الاتحاد الإسلامي الوجدي يقصي الرجاء    اعتصام ليلي بطنجة يطالب بوقف الإبادة الإسرائيلية في قطاع غزة    منتدى يدعو إلى إقرار نموذج رياضي مستدام لتكريس الريادة المغربية    اعتداء جسدي بليغ على عميد شرطة والرصاص يقوم بالواجب    مأساة بحي بنكيران.. وفاة فتاة يُرجح أنها أنهت حياتها شنقاً    في مباراة مثيرة.. الاتحاد الوجدي يُقصي الرجاء ويتأهل لربع نهائي كأس العرش    يوم غضب أمريكي تحت شعار "ارفعوا أيديكم".. آلاف الأميركيين يتظاهرون ضد ترامب في أنحاء الولايات المتحدة    بلاغ جديد للمنظمة الديمقراطية للصحة – المكتب المحلي للمركز الاستشفائي الجامعي ابن سينا – الرباط    "لن أذهب إلى كانوسا" .. بنطلحة يفضح تناقضات الخطاب الرسمي الجزائري    توقيف أربعيني بطنجة روج بمواقع التواصل لعمليات وهمية لاختطاف فتيات    أمن طنجة يفند أخبار اختطاف فتيات    منظمات حقوقية تدين تهميش المهاجرين المغاربة في مليلية المحتلة    حركة حماس تشيد بموقف المهندسة المغربية ابتهال أبو سعد واصفة إياه ب"الشجاع والبطولي"    باريس سان جرمان يحرز بطولة فرنسا    كأس العرش: الضربات الترجيحية تهدي التأهل لأولمبيك آسفي إلى ربع النهائي على حساب شباب السوالم    طنجة تتصدر مقاييس الأمطار المسجلة بالمملكة خلال ال 24 ساعة الماضية.. وهذه توقعات الأحد    طنجة .. وفد شبابي إماراتي يطلع على تجربة المغرب في تدبير قطاعي الثقافة والشباب    المغرب يرسخ مكانته كحليف تاريخي و إستراتيجي في مواجهة سياسة ترامب التجارية    برشلونة يسقط في فخ التعادل أمام ريال بيتيس    هذا ما يتوقعه المغاربة من المعطي منجب؟    جهة الداخلة وادي الذهب تستعرض تجربتها التنموية في المنتدى العالمي السادس للتنمية الاقتصادية المحلية    فرنسا: خسائر ب15 مليار دولار بسبب التعريفات الجمركية الأمريكية    الدار البيضاء تستحضر ذكرى 7 أبريل 1947.. محطة مشرقة في مسار الكفاح الوطني والمقاومة    تحالف استراتيجي بين الموريتانية للطيران والخطوط الملكية المغربية يعزز الربط الجوي ويفتح آفاقًا جديدة للتعاون الإفريقي    العودة إلى الساعة الإضافية وسط رفض واستياء واسع بين المغاربة    الفكر والعقل… حين يغيب السؤال عن العقل المغربي في الغربة قراءة فلسفية في واقع الجالية المغربية بإسبانيا    الأسرة الكروية المغربية تودّع محسن بوهلال بكثير من الحزن والأسى    دعم الدورة 30 لمهرجان تطوان لسينما البحر الأبيض المتوسط ب 130 مليون سنتيم    فيديو يوثق استهداف إسرائيل لمسعفين    أداء أسبوعي خاسر ببورصة البيضاء    رحلة ترفيهية في القطب الجنوبي تقيل نائب الرئيس الإيراني    انطلاق الدورة الربيعية لموسم أصيلة الثقافي الدولي بمشاركة فنانين من سبع دول    الفئران قادرة على استخدام مبادئ الإسعافات الأولية للإنعاش    كلميم.. القضاء يدين عدة مسؤولين بينهم رئيس الجماعة بالسجن النافذ في قضية تبديد واختلاس أموال عمومية    دعوات للمشاركة المكثفة في مسيرة "الرباط الوطنية" للتنديد بالمحرقة المرتكبة في غزة    سفير جمهورية السلفادور: المملكة المغربية تعد "أفضل" بوابة للولوج إلى إفريقيا    عرض مناخ الأعمال وفرص الاستثمار في المغرب خلال ملتقى بباريس    خبراء "نخرجو ليها ديريكت" يناقشون موضوع انتشار الوسطاء والشناقة داخل الأسواق    حصيلة الزلزال في بورما تتجاوز 3300 قتيل    وكالة الأمم المتحدة للتجارة والتنمية: النظام التجاري العالمي يدخل مرحلة حرجة مع فرض الولايات المتحدة رسوما جمركية جديدة    'مجموعة أكديطال': أداء قوي خلال سنة 2024 وآفاق طموحة    ماذا بعد استقبال مجلس الشيوخ الفرنسي لحكومة جمهورية القبائل؟    