تحليل اقتصادي يبدو أن ارتفاع أسعار البترول في السوق الدولية، في وقت تزداد فيه حاجة البلاد إلى هذه المادة، يتجه نحو خلق مشاكل عويصة للاقتصاد المغربي على كافة المستويات ، وتمتد من الميزان التجاري والحساب الجاري لميزان الأداءات إلى الميزانية مرورا بكلفة الكهرباء وتنافسية المنتوج المغربي. تحليل: محمد نجيب كومينة هكذا ، فقد ارتفعت فاتورة واردات المواد الطاقية بمعدل 14.8 في المائة سنة 2012 ، أو13.4 مليار درهم ، وبلغت 103.7 مليار درهم بدل 90.3 مليار درهم سنة 2011 ، ومثلت مايعادل 59 في المائة من زيادة فاتورة الواردات خلال السنة الماضية ، وفي سنة 2011 كذلك كانت فاتورة المواد الطاقية وراء ارتفاع كلفة الواردات بنسبة 60 في المائة . وبإجراء عملية حسابية ، يتبين أن فاتورة واردات المواد الطاقية البالغة 130.7 مليار درهم تتجاوز تحويلات المغاربة المقيمين في الخارج ومداخيل السياحة البالغة مجتمعة 126.4 مليار درهم سنة 2012، وتلتهم الجزء الأكبر من مداخيل العملة الصعبة الذي بلغ 157.8 مليار درهم ، باحتساب مداخيل الاستثمارات الخارجية المباشرة والسلفات الخارجية . ويترتب على ذلك أن المغرب الذي يتفاقم عجز ميزانه التجاري ، بسبب ارتفاع كلفة واردات الطاقة بالدرجة الأولى وأيضا كلفة واردات المواد الغذائية والاستهلاكية الأخرى ، بشكل جعله يتجاوز عائدات الصادرات بكثير ( 197 مليار درهم عجز الميزان التجاري مقابل 183 مليار كعائدات لمجمع الصادرات سنة 2012 ) يواجه تدهورا للحساب الجاري لميزان الأداءات على قدر كبير من الخطورة ، حيث وصل إلى 10 في المائة من النتاج الداخلي الخام، وكذلك لميزان الأداءات بشكل عام الذي باتت تحويلات المداخيل تؤثر عليه سلبا بالنظر إلى حجم تحويلات أرباح الشركات والاستثمارات الأجنبية، وبالأخص أرباح فيفاندي، المساهم الرئيسي في اتصالات المغرب، التي لم تعد تستثمر في المغرب مند قرابة خمس سنوات وتحول أرباحها كاملة إلى فرنسا. حيث تجعل هذه الوضعية المغرب يواجه خطر فراغ خزائنه من العملة الصعبة في أي وقت، وبالأخص إذا ما استمرت أسعار البترول التي تقاس عليها أسعار مواد طاقية أخرى، في الارتفاع. وتمارس أسعار المواد الطاقية ضغطها القوي كذلك على ميزانية الدولة، حيث ارتفعت نفقات المقاصة ( نفقات صندوق المقاصة ونفقات دعم الدقيق الذي يتولى أمره المكتب المهني للحبوب والقطاني) إلى 56 مليار درهم سنة 2012 مقابل41 مليار درهم سنة 2011 بزيادة بلغت 36،2 في المائة من سنة إلى أخرى ، وتعود هذه الزيادة بنسبة تتجاوز 70 في المائة لدعم المواد الطاقية (الغازوال، والنزين وغاز الاستهلاك المنزلي) ، مع العلم أن هذه النفقات كانت مرتفعة في سنة 2011 مقارنة مع السنة التي قبلها والتي بلغت خلالها 3.26 مليار درهم ومقارنة مع السنوات السابقة، حيث لم تتجاوز 4.1 مليار درهم سنة 2001 على سبيل المثال، وكانت أرباح الدولة من الرسوم على المواد الطاقية أعلى بكثير من ذلك الرقم . هكذا فارتفاع كلفة دعم المواد الطاقية، التي يستفيد منها المكتب الوطني للكهرباء، تقارب اليوم 20 في المائة من ميزانية الدولة وتمثل قرابة 5 في المائة من الناتج الداخلي الخام ، وهو ما يعتبر بكل تأكيد بالغ الضخامة، والمشكلة أن تغطية الفرق بين الغلاف المالي الذي يبرمج في الميزانية السنوية والمبلغ الفعلي السنوي تتم بالاقتطاع من ميزانية الاستثمار أو أيضا بتراكم متأخرات الأداء التي بدأت ترتفع بشكل خطير، حيث بلغت خلال أكتوبر الماضي حسب الشركات العاملة في ميدان الغاز والبترول إلى 19 مليار درهم، وليس معروفا ما هو مستواها بالضبط في بداية السنة الجديدة، وإن كانت مبرمجة في مخصصات الميزانية الجديدة، وتعتبر شركة وزير الفلاحة أخنوش أكبر دائن لصندوق المقاصة، وقد يكون الخلاف الذي دب بينه وبين بنكيران مؤخرا، حسب ما تناقلته بعض الصحف ، ناتجا عن التأخر في تصفية المتأخرات لفائدة شركته التي باتت تحظى بثلثي سوق المواد الطاقية. وعدا ذلك ، فإن ارتفاع أسعار البترول قد أدى إلى ممارسة ضغوط قوية على المكتب الوطني للكهرباء الذي يواجه أزمة مالية خطيرة تجعله غير قادر على إنجاز الاستثمارات اللازمة لتطوير إنتاج الكهرباء والاستجابة للطلب المتزايد عليها ، الذي تتم تغطيته بالزيادة في استيراد الكهرباء من الجوار، علما بأن استهلاك المغربي من الكهرباء مايزال متدنيا بالمقاييس العالمية. وتمثل كلفة الطاقة اليوم عائقا حقيقيا أمام تنافسية الاقتصاد المغربي اليوم، وقد تكون عامل حجز خطير، خصوصا للإنتاج الصناعي والفلاحي والصيد البحري، غدا إذا ما باشرت الحكومة خطتها القاضية بإزالة الدعم وإذا ماستمرت الأسعار الدولية مرتفعة ، فالمغرب تابع للاستيراد فيما يخص حاجياته الطاقية بنسبة 96 في المائة والبقية تغطيها الكهرباء من أصل مائي أو ريحي لحد الآن.