أسفي.. توقيف شخصين يشتبه تورطهما في حيازة السلاح الأبيض بدون سند مشروع    طقس الأحد .. أمطار متفرقة وهبات رياح قوية    المغرب التطواني ينتصر على الوداد الرياضي برسم ثمن نهائي كأس العرش    إصابة أربعة أشخاص في حادث اصطدام سيارة بنخلة بكورنيش طنجة (صور)    الاتحاد الإسلامي الوجدي يقصي الرجاء    منتدى يدعو إلى إقرار نموذج رياضي مستدام لتكريس الريادة المغربية    اعتصام ليلي بطنجة يطالب بوقف الإبادة الإسرائيلية في قطاع غزة    مأساة بحي بنكيران.. وفاة فتاة يُرجح أنها أنهت حياتها شنقاً    بلاغ جديد للمنظمة الديمقراطية للصحة – المكتب المحلي للمركز الاستشفائي الجامعي ابن سينا – الرباط    في مباراة مثيرة.. الاتحاد الوجدي يُقصي الرجاء ويتأهل لربع نهائي كأس العرش    يوم غضب أمريكي تحت شعار "ارفعوا أيديكم".. آلاف الأميركيين يتظاهرون ضد ترامب في أنحاء الولايات المتحدة    "لن أذهب إلى كانوسا" .. بنطلحة يفضح تناقضات الخطاب الرسمي الجزائري    توقيف أربعيني بطنجة روج بمواقع التواصل لعمليات وهمية لاختطاف فتيات    أمن طنجة يفند أخبار اختطاف فتيات    حركة حماس تشيد بموقف المهندسة المغربية ابتهال أبو سعد واصفة إياه ب"الشجاع والبطولي"    باريس سان جرمان يحرز بطولة فرنسا    طنجة تتصدر مقاييس الأمطار المسجلة بالمملكة خلال ال 24 ساعة الماضية.. وهذه توقعات الأحد    طنجة .. وفد شبابي إماراتي يطلع على تجربة المغرب في تدبير قطاعي الثقافة والشباب    برشلونة يسقط في فخ التعادل أمام ريال بيتيس    هذا ما يتوقعه المغاربة من المعطي منجب؟    المغرب يرسخ مكانته كحليف تاريخي و إستراتيجي في مواجهة سياسة ترامب التجارية    فرنسا: خسائر ب15 مليار دولار بسبب التعريفات الجمركية الأمريكية    الدار البيضاء تستحضر ذكرى 7 أبريل 1947.. محطة مشرقة في مسار الكفاح الوطني والمقاومة    تحالف استراتيجي بين الموريتانية للطيران والخطوط الملكية المغربية يعزز الربط الجوي ويفتح آفاقًا جديدة للتعاون الإفريقي    جهة الداخلة وادي الذهب تستعرض تجربتها التنموية في المنتدى العالمي السادس للتنمية الاقتصادية المحلية    العودة إلى الساعة الإضافية وسط رفض واستياء واسع بين المغاربة    الفكر والعقل… حين يغيب السؤال عن العقل المغربي في الغربة قراءة فلسفية في واقع الجالية المغربية بإسبانيا    الأسرة الكروية المغربية تودّع محسن بوهلال بكثير من الحزن والأسى    دعم الدورة 30 لمهرجان تطوان لسينما البحر الأبيض المتوسط ب 130 مليون سنتيم    أداء أسبوعي خاسر ببورصة البيضاء    رحلة ترفيهية في القطب الجنوبي تقيل نائب الرئيس الإيراني    فيديو يوثق استهداف إسرائيل لمسعفين    انطلاق الدورة الربيعية لموسم أصيلة الثقافي الدولي بمشاركة فنانين من سبع دول    الفئران قادرة على استخدام مبادئ الإسعافات الأولية للإنعاش    دعوات للمشاركة المكثفة في مسيرة "الرباط الوطنية" للتنديد بالمحرقة المرتكبة في غزة    سفير جمهورية السلفادور: المملكة المغربية تعد "أفضل" بوابة للولوج إلى إفريقيا    عرض مناخ الأعمال وفرص الاستثمار في المغرب خلال ملتقى بباريس    خبراء "نخرجو ليها ديريكت" يناقشون موضوع انتشار الوسطاء والشناقة داخل الأسواق    حصيلة الزلزال في بورما تتجاوز 3300 قتيل    وكالة الأمم المتحدة للتجارة والتنمية: النظام التجاري العالمي يدخل مرحلة حرجة مع فرض الولايات المتحدة رسوما جمركية جديدة    'مجموعة أكديطال': أداء قوي خلال سنة 2024 وآفاق طموحة    ماذا بعد استقبال مجلس الشيوخ الفرنسي لحكومة جمهورية القبائل؟    