وحدت مطالب إسقاط الاستبداد وإسقاط الفساد صفوف اليساريين والإسلاميين بمختلف مشارب الفريقين تحت سقف حركة 20 فبراير. بروز الحجم الكبير لنشطاء الجماعة داخل الحركة في الأسابيع الأخيرة أعاد النقاش حول الأفق إلى الواجهة. استنكر العديد من الديمقراطيين المغاربة في أحزاب يسارية وجمعيات حقوقية استغلال السلطات المغربية لمنابر المساجد أثناء خطب الجمعة في دعوة المصلين للتصويت بنعم على الدستور الجديد. معظم هؤلاء النشطاء يجاور أتباع جماعة العدل والإحسان الإسلامية المحظورة في حركة 20 فبراير. المفارقة أن الحركة والأحزاب والهيئات الديمقراطية الداعمة لها لم تعبر عن رفضها استغلال هذه الجماعة للمساجد فيما سمي ب"الوقفات المسجدية" لرفض الدستور في مدن مغربية مختلفة، خاصة أن الجماعة ترفع شعارات دينية واضحة في هذه الوقفات مثل تلك التي نظمت بأحد مساجد طنجة يوم 24 يونيو الماضي، والتي تقول "لا إله إلا الله لا مقدس إلا الله، لا إله إلا الله محمد رسول الله عليها نحيا وعليها نموت وفي سبيلها نجاهد". وساهم تركيز حركة 20 فبراير على مطلب "الدستور الديمقراطي الشعبي" خلال الأسابيع الأولى لظهور حركة 20 فبراير في تأجيل النقاش حول تناقض المشاريع المجتمعية للطرفين خاصة ما يتعلق بسيادة المفهوم الكوني لحقوق الإنسان الذي يدافع عنه اليساريون بمختلف مشاربهم. التقاء موضوعي هذا النقاش سرعان ما عاد للواجهة الإعلامية والسياسية في ظل تذبذب أعداد المشاركين في مسيرات الحركة بعد التصويت على الدستور ما أظهر أنصار الجماعة بحجم كبير داخل الحركة. فضلا عن انتصار التيار المحافظ، ممثلا في حزبي الاستقلال والعدالة والتنمية (إسلامي)، في فرض إسلامية الدولة وعدم التنصيص على حرية العقيدة وربط سمو المواثيق الدولية لحقوق الإنسان بالمرجعية الإسلامية للدولة، في الدستور المعدل. الحزب الاشتراكي الموحد، الذي يدعو للملكية البرلمانية، حث منتسبيه على عدم خوض أي حوار سياسي مع أعضاء العدل والإحسان داخل حركة 20 فبراير باستثناء التنسيق التقني في مسيرات الحركة. بدوره أعلن النهج الديمقراطي القاعدي، وهو تيار طلابي يساري راديكالي، عن فك ارتباطه بجماعة العدل والإحسان في مدينة فاس. وتجدر الإشارة إلى أن مدينتي فاس ووجدة تحتفظان بذكريات أليمة لعلاقة الطرفين حين اغتال منتسبون للجماعة طلابا يساريين راديكاليين مطلع التسعينات من القرن الماضي بوحشية. من جهتهم طالب أعضاء في 20 فبراير من أحزاب يسارية بضرورة تبني مطالب المساواة بين الجنسين والحريات الفردية وفصل الدين عن الدولة، في أرضية الحركة. في المقابل لا يرى حزب النهج الديمقراطي ضررا في وجود أعضاءها ضمن حركة 20 فبراير ما داموا ملتزمين بسقف مطالب الحركة. هذا الحزب اليساري الراديكالي يشترك مع الجماعة في المطالبة بمجلس تأسيسي لصياغة الدستور ما يعني رفض النظام الملكي. سعيد لكحل، الباحث المتتبع لشؤون الجماعات الإسلامية، يقول في حواره مع دويتشه فيله بهذا الخصوص "هذا الالتقاء فيه كثير من التناقض لأن المشاريع المجتمعية للطرفين متناقضة. الحد الأدنى الذي تلتقي فيه الجماعة مع بعض اليساريين الراديكاليين يعبر عنه شعار: السير معا والضرب على حدى. بمعنى أن للطرفين عدو مشترك هو النظام والهدف هو إسقاطه أو إضعافه". إستراتيجية جديدة للإسلاميين؟ في هذا السياق بادر فؤاد عبد المومني، ناشط يساري مستقل وعضو المجلس الوطني لدعم حركة 20 فبراير، إلى جمع علمانيين وإسلاميين على مائدة الحوار مساء الثلاثاء 17 أغسطس/ آب الجاري بالرباط، مشيدا بإعلان بعض قياديي الجماعة عن إيمانهم ب"الدولة المدنية". ويقول فؤاد عبد المومني في حواره مع دويتشه فيله "الثورات العربية أظهرت أن الحركات الإسلامية أصبحت عادية بعدما كانت تبدو هي المهيمنة على الساحة، أصبحت فاعلا من ضمن فاعلين آخرين. كما تبين أن اتجاه الإسلاميين نحو العنف وإقصاء الآخرين يؤدي فقط إلى تهميشهم. أعتقد أن الالتقاء بين اليساريين والإسلاميين في حركة 20 فبراير نتيجة منطقية لهذا النضج التدريجي، دون أن ننسى نضج المجتمع الذي تدفعه التحولات المادية تدريجيا نحو رفض جميع أشكال التسلط بما فيها التسلط باسم الدين". منتديات النقاش على فيسبوك بين أعضاء من العدل والإحسان ونشطاء يساريين تبرز حماس البعض للانفتاح على الجماعة. أحد اليساريين ينبه رفاقه في غمرة نقاش افتراضي مع ناشط من العدل والإحسان إلى أن بعض قياديي الجماعة سبق له أن عبر في مقال صحافي عن إيمانه بحرية العقيدة. بعض التصريحات المتقدمة لأعضاء في الجماعة سرعان ما تصطدم بمبدأ "دولة الخلافة" التي يعتبرها عبد السلام ياسين، شيخ الجماعة، أفق النضال السياسي. إضافة إلى موضوع مكانة الدين داخل الدولة. حسن بناجح، القيادي في جماعة العدل والإحسان، يقول في حواره مع دويتشه فيله حول أفق الحوار مع اليساريين "الديمقراطية هي العنوان الكبير لهذا الأفق، وهي لا تعني بالضرورة العلمانية، بل المقصود هو سيادة الشعب وإمكانية التداول السلمي على السلطة وعدم الانقلاب على الديمقراطية. نحن مع جميع حقوق الإنسان بما لا يتناقض مع دين وعقيدة أغلبية الشعب". الديمقراطية فوق الأديان من جهته أكد محمد منار، عن جماعة العدل والإحسان، بمناسبة الحوار الذي جمعه مع علمانيين بمبادرة من فؤاد عبد المومني، أن "الإطار الذي يجب أن تكون الديمقراطية داخله هو الإسلام". أحمد