الركاني: من يدعم فلسطين توجه له تهم جاهزة وعواقب وخيمة ستلاحق كل من تواطئ لجعل غزة مسرحا للجريمة    في قلب باريس.. ساحة سان ميشيل الشهيرة تعيش على إيقاع فعاليات "الأيام الثقافية المغربية"    "نفس الله" عمل روائي لعبد السلام بوطيب، رحلة عميقة في متاهات الذاكرة والنسيان    شركة "رايان إير" تُسلّط الضوء على جوهرة الصحراء المغربية: الداخلة تتألق في خريطة السياحة العالمية    بحضور عائلتها.. دنيا بطمة تعانق جمهورها في سهرة "العودة" بالدار البيضاء    الوزيرة السغروشني تسلط الضوء على أهمية الذكاء الاصطناعي في تعزيز مكانة إفريقيا في العالم الرقمي (صور)    الوديع يقدم "ميموزا سيرة ناج من القرن العشرين".. الوطن ليس فندقا    تكريم المغرب في المؤتمر الأوروبي لطب الأشعة.. فخر لأفريقيا والعالم العربي    دراسة: الفن الجماعي يعالج الاكتئاب والقلق لدى كبار السن    دراسة: استخدام المضادات الحيوية في تربية المواشي قد يزيد بنسبة 3% خلال 20 عاما (دراسة)    خبراء الصحة ينفون وجود متحور جديد لفيروس "بوحمرون" في المغرب    العيد: بين الألم والأمل دعوة للسلام والتسامح    أجواء روحانية في صلاة العيد بالعيون    طواسينُ الخير    تعرف على كيفية أداء صلاة العيد ووقتها الشرعي حسب الهدي النبوي    الكسوف الجزئي يحجب أشعة الشمس بنسبة تقل عن 18% في المغرب    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



أسطورة شيخ العرب
نشر في خريبكة أون لاين يوم 18 - 11 - 2011


السنوات الأولى
ولد أحمد (حماد) بن محمد بن إبراهيم بوشلاكن سنة 1927. اشتهر بلقب "شيخ العرب" أو "الحاج"، كما كان معروفا باسم أحمد أكوليز نسبة إلى مسقط رأسه بدوار أكوليز بقبيلة إيسافن السوسية الواقعة بإقليم طاطا جنوب شرق المغرب. قطع أكوليز سيرا على الأقدام وعمره لم يتجاوز الثانية عشرة مسافة تزيد عن أربع مائة وتسعين كيلومترا، قاصدا مدينة الرباط ليساعد والده في محل لبيع المواد الغذائية. بعد ذلك، عمل في مدرسة كسوس طباخا ثم حارسا عاما. في هذه الفترة، قام أكوليز -بمعية ابن خالته (عمر غانذي) الذي التحق به من إيسافن سنة 1942- بتكوين خلايا مقاومة من رحم حزب الاستقلال، اقتصر نشاطها في بادئ الأمر على مناوءة الاستعمار بطرق سلمية نهجها توعية الجماهير الشعبية وتأطيرها السياسي. لكن سرعان ما أجبرته ظروف الاستعمار المتغيرة على تصعيد العمل النضالي إلى مرتبة الكفاح المسلح حيث عمل على تنظيم نشاط الفدائيين في العدوتين وبالخصوص في أحياء الأوداية والعكاري والكزا والسويقة.
في سنة 1952، تلقي عليه سلطات الاستعمار القبض. يعيد التاريخ نفسه في حياته مرة أولى، ويغمره شعور من يعيش أحداثا سبق وأن وقعت (ديجا فو)، عندما تفرض عليه قوات الاستعمار قطع نفس المسافة التي كان قد قطعها منذ اثني عشرعاما سيرا على الأقدام، مقيد اليدين مكبل الرجلين، في رحلة العودة لمسقط الرأس بدوار أكوليز، حتى يكون عبرة لكل من تسول له نفسه اختيار طريق المقاومة الشاق و الطويل...