الركاني: من يدعم فلسطين توجه له تهم جاهزة وعواقب وخيمة ستلاحق كل من تواطئ لجعل غزة مسرحا للجريمة    في قلب باريس.. ساحة سان ميشيل الشهيرة تعيش على إيقاع فعاليات "الأيام الثقافية المغربية"    "نفس الله" عمل روائي لعبد السلام بوطيب، رحلة عميقة في متاهات الذاكرة والنسيان    شركة "رايان إير" تُسلّط الضوء على جوهرة الصحراء المغربية: الداخلة تتألق في خريطة السياحة العالمية    بحضور عائلتها.. دنيا بطمة تعانق جمهورها في سهرة "العودة" بالدار البيضاء    الوزيرة السغروشني تسلط الضوء على أهمية الذكاء الاصطناعي في تعزيز مكانة إفريقيا في العالم الرقمي (صور)    الوديع يقدم "ميموزا سيرة ناج من القرن العشرين".. الوطن ليس فندقا    تكريم المغرب في المؤتمر الأوروبي لطب الأشعة.. فخر لأفريقيا والعالم العربي    دراسة: الفن الجماعي يعالج الاكتئاب والقلق لدى كبار السن    دراسة: استخدام المضادات الحيوية في تربية المواشي قد يزيد بنسبة 3% خلال 20 عاما (دراسة)    خبراء الصحة ينفون وجود متحور جديد لفيروس "بوحمرون" في المغرب    العيد: بين الألم والأمل دعوة للسلام والتسامح    أجواء روحانية في صلاة العيد بالعيون    طواسينُ الخير    تعرف على كيفية أداء صلاة العيد ووقتها الشرعي حسب الهدي النبوي    الكسوف الجزئي يحجب أشعة الشمس بنسبة تقل عن 18% في المغرب    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



بنت عمي ...ILLISSE N 3AMI


ذ.زايد جرو

فصل الصيف في بلادنا مختلف: فجره وقره، وأناسه ..يأتي الأعمام والأخوال من بلاد الأجانب محملين بأصناف مختلفة من حبوب البن وصناديق من الشاي الصيني الأخضر وكؤوس متنوعة من الزجاج رسمت فيها السنابل الصفراء الزاهية وصحون شديدة اللمعان يتباهى فيها الطاووس بنثر ريشه الجميل المتميز وأنواع من العطور التي تبدو غالية++ الثمن لجهلنا بماركاتها ..نسمع هدير سيارة عمي فنطل من النوافذ فرادى وزرافات ، يفتح عمي باب السيارة وترى أبناءه مصطفين واحدا تلو الآخر يخرجون دون نظام يتسابقون ، أياديهم وأياديهن تداعب خصلات شعر تآكلت وشاخت بكثرة المرطبات والمشط كل واحد منهم يرتدي سروالا قصيرا وقميصا فيه أصناف من الكتابات بالفرنسية وأحذية مختلفة برائحتها النتنة لا تدل على جودتها ، لباس لا يقيهم برد الشتاء ولا حر الصيف، لكنها لباس والسلام . كل منهم .يتأبط (أقرابا ) صغيرا فيه بعض الأوراق النقدية الأوروبية ومذكرات فيها أرقام هاتفية بعضها مكتمل والبعض الآخر تنقصه أرقام ...أما أوراق السفر والجوازات فقد حبست في حقيبة العم وهي أوراق صعبة كما يحكي لنا على الدوام ،وصعب أن يحصل عليها المرء بسهولة ويجب حفظها وصياتها ووضعها تحت المخدة ليلا حتى لا يسرقها شخص ويهاجر بها تحت اسم مستعار ويغادر بها الوطن قبل موعد السفر .


