثير الانتباه في تصور الجماعة لأدوار النساء والعلاقة بهن ترصيدها لما تم من نقاشات حول الموضوع منذ ما يقارب أربعة عقود، (على سبيل المثال، مناهضة العنف الممارس ضد النساء، إصلاح مدونة الأسرة، وغيرهما)، وهذه مسألة في غاية الاهمية. غير أن ذلك يبقى عير كاف مما هو منتظر منها وفق ما تطمح له من أدوار في الفعل السياسي الوطني والدولي، فلا يزال يعكس منطق مسايرة النقاش حول المساواة بين النساء والرجال وليس الفعل فيه بإطلاقه عبر حفز الاجتهاد المساير للتحولات المجتمعية ولما بلغته الأمم في هذا الشأن. وهو ما نلاحظه عند باقي القوى والمؤسسات الأخرى الشعبية والرسمية.
كما أنها وفي نفس الآن، تعتبر أن كل ما تم من أجل تحسين واقع النساء على المستوى القانوني أو على المستوى الاقتصادي والاجتماعي رغم الهشاشة التي لاتزال تعشنها، يعود بالدرجة الأولى إلى الضغوطات الخارجية، وبدرجة ثانية إلى الفعل السياسي والمدني. متناسين أن ذلك كان بفضل نضال النساء أنفسهن منذ عقود خلت، يوم كانت اليساريات تجعلن منها قضية حياة ووجود، ويوم كان المنتظم الدولي لا يزال عديم الأثر في مجال حقوق النساء والمساواة بين الجنسين، مع بداية الثمانينيات. ولولا استماتة النسائيات والنسائيين، لما طرحت المدونة للمراجعة. وعلى الجماعة ألا تنسى أن الحركة النسائية المغربية دوما كانت المبادرة لإطلاق النقاش والمساهمة في توسيعه، وأنها الحركة التي ساهمت بالملموس في خلخلة الذهنيات نحو تحديث المجتمع أكثر من أي فاعل وطني آخر، ولذلك فقضاياها تلقى المعارضة الشرسة من لدن من يريدون الحفاظ على التراتبية الأبوية، كما أن هذه الحركة على الرغم مما تعرفه من تحولات داخلها، ليست أداة للاستعمال من أي أحد كان خارجيا أو داخليا، ولكنها دينامية مجتمعية جاءت نتيجة ما عرفه المغرب من تقدم على علاته لأزيد من ستة عقود. فلماذا على سبيل المثال لا الحصر لم تستطع العربية السعودية أن تنمي حركة نسائية قوية كما كان عليه الأمر منذ التسعينيات في المغرب، الا توجد منظمات دولية بالنسبة لهم. على الجماعة تصحيح هذه الموقف المبطن من تبخيس عمل الحركة لتضعه في المرتبة الأولى وأن تفتخر ببنات المغرب الحرات.
يستقيم مشروع الجماعة حول النساء على مسألتين أساسيتين، الأولى، الفساد والاستبداد، اللذين يجعلان كل من الرجال والنساء على قدم المساواة في المظلومية، والمسألة الثانية، قداسة قوامة الرجال على النساء والتي تحصر مقاربة حقوق النساء في باب رفع بعض الظلم عنهن الناتج عن مخلفات الانحطاط التاريخي، مع تجاهل حقهن في المساواة التي ترفعها الدعوات التغريبية حسب الوثيقة.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.