في صيف عام 1954، في وقت بدأ فيه الصراع يحتدم بين رجال المقاومة والاستعمار (خصوصا بعد حادث نفي محمد الخامس في 20 غشت 1953 إلى إيل روس شمال شرق كورسيكا ثم إلى أنتسيربي في مدغشقر)، يلقى عليه القبض من جديد بتهمة حمل السلاح وتنظيم محاولات اغتيال. يرفض دفاع أحمد رضى كديرة في المحكمة، ويودع في سجن القنيطرة المركزي حيث يطلق عليه رفاق الأسر لقب شيخ العرب بسبب تدينه وحسن خلقه.
على خلفية عودة محمد الخامس من المنفى (16 نونبر 1955)، بعد مفاوضات إيكس ليبان (22-26 غشت 1955) وإعلان سيل سان كلو (6 نونبر 1955)، تم إطلاق سراح سجناء الرباط وفاس ومكناس. وظل شيخ العرب -بمعية باقي الأسرى من البدو والسوسيين والريفيين- قابعا في زنزانته في سجن القنيطرة المركزي ينتظر فرجا لن يأتي. ينفذ صبره بعد ستة شهور، فينظم فراره من السجن في ماي 1956، لتبدأ مرحلة أخرى من نشاطه النضالي.
مرحلة ما بعد الاستقلال
لم يكن مرد نقمته على مغرب ما بعد الاستقلال راجعا لخيبة أمله في الحصول على وظيفة رجل أمن كما يدعي التاريخ الرسمي وأرشيف مكتب محاربة الشغب في المخابرات (على غرار ما ورد في كتاب (السر)، لمؤلفه أحمد البوخاري، العميل السابق في المخابرات المغربية، والمشكوك في صحة شهادته و سلامة نواياه). إنما كان متذمرا رافضا لما آل إليه وضع البلاد بعد شبه-الاستقلال وخيانة الساسة وعلى رأسهم حزب الاستقلال الذي قبل بتنازلات إيكس ليبان. ولم تتوقف خيانة حزب علال الفاسي بسلبيته وانتهازيته عند هذا الحد، بل تحولت إلى خيانة فعلية عندما تحالف مع المؤسسة الملكية ضد مصلحة الشعب، وتتبع معها تتبع السفاحين السيكوباتيين فلول جيش التحرير والمقاومين الذين أبوا أن يضعوا السلاح إلا بعد زوال الاستعمار عن كل شبر من ربوع البلاد. وهكذا شارك حزب الاستقلال بصورة مباشرة في عمليات اغتيال أبرز رموز المقاومة، من طينة عباس المسعدي (المسؤول عن جيش التحرير في الشمال) وأحمد الطويل (زعيم الهلال الأسود) وغيرهما كثيرون. ويروي مومن الديوري في كتابه (حقائق مغربية 1988) في شهادة مؤثرة عن صديقه شيخ العرب، أنه لم يره يبكي إلا مرة واحدة فقط بمناسبة بث تلفزيوني لاستقبال بالقصر الملكي شاهد فيه علال الفاسي راكعا بين يدي الملك الراحل الحسن الثاني.
يعيد التاريخ نفسه في حياة شيخ العرب عندما يرى أن المغرب "المستقل" يكافئ الخونة وعملاء الاستعمار -على جهل بعضهم وأمية غالبهم- بأسمى الوظائف ويجازيهم بأرقى الرتب، ويضع مستقبل الوطن على كف عفريت مصاب برعش باركينسوني؛ بوضعه ثقته العمياء في فساد إدارتهم وسوء تدبيرهم. يتم تشكيل الجيش الملكي بتجنيد الخونة وعملاء الاستعمار و ممن رفعوا الراية البيضاء من عناصر جيش التحرير، ويؤطره مرتزقة الجيش الفرنسي من "أبطال" نكسة ديان بيان فو. بعد هذا كله، لم يجد شيخ العرب بدا من الانخراط في جيش التحرير الوطني بالجنوب في سنة 1957، بغية مواصلة الكفاح ضد الاستعمار واسترجاع الأقاليم الجنوبية.