نزلت الحاجة زوجة عمي المصون تسلم وتكلم بلغة لا هي أمازيغية ولا هي فرنسية ،فضاع كلامها بين اللغتين: فمها مملوء بأسنان صفراء صنعت من الذهب وبعضها الآخر أصفر من عند الله ،ترتدي أنواعا مختلفة من العقود الذهبية التي طوقت عنقها حتى تدلت كأصناف الثريات أما الأيادي،فكأنها صنعت من أساور: تسمع لحليها وسواسا وصوتا إذا انصرفت كما استعان بريح عشرق زجل، أصابعها وراحة اليد صبغت بحناء سوداء غريب سوادها ....جلست بجانب ابن عمي شممت رائحة غير عادية وغير مألوفة فبدأت بالعطس ربما أنفي قد ألف رائحة الغبار وروث الدواب والحشرات ولم يألف الرائحة التي تفوح من لباس الأجانب...بدأت أمي المسكينة تعد كل الأشياء من الحساء(أحرير) الذي يسهل الهضم والذي يجب البدء في إعداده بعد صلاة الفجر، إلى الكسكس المفتول الممزوج بنوع خاص من( السمن ) الذي مرت عليه سنون عديدة ليؤكل الطعام في العاشرة صباحا ثم يجب إعداد الغذاء، ولا يجب أن تنسى الأم بضرورة العودة إلى الكسكس في الرابعة مساء.....بل يجب ألا تكل أو تشتكي بمرض بل يجب ألا تفارقها الابتسامة لأن غضب عمي شديد ،و يجب ألا نفقد زيارته الميمونة التي تطل علينا كل صيف، مثلنا مثل جارنا عمي إبراهيم الذي تزوره أخته الحاجة رقية.....أبي على بساطته يضحك ملء شدقيه يسلم حتى على الناس الذين لا يسلم عليهم في الأيام العادية، يتقدم أخاه الحاج وأحس به يكاد يطير من الفرح وقلبه يسع لكل الأشياء.. يتبضع المسكين أبي يشوي لهم اللحم والكبد والقلب ولو أنه ليس يوم عيد الأضحى ويكاد يشوي نفسه لهم إرضاء..، نصنع لهم الراحة وهم فرحون ولا يمدون أياديهم لجيوبهم إلا يوم السوق وكأن الأيام الأخرى لا نفقة فيها ولا آكل..أختلسهم جميعا وآخذ خرطوم الماء من جارنا العزيز لأغسل لهم السيارة التي علاها الغبار في بلدتنا المغبرة لنظهر للجيران أننا أسرة واحدة وأبحث داخل السيارة عن أي شيء أشم فيه رائحة الخارج ،أصاب بالتعب تطل أختي(خديج) كما يحلو لنا أن نناديها ويناديها الجيران والأحباب غير الأحباب...ترثى لحالي وتتأسف على ما أفعله لكن الخجل والاحترام أرغماها على ابتلاع الغضب وامتصاصه ، لكنني معجب بما أفعل أشد العجب. .
