استيقظ في الصباح، وكاد أن يرجع إلى النوم، أو يأخذ كتابا يطرد به سآمة الوقت المتكرر. إنه يوم الأحد، يوم عطلة، والشاب أحمد موظف، ينتظر عطلة الأسبوع بشوق متطلع، لكنه في يوم عطلته تتجدد خيبته... أين تراه سيذهب يقضي عطلته. مدينته كأنها فناء واسع خصص لطرح قمامات الازبال، وهو حين يتجول في أزقتها تكاد تلجم أنفاسه ذرات الغبار المترامي في الفضاء، أرصفة الأزقة متهدمة، شوارعها متآكلة كأنها أصيبت بمرض الجذام . تترامى عبر أطرافها حفر كثيرة، أما قطع الحجر فموزعة في كل مكان، والمحظوظ من سكان هذه المدينة من تخطئه هذه الحجارة حينما تتراشق بها أيدي التلاميذ وهم يلعبون قرب مدارسهم أو حين خروجهم منها قاصدين منازلهم. أما أكوام الازبال، فإنها أصبحت جزءا من جمال المدينة، ولست في حاجة أن أحدثك عن فصل الشتاء، أترك خيالك نفسه يرسم ما شاء من الصور واللوحات، يكفي أن أنصحك بالنباهة والحذر حتى لا تتلوث ثيابك بالماء المخلوط بالوحل خصوصا إذا مرت بجانبك سيارة أو شاحنة. فكيف لا يضرب الشباب أحمد عن التجوال في شوارع مدينته يوم عطلته الأسبوعية، وهو شاب يحب النظافة ويتمنى لو كانت بمدينته حديقة جميلة، يتضوع من جنباتها أريج الزهور، ويصفع صمته الظليل خرير ماء نافورة حالمة، يتلألأ ماؤها الفضي المترقرق، ومن حين لآخر تأتيه من بعيد صدحات ساحرة ترسلها سقسقات الطيور بأنغامها الجميلة. كم من مرة تكوم في مكانه برما متضجرا، ناقما، يلعن في نفسه متأففا: - حتى حديقة أجلس تحت أشجارها للقراءة والتأمل... أية لعنة هذه... لماذا لم يلغوا عطلة الأسبوع بهذه المدينة... ويشرع يدفن همومه في قراءة كتاب أو يتفرج شاردا وهو ينظر في قنوات التلفاز، سرعان ما تتحول هذه الفرجة إلى سخط وغيظ وتضجر، فتذهب أصابعه دون مشورته لتضغط على الزر الآلي فينطفئ التلفاز مخلفا صمتا صقيعيا، ويعود من جديد على اللعنة والتسخط: - لماذا أتفرج على هذا التلفاز المهيج... لأزداد اختناقا وأنا أنظر إلى شوارعه الجميلة، وأناقتها الخلابة... علبة كل ما بداخلها من صور ومناظر تغري بالروعة والدهشة والجمال... هل سيفني المرء عمره أمام هذه العلبة لينسى جحيم مدينته وغبارها المترامي في الفضاء على الدوام؟ تترامى يده نحو كتاب... أي كتاب... يتصفحه ضجرا... يناوشه غثيان ممل، فيمني نفسه بجولة عابرة في شوارع مدينته، سرعان ما يرجع هاربا من فوضى ضجيج الأطفال، ومن نفايات الازبال المترسبة فوق الأرصفة. عطلة واحدة يقضي ساعاتها كأنها أكياس ثقيلة يحملها إلى قمة جبل شاهق. حتى إنه سافر في إحدى عطله السنوية إلى ألمانيا، فأصيب بزكام ناشئ عن جو لم يألفه، ذهب إلى طبيب ففحصه، فكان أول سؤال الطبيب: - هل تعيش بمدينة كثير غبارها؟ فما كان من أحمد إلا أن يكذب على الطبيب ويسخر في آن واحد من مدينته التي تلاحقه بكآبتها في كل مكان: - لا... بل إنني أعمل في معمل للإسمنت... لكن كيف عرفت هذا اللغز يا دكتور؟ ابتسم الطبيب وهو يلهج بإجابة وديعة: - ليس في مهنة الطب ألغاز... الكشف أنبأني بأن جهازك التنفسي متعفن بترسبات الغبار... حينما رجع احمد من ألمانيا، كان حديثه الوحيد هو التغزل بجمال تلك الشوارع وبتلك الحدائق، حتى إنه صرح أكثر من مرة: - لو خيرت أن أكون مجنونا أتصعلك في تلك الشوارع، وأنام في حدائقها الساحرة لكان عيش طيب... سرعان ما يستدرك: - لكنهم هناك... لا يتركون حمقاهم يفزعون المارة ويفسدون عليهم هدوء التجوال، وإنما يتعدونهم في المصحات العقلية حتى يتماثلوا للشفاء... على عكس هذه المدينة النكدة الحظ، يقصدها المجانين والشُحاذ من كل فج عميق. ها هو في هذه العطلة الأسبوعية أضجرته جدران غرفته، وألقى بكتابه فوق الفراش، وخرج ليتجول جولة قصيرة ثم يرجع إلى سجنه الاختياري ليقضي ما تبقى من يوم عطلته في عد أنفاس الدقائق والساعات. كاد أن يهلوسه الشك، ولم يصدق ما تراه عيناه، ولو حجارة واحدة ملقاة فوق الأرصفة والشوارع، وكاد أن يصدق أنه في قبضة فخ، أو لعبة ماكرة نسجتها له مصيدة الهلاوس. زقاق حارته نظيفة، كنست أتربتها، وجمعت كل تلك الحجارة، حتى تلك الحفر عالجوها، ورمموا شعثها، وذهب عنها مرض الجذام الذي كان ينخر قشرتها القوقية بالبثور والحفر المتهدمة. شعر بارتياح داخلي داهمه على حين غرة، وأغراه بتمديد مدة التجوال بعد أن كان ينوي القيام بجولة قصيرة، ثم يرجع إلى غرفته ليجتر أحزانه، وخيبته في يومه المشؤوم... يوم عطلته. وصل إلى مقبرة المدينة فهاله المشهد، عمال البلدية في حملة جماعية يشذبون تلك الأغصان المتدلية على القبور في فوضى متناثرة ويقلعون أعواد القصب من الجذور، لأن مقبرة المدينة معروفة بكثرة أعواد القصب. وقف يتأمل، فانبرى خياله الصامت يردد لحن فرحة مندهشة: - تراهم رجعوا إلى رشدهم، وعاد إليهم حنينهم إلى أصول النظافة والجمال؟ ...أم أن وزيرا أو شخصية رفيعة المستوى ستزور مدينتنا؟ أرجو ألا تنقطع زيارة الكبراء لهذه المدينة العريقة في الوحل والعفونة. وقفت سيارة البلدية، وهي تحمل الشارة الحمراء، ترجل منها مرشح معروف بنومته الكهفية، ولا يأتي أوان استيقاظه إلا في حملة من الحملات الانتخابية. أخذ يرقب العمال بجديته الحازمة، فازداد نشاط العمال، وتوارى ذلك الكسل المشاغب، حينئذ انقدحت في ذهن احمد خيوط اللعبة... طبول الانتخابات تقرع ألحان موسم الصلح مع الفضيلة... واصل مشيته وهو يمضغ خيبته، وعاد إلى ذلك التجهم كما كان وطفق يهمهم بنبرات ناقمة: - آه... لو كانت فلسفة الانتخابات تمشي على قانون هذه المسطرة العجيبة... يوم للحملة... ويوم للجلوس على كرسي المسؤولية... ليتهم فعلوا... وما أضنهم سيفعلون... هل تريدهم أن يحدثوا نقابة جديدة للدفاع عن جيوب كانت تملأ بأمان، وها هي تصرخ وتحتج... وتنكشف خيوط اللعبة... كان ينوي أن يطيل مدة جولته، لكنه غير رأيه، وقفل راجعا إلى غرفته ليقضي بقية يومه في القراءة والفرجة على برامج التلفاز. انتهت القصة ملحوظة: المكان موضوع أحداث القصة هو مدينة القصر الكبير مسقط رأس الكاتب وفضاء روايته الأخيرة "أقواس حزينة".