أمام علو شوكة المقاومة المسلحة واحتكارها لقلوب المغاربة الأحرار وعقولهم، حمل القصر على عاتقه مهمة القضاء على البقية الباقية من فلول جيش التحرير في الجنوب بالتآمر والتحالف مع قوى الاستعمار الفرنسي والإسباني سنة 1958 في عملية (Ecouvillon-Ouragon). وجاء ردع ثورة الريف (1958-1959) بطريقة تفننت في الهمجية والوحشية لترسخ شيخ العرب في اعتقاده بأن مغرب ما قبل الاستقلال ومغرب ما بعد الاستقلال مغربان متطابقان لا يختلفان إلا في التسمية وظروف الزمان. إذ استمرت معاناة الشعب وتراكم ضحايا الفقر والجوع والمرض والجهل والظلم والاحتقار والاستفزاز والاضطهاد والتهميش يوما بعد يوم، بعد أن فوض المستعمر للمخزن الذي تتلمذ على يده كل صلاحياته القمعية وسلطاته الاستبدادية.
تحول شيخ العرب إلى أسطورة إلى أسطورة شبيهة بحكايات دون كيشوت وروبن هود وكيزر سوزي. يحبه أبناء الشعب الذين لا يتورع في أن يهب لنجدتهم والدفاع عنهم دون أن يعتد بحساب الأضرار وتدبير المخاطر، و يبغضه رجال الأمن الذين ما فتئوا يطاردونه محبطين مطاردة الأشباح بعدما أذلهم في أكثر من مناسبة بفلتانه الزئبقي وموهبته الفطرية في فنون الخداع و التنكر. ومن النوادر التي يتواترها عنه رفاقه أنه لم يثر أدنى انتباه - في وقت كان فيه عدو النظام رقم واحد- حينما قرر عبور إحدى الثكنات ببذلة عسكرية.
تفاقمت سوابقه بتهم السرقة الموصوفة والإرهاب في ملف سمين عكف على تعليفه رجال الشرطة... في صيف سنة 1959، فيما يعرف بحادثة خميس إيسافن، قام باغتيال رجلين من جهاز الأمن بعدما اشتكى له أهالي منطقة سوس من بطشهما وتعسفهما (كان أحدهما قاتل علال بن عبد الله، صباغ البنايات البسيط الذي حاول اغتيال ابن عرفة في 11 شتنبر 1953)، كما أصدر حكما بالإعدام في محكمة شعبية بحق ضابطين في جيش التحرير اتهما بسلسلة من جرائم الاغتصاب في الجنوب. كانت قطيعته مع جيش التحرير حينها أمرا مستهلكا بعد أن تزايدت انتقاداته اللاذغة لزعمائه. فقام بتأسيس ما عرف بالجبهة المسلحة من أجل الجمهورية المغربية.
إثر هذه التطورات العنترية، أصدرت محكمة تارودانت في حقه حكما غيابيا بالإعدام، اضطره إلى أن يعيش تحت رادار "كاب 1" - جهاز الشرطة السرية- الذي جعل اقتفاء أثره أولى أولوياته منذ تأسيسه عام 1960.
لقاء سريالي مع المهدي بن بركة
بذل مومن الديوري جهدا كبيرا في إقناع صديقه شيخ العرب بضرورة هذا اللقاء، وخصوصا أن هذا الأخير لم يهضم بعد خيانات حزب الاستقلال واختياراته السياسية الانتهازية، كما لم يستسغ مباركة ابن بركة كقيادي بارز في حزبه لعمليات تصفية المقاومة المسلحة وجيش التحرير عقب الاستقلال. التقى شيخ العرب وابن بركة أخيرا في صيف عام 1962، في بيت آمن بالرباط -شقة صغيرة اكتراها الديوري لهذا الغرض بعيدا عن فضول رجال الأمن- بعد أن بلغ كلا الرجلين ذروة عطائه النضالي، وفي وقت ارتآى فيه الديوري أنه قد آن الأوان ليوحدا قواهما بعد أن سارا لسنوات طويلة في طريقين متوازيين لا يتقاطعان إلا في سراب الأماني والأوهام. المهدي في طريق المناورة السياسية والتفاوض مع المستعمر قبل الاستقلال ومع المؤسسة الملكية من بعده. وشيخ العرب في طريق التنظيمات السرية والكفاح المسلح.