أوشكت عطلتهم على الانتهاء، تستعد الطيور المهاجرة للسفر من جديد حيث رمت بها رياح الشمال وحيث بنت أعشاشها ولم تجد خيارا لذلك ..وقرر الكبار(حيث لا مشورة لنا) أن في السنة المقبلة إن شاء الله في مثل هذا الوقت بالضبط سأكون عريسا لابنة عمي حسناء التي لا حسن فيها: منظرها لا منظر فيه :جبهة عريضة أسدلت عليها خصلات شعر ممزقة وقصيرة ورثت من أمها خدين مرهلين و منتفخين شفتان غليظتان أنف عريض أسنان مفلجة وعريضة وجسم مكتنز، منظر فيه عجب وعجب، خليقة الله، بقر يمشي دون ذنب ، ولا حول ولا قوة إلا بالله يا أحبابي....تكبرني سنا بأربع سنوات : و في دوارنا ركب الزواج قد سافر عنها والعيب كل العيب أن تبقى ابنة العم بائرة (تبور)، ويجب سترها ، اللهم استر عيبنا وعيب أهلنا والمسلمين عامة يا ستار العيوب ،كما يقول فقيهنا في دعائه يوم الجمعة ستر الله عيبه.....
رضيت بعرض الزواج طبعا، لأن غضب عمي عسير كما قلت رأيت أمي غير راضية سَرَََت على وجهها ابتسامة جافة خفيفة ، نادبة ، على حالها وحال ابنها خالد لكن المقابل يا أمي غال وثمين سأعيش في بلاد الخارج بلاد المهجر والمهاجرين الذين لا يقبلون كلمة (امكُري) لما لها من دلالات قدحيه ...وكم تمنيت ابنة خالي الذي يغرق بيتنا باللباس البالية المستوردة الجميلة ، آه على ابنة خالي نبيلة فيها كل النبل والحسن نظراتها تشفي العليل، وتبرئ المريض ، عيناها نرجس ،خدها كالورد، وأسنان كالبرد، ناعمة الكفين نؤوم الضحى ،فم كالخاتم، يا سلام على خالي وما ولد، وما زادها الصمت إلا جمالا في جمال ، أخفي لوا عجي ما أمكن فيهرب مني الكلام ، ويفضحني الشوق ، حفرت اسمها على جدران ( أحانو نواليم ) (بيت التبن) وسرت في دنيا المشاعر بحبها حالما مغردا ...كبر بها ظني ولي على ذلك ضامن وكفيل والله على ما أقول وكيل... كم من مرة كتبت لها أحلى خبر : (أحبك جدا) فتجاهلت، فيا ليتني ما كتبته ويا ليتها ما قرأت الخبر ..
مرت الأيام كالبرق الخاطف عاد العم، وتم الاحتفال بعرس ابنة عمي في جو عجيب من الأنس والطرب ،يتطلع أبناء قريتي إلي، وأعرف ما يتهامسون به لكن لا مشكل...وجدت نفسي بعد أيام في بلاد المهجر و أجبرت كبريائي على العمل في موضع لا يليق بي حتى أتدبر الأمر ، أنقل التراب و الحجر ، و الأمتعة الثقيلة والخفيفة من كل الأحجام ، أظل منحني الظهر، أصلح للركوب ، ولأي شيء تتصوره ....