ويرجع مومن الديوري قبول شيخ العرب (على مضض) بأن يجتمع بابن بركة إلى إيمانه بحتمية إدماج الثورة المغربية في إطار الحركات التحررية التي كانت تهب رياحها الكوبرنيكية على دول العالم الثالث آنذاك. وتوافقت هذه المقاربة النظرية مع تصور ابن بركة الذي كان قد وصل إلى مرحلة من تطور فكره السياسي والإيديولوجي؛ ربط فيها أجندة كفاح الشعب المغربي بأجندات الشعوب المقاومة للاستعمار والاستعمار الجديد، في إطار دوره القيادي في "منظمة التعاون بين دول إفريقيا وآسيا"، والتي تحولت فيما بعد إلى ما عرف "بمنظمة القارات الثلاث" بعد أن انظمت أمريكا اللاتينية إلى لائحة الشعوب المتمردة على مزاعم الأمبريالية. كان المهدي حينها زعيم الحزب اليساري الكبيرالوحيد (الاتحاد الوطني للقوات الشعبية المنشق عن حزب الاستقلال منذ سنة 1959) الذي دعا إلى مقاطعة الاستفتاء حول نص أول دستور في تاريخ المغرب المستقل، كان قد أشرف على صياغته أستاذ الحقوق وعلم السياسة الفرنسي موريس دوفيرجي، بطلب من الملك الراحل الحسن الثاني. وكافح الشعب المغربي من أجل دستور منبثق عن لجنة تأسيسية يشكلها أعضاء منتخبون...بالنتائج التي نعرفها جميعا. ومازال كفاحه مستمرا ضد دساتير ممنوحة "يؤلفها" الحقوقيون المستوردون، وضد الاستفتاءات الملحمية حول مراجعاتها ومراجعة مراجعاتها إلى يومنا هذا.
يكتفي مومن الديوري في كتابه (حقائق مغربية) بفقرات تيليغرافية يلخص فيها خلفيات هذا اللقاء التاريخية والسياسية، قبل أن يدخل إلى صلب الموضوع ويدلي بشهادته على موقف لا يملك القارئ إلا أن يشبهه بمشهد نهائي من فيلم لكلينت استوود أو جون وين حيث يقع "النزال الأخير" بين رعاة البقر.
يقول الديوري في شهادته أن شيخ العرب "أمسك بزمام الأمور" منذ أول لحظة عندما أخرج مسدسه متوجها بحديثه إلى المهدي بن بركة قبل أن ينبس هذا الأخير بكلمة واحدة: "إذا فكرت في خيانتنا، فهذا ما ينتظرك. أنا أحذرك..." ثم تابع كلامه في حين استغرق المهدي في تأمل فوهة المسدس وهو يغالب دهشته ... "لقد أقنعني مومن بضرورة لقائنا هذا، لأنه يبدو متأكدا من أنك أنت ورفاقك لن تخونوننا عند أول إشارة من الحسن الثاني. ولكنني مازلت أتذكر كل شيء...أعلم أن قياديي الاتحاد الوطني للقوات الشعبية ليسوا ثوريين. إنهم سياسيون متعطشون للسلطة.هذا عندما لا يلهثون وراء تجميع الامتيازات وتكديس الثروات. يكفي أن يناجيكم الملك بهمسة واحدة لكي تلبوا نداءه دون أن تترددوا في خيانتنا للحظة واحدة...إن هذا أخشى ما أخشاه."
أمام هذا الاستقبال الحفيف، شحب وجه ابن بركة وابتلع ريقه، ثم اعترض على كلام شيخ العرب مشيرا إلى أنه يحضر اللقاء بصفته حليفا لا غريما. يستمر الحديث لمدة ساعة تقريبا. ويعد ابن بركة بتوظيف حظوته الدولية الواسعة في التعريف بتنظيمات الكفاح المسلح خارج حدود المغرب.
لكن شيخ العرب لم يسعد طويلا بهذا اللقاء. فبعد مرور ثلاثة أشهر، بدأ ابن بركة مفاوضاته مع الملك الراحل الحسن الثاني بغرض المشاركة في الحكومة ''بشروط مشرفة" على حد تعبيره. ومما زاد الطين بلة؛ إدلاؤه بمعية عبد الرحيم بوعبيد في مقابلة صحفية مع مجلة "جون أفريك" في عدد 7-14 أبريل 1963 بتلميحات تشير إلى تحالف الحزب الوطني للقوات الشعبية مع النقابات...بالإضافة إلى "عناصر المقاومة المسلحة".