،أصابعي لم تعد صالحة للمداعبة علتها التجاعيد والتعب و(تَمَرَا) أحس بها تؤلمني حين أتمضمض ساعة انهزامي وعودتي للتضرع لخالقي ، خدايا علتها بعض القشور البيضاء وبعض الحفر كأنه الجذري .. شفتاي لا تمطر حبا بل نارا في كثير من الأحيان.. لكن صورتي عمي لا تفارقني حيث يحترمني أشد الاحترام، فردُدت في نفسي: انتسبت إليه واعتمدت عليه ونزلت في جوارحه وشربت كأس وده ويجب أن يكون ظني به حسن.... ولأول مرة أصبح خالد صاحب بيت وأثاث ومرتب. سروري لا يعادله سرور حيث كسيت عزيزا وغنيت بود عمي وأسرته. امتلأ قلبي أنفة وأنا أبعث أول حوالة خلسة لأبي دون أن تشعر زوجتي حسناء بذلك ، تخيلت أبي يتسلم الحوالة من أمغار ويقدمها لبعض أصدقائي الجبناء الذين أعرفهم يتوسلون لصداقة أختي في غيابي ولا يحفظون الود والعهد وأن زياراتهم لبيتنا ستكثر للسؤال عني لكن في أنفسهم أغراض لن يقضيها الله لهم .. أتصور أبي معجب بالحوالة وبابنه في الخارج الذي له مرتب محترم، ولا يعرف أبي الوقور ما أعانيه من تلهف إليه فالشوق يعصر دموعي : نهار متعب وجسد منهك، فلا أنا هنا ولا انأ هناك أبيت أهذي قبل النوم، الموت والظلام ، غريب من دار لدار ، وأمان غير دائم في بلاد الأعداء، نفسي تصعد بالأسى والتلهف، والأكف مبسوطة تلتمس الفضل: فكم من كاذب هنا قد صدق ومن صادق قد كذب ، وما أشد بكائي على البعد : أبحث عن يد أمي التي تطعمني وتغطيني وتمد وسادتي لأسمع أنينها ، ينساب إلي من خلال النعاس ،وهي ترقد في سرير صلب لا نعومة فيه، بجانب أب قتل الفقر طموحه ولوى الزمان يده على العصا ، أحن إليك أيتها الأم فلكل نفس منَى وشان وأنت منيتي وشاني أتذكر دعاءها المسكينة والمنكسرة ، حين هممت بالرحيل تقول وتكرر : (يا ابني الله يجعل المفاتيح في يدك ) ،(أديك ربي تسورا غو فوس نك .أديك ربي سدنا محمد دا شفيعنك .أديك ربي إختارن كو أبريدنك . أديك ربي غوفك ديما أشطاط نستر ..) وتوصيني بالصبر والتجلد والحذر من العواقب وتقول: إن لم تروض نفسك على الصبر شقيت وشقينا معك ...فأعود لرشدي وبيتي وأفكر ما ذا أعددت لضيفي الصغير الذي سيزورنا بعد أيام قلائل.... ،فلك السلام من قلب جريح وفؤاد ذبيح وضمير صحيح ، بل أحن إلى كل الأشياء في بلدتي : شهر رمضان الكريم، وليلة القدر وما يصاحبها من تكبير وخشوع وتبضع كل ما هو مفرح ، وعيد الأضحى الذي نجتمع فيه حول كبش نغدر به ونذبحه ولا نراعي حفظ العهد والعشرة الطويلة معه داخل بيت واحد، والله أحن إلى كلمة لا إلاه إلا الله التي تردد بصوت جماعي واحد ، خلف الجنازة حيث يبعث فيك المشهد الرعب والخوف، كل الأشياء هنا طعمها بارد العيد لا عيد ، ورمضان لا رمضان .والإنسان لا إنسان .... اللهم خفف ما نزل ...