من الواضح أن النظام الذي لا يستهوي مزحات الفكاهة السوداء ولا يتذوق "كذبات أبريل" قد استخلص "الكلام المفيد" و"الأفكار الأساسية" من القراءة بين السطور... فبدأت حملة الاعتقالات السياسية في 16 يوليوز 1963، بعدما افتعل المخزن مؤامرة ضد حياة الملك بغرض تصفية زعماء اليسار وفلول جيش التحرير.
ألقي القبض على مومن الديوري. لجأ شيخ العرب إلى الأراضي الجزائرية. بينما طال ابن بركة حكم غيابي بالإعدام مرة أولى في 22 نونبر 1963، ومرة ثانية في يناير 1964، قبل أن يغتال في ظروف غامضة بعد أن تم اختطافه في ظهيرة 29 أكتوبر 1965 أمام مطعم ليب بشارع سان جيرمان في باريس.
نهاية شيخ العرب كما توقعها
على خلفية ما عرفته المعطيات السياسية بين المغرب و الجزائر من تطورات، تعرض شيخ العرب للاعتقال والاستنطاق والتعذيب لمدة أسبوعين بعد وشاية حاقدة تقدم بها اليسارييون المغاربة اللاجئون من جماعة الرباط إلى جهاز الأمن العسكري الجزائري. كانت جماعة الرباط هاته تابعة لحزب الاتحاد الوطني للقوات الشعبية الذي كان زعماؤه -في خلافاتهم الحادة والعميقة مع شيخ العرب- يتهمونه بالتسلط والدكتاتورية. وكان منطق الوشاية المذكورة يفترض تحالفا خياليا بين شيخ العرب والنظام المغربي ضد مصلحة الحكومة الجزائرية الاشتراكية ورفاقها من اليساريين المغاربة.
في أبريل 1964، يعود للمغرب سرا عن طريق ولاية بني أدرار الحدودية، برفقة عمر ناصر الفرشي- أحد زعماء شبكات المقاومة في الدار البيضاء الذي سبق وأن تلقى حكما غيابيا بالسجن المؤبد بتهمة التآمر على حياة الملك في 1963، وحكما غيابيا آخر بالإعدام في (قضية بنحمو لوفاخري).
وتأتي الخيانة من الأقربين -تماما كما توقعها شيخ العرب وكما كان يروق له أن يردد على مسامع الرفاق في أكثر من مناسبة- حين أخبر أحد أعضاء الكومندو صديقه عبد الرحيم بوعبيد بعودته. فيجتمع هذا الأخير بالمجلس التنفيذي لحزب الاتحاد الوطني للقوات الشعبية ليقرر ببرودة إجرامية خيانة شيخ العرب وتقديمه قربانا للحسن الثاني على مذبح الحسابات السياسية. كانت هذه الخيانة رسالة صريحة للملك بأن زمان الكفاح المسلح (أو الشغب والإرهاب بلغة المخزن) قد ولى، وأن اليسار يسار جديد تائب، يتموقع ضد سراب الثورة والجمهورية ومع واقع الديموقراطية كما يراها الملك، في إطار مفاهيمي جديد تتعايش فيه المتناقضات اصطلح على تسميته بالملكية الدستورية الديموقراطية الاجتماعية.
في صبيحة 7 غشت 1964، يطوق رجال الأمن البيت الذي كان يحتمي به شيخ العرب ورفاقه في حي ابن مسيك سيدي عثمان، فيحدث تراشق بالأسلحة النارية بين الطرفين. يردى على إثره مبارك بوشوا قتيلا. يصاب إبراهيم مسليل الحلاوي بجروح بليغة. ويختار شيخ العرب الموت "بالرصاصة الأخيرة" التي لطالما حدث رفاقه عنها. ويعيد التاريخ نفسه مرة أخيرة في حياته لتكتمل الدائرة، حين يلفظ أنفاسه الأخيرة أمام محل متواضع لبيع المواد الغذائية لا يختلف كثيرا عن الدكان الذي كان يساعد فيه والده منذ ما يقرب من ربع قرن. ديجا فو...
دفن جثمان شيخ العرب في مقبرة حي سباتة في الدار البيضاء. تبدد حلم أوفقير السادي بأن يطوف به ربوع المملكة في قفص حديدي. فيما التحق أعضاء كومندوهات شيخ العرب-مومن الديوري بتنظيم الفقيه البصري لمواصلة الكفاح المسلح إلى أن تمت تصفيتهم بطريقة أو بأخرى.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.