يجهل أبي أيضا ما أقاسية مع ابنة عمي التي كرهت حتى رائحتها أصطنع الأعذار للتغيب عن البيت أسافر عند بعض الأصدقاء من بلدتي نشرب من الجعة والفوتكا كؤوسا دهاقا، نشرب ما لا نشربه من الماء العذب السلسبيل ، حيث يسعفنا الكأس ولا تسعفنا العبارة ،نرقص حتى الثمالة كل أسبوع لنسيان الماضي والحاضر والمستقبل ، نسترجع الذكريات ونتخلص من الحياء ، ونطلق العنان لفيض من الدموع الذي نجهل من أين أتت . فبما التعلٌل لا أهل ولا وطن، فيا ويح ما أصبنا به ويا ويح ما أصيب به أهلنا ، فكل الأموال التي يمكن أن نجمعها لا تساوي شيئا، مقابل سماع صوت والدتك تناديك صباحا، تطعنك الغربة وتطحنك، وتحرمك من نفسك ،وتنسيك كل ما هو جميل ، نشرب العلقم ونداري الرقيب ونحتمل المحن: التعب في الليل والنهار،أدق باب بيتي فتفتح حسناء الباب فلا تحييني ولا أحييها وأسد أذني عن لغطها وهي تجرني إلى الذي يحدث كل يوم .في بعض المرات -وهي قليلة- تبتسم وتحدثني عن وجهي الذي يصفر وتشفق علي، وتغطيني في الليل وتلبي كل طلباتي ، كأنني طفل مريض، ورغم ذلك أشعر بالمرارة . وحشة ووحدة ودهشة...نراقب القنوات الوطنية ونردد كلمات لها في العمق جرح، فيتبدل الإحساس بين الأنا مع الأنا، والأنا مع الآخر،..ولله الحمد بدءا وعودا ، ولله ما أعطى وما أخذ ، همومنا واحدة نجرر الغصص كاظمين ونتفرد بالخلوة هائمين فيطال عطشنا وتشتد دهشتنا وكم تمنينا أن نبقى في البلد ولو دون عمل وزواج : الكراهية من الأهل والعنصرية من الأجانب والطمع من الأقارب فنلعن سوء الحظ الذي رمى بنا.في هذه الأرض. .
حل الصيف موسم الهجرة نحو الجنوب لا نحو الشمال كما قال الطيب صالح وهو موعد الحصاد، جمعنا كل الأمتعة التي نجمعها طول السنة ونخزنها في مآرب حتى تكثر: نجمع أي شيء..الذي يليق والذي لا يليق لكنه نافع في بلدتي خوفا من مكر الزمان الذي لا يؤتمن :يعطيك باليمنى دون حساب ويأتي ليأخذ باليسرى ما منح ،يهبك الصحة والشباب فيعود ويضربك بأسهم من المرض لا ريش لها ولا عقب .. وسافرنا في موكب عظيم من أهل الوطن تجنبا للصوص،دخلنا الجزيرة الخضراء ، وما أطيب اللقاء بحضارة العرب الذبيحة بالأندلس :تاريخ عربي مجيد تولدت من خلاله الأبعاد والأبعاد :إيه يا بلاد المعتمد بن عباد ،وابن زيدون وولادة بنت المستكفي ،ولسان الدين بن الخطيب الذي تقطع لسان شعره ، كما تقطعت أوتار زرياب ، تذكرت الحضارة العربية البائدة التي كانت راياتها مرفوعة وجيادها موصولة وتذكرت ما شعر به شوقي حين نفي إلى الأندلس ،مخاطبا تاريخ العرب بالأندلس وكل الذين صنعوا تاريخا مجيدا دام سنوات عديدة لله الدوام ( : رسم وقفنا على رسم الوفاء له ،... نجيش بالدمع والإجلال يثنينا...، ناب الحنين إليكم في خواطرنا .....عن الدلال عليكم في أمانينا ....،جئنا إلى الصبر ندعوه كعادتنا ...في النائبات فلم يأخذ بأيدينا .. وما غلبنا على دمع ولا جلد...حتى أتتنا نواكم من صياصينا ...) ،فما أغرب التاريخ الذي عاد بي إلى أجواء الدراسة وما تعلمناه من أستاذنا في اللغة العربية (عمي زايد)كما يحلو لنا أن نلقبه احتراما وتواضعا وألفة ، جررت كل التاريخ لأقرأ بعض الأمجاد ومسحت جرحا نازفا قديما ومسحت بفؤادي ، جرحا آخر في الحاضر، فنحن لا نستطيع دخول مدن سابقة كانت لنا: ك: بلنسية، اشبيلية ،وغرناطة .. بل لا نستطيع الدخول لمعانقة الأنا من خلال زهو أمجاد أجدادنا الذين دخلوا هذه الأرض أسيادا فاتحين ،غانمين، وخرج منها وارثوهم غير المبصرين جيفا أشلاء خائبين، ،مشردين، وسقطوا بين أنياب عصر افترس التاريخ والأمجاد والقصائد وودٌعوا فيها رجلا كان يسمى طارق بن زياد .. قلت نتوقف لأكل ما أعددناه من أطعمة قبل موعد السفر، فلا يمكن أن ندخل المدن لغلاء الوجبات فيها ، نحتشم في نقطة العبور من أمتعتنا: فيها الدراجات العادية بأعداد كبيرة ، وبعض الأجهزة الإلكترونية التي لم تعد تنفع النصارى في عيشهم وبعض الزرابي المتآكلة ...و لكنها خردوات عزيزة على قلوب المعلمين والأساتذة والموظفين والأعوان : يجتمعون حولها كالذئاب يلعقون ألسنتهم على جودتها ويبصبصون بأصابعهم على فرصها الناذرة ، ويقبلون عليها في الصباح الباكر قبل وصول أهل القرى المجاورة،الذين يأتون على الأخضر واليابس من اجل اقتنائها و إعادة بيعها لاحقا في االأسواق الأسبوعية...
وصلنا في الصباح الباكر جاءت الأم مهرولة فاستسلمت لذراعيها النحيلتين وهي تعانقني عناقا فوضويا صادقا أسمع دقات قلبها ، بكل حرارة ، قبُلت الأم جبين المولود الضيف الذي لا يشبهني كثيرا ، ورددت متحسرة بعبارات مقتضبة قائلة: البيت من غيرك يا ابني قبر وعذاب، مرت السحابة وأنا أنظر إلى أختي وهي ما زالت متأسفة وكأنها تحمل شكوى وغضب وترغب في أخذ ثأر ما، ساعة سفري ،فمن يدري ربما أحد الشبان، قد قلل من العفة أو زاغ لسانه عن الصواب، ولم يحفظ حسن العشرة والجوار، وهم شبان ليسوا كراما ، لكنني سأربي الأوغاد ،وهم يعرفونني جيدا في مثل هذه المواقف ... دخلنا البيت جميعا عادت الأم للمحنة من جديد من طهي وكنس.... وإعداد أفرشة تليق بالمقام ، وضاع الأب والعم في الحقل ،ولا شيء تغير... مشاهد تتكرر.. قضيت العام بعد العام،بعد العام، وكلها أعوام كالإعصار: لا هو قد مر، ولا هو قد هدأ ، تنام وتستيقظ وتخشاه على الدوام ،عدنا هذه المرة بعدما بدا ابني الذي لا يشبهني كثيرا كما قلت يردد بعد الكلمات التي حفظها من زوجة عمي التي تزداد أسنانها صفرة يوما بعد يوم التحقت بعملي المتعب وحملت بعض الهدايا :من التمر واللوز البلدي و ( ورابوزا ) نقشت عليه اسم بلدتي، وهديته لمشغلي(مسيو آرنو ) شكرني كثيرا وردد بعض الكلمات التي لم أستوعب مضمونها .جاءت رياح الشتاء والكل متلحف درءا للسعات البرد. استيقظت صباح يوم الجمعة ، التحقت من جديد بالعمل بعدما رسلت يوم الأربعاء حوالة جديدة لأبي ... سمعت رنات هاتفي اهتزت جوارحي لسماع رضى أبي كعادته في كل حوالة لكنني تذكرت ليلة البارحة حيث عشت رعبا في نومي ولا رعب أشبه به ، شممت رائحة الموت تحلق في بيتي ،وزوجتي حسناء التي ازدادت قبحا ،يسمع شخيرها من بعيد، هادئة مطمئنة بابنها، وأهلها القريبون تعيش دفءا عائليا بهم كل يوم عندما تضيق بها ا لأحوال ، أجبت على رنة الهاتف سمعت صوتا مبحوحا إنه صوتي أمي المنكسرة، ولأول مرة تهاتفني حيث كنت دوما أنا الفاعل كعادة كل المهاجرين ،فهم من يهاتفون لأنهم في بلاد( برة)، أول عبارة التقطَتها أذني : (خليد إمت بانك أممينو أترحم ربي ، الباركة ديكون، ك أرياز هات أورلي خس ربي) .(مات أبوك يابني فليرحمه الله كن رجلا فالدوام لله) ركعت على ركبتي أشفي غليلي من البكاء، أرقص مذبوحا من شدة الألم، جاء الرفاق جاء مسيو آرنو وردد آمين ولا ادري ما معنى العبارة في مثل هذه المواقف، لبستني الثياب واتجهت نحو البيت فوجدت الخبر ، ما زال طريا، حج الناس للبيت ولا وقت لي لهم، يجب أن أكون هناك استحضرت أجواء الجنازة والعبارات التي تردد حتى باب المقبرة واشتهيت أن اقبل يد أبي ورأس أمي وأعانق أختي ، لكنني في بلد لا يعرف أهله أن الجنازة محترمة نسير من خلفها متأسفين يواسي بعضنا البعض نجتمع في المسجد نشرب اللبن والحليب والشاي ونأكل التمر والكسكس في جو حميمي بمسجد بلدتنا لمدة ثلاثة أيام ، الكل هنا لا يعرف أن خالد قد هزمه الزمن وأتعبه الوهن ، حزمت كل أمتعتي وتركت الكل للكل.. لأول مرة أركب الطائرة اعترتني دوخة عظيمة فقلت ربما الموت يصاحبني وجاء دوري .. وصلت و وجَدت المأتم قد انتهى وما بقي غير الألم ،عاودَت أمي البكاء والنحيب ، ووصفَت لي جو الجنازة الرهيب والجمهور العريض الذي صاحب أبي وقد تزامن الدفن مع يوم الجمعة وكان محظوظا حيث حل ضيفا على المقبرة في يوم قدره عظيم عند المسلمين ربما لأنه كان عظيما فلم يسمع له عيب في بلدتنا أبدا ...جفُت دموعي ونضبت وبدأ التأسف من جديد وازدادت الأمور تعقيدا : أمٌ أرملة وأخت في ريعان الشباب والجمال ، من يحمي عرضنا من الشبان الأوغاد بعد غيابي ؟ مشكلة تركتها حتى مجئ عمي الوقور الذي نخاف غضبه...سيأتي بعد فوات الأوان، بعد أيام قد تقل أو تكثر.. ... .. أردد طيلة هجرتي واغترابي في معاناتي، معاني إيليا أبي ماضي :(جئت لا أعلم من أين ولكنني أتيت ،وسأبقى سائرا إن شئت هذا أم أبيت ،أبصرت قدامي طريقا فمشيت، وكيف أبصرت طريقي لست أدري..) مرضت باليأس، فكيف الخلاص.. ، هزأت بي الأماني و كان ينبغي أن أحب الحياة حتى النهاية، لكنه شعور بالسأم والنزوع إلى الهرب ،فلم أقدر أن أكون شجاعا ولو لمرة واحدة أضعف أمام ابنة عمي وأقول في عناقها نفاقا: أنت القمر: ولا أكترث بما يقوله الناس، ولا بما تقوله زوجتي حسناء :(رضيت بابن عمي زوجا لي) ولا تكترث هي أيضا بما أقول : (رضيت بابنة عمي البائرة زوجة لي) وفي اختلاف مواقفنا تولدت العجائب ......والغرائب..... وليرحمنا الله على ضعفنا وطمعنا...و..و.... وتستمر الحياة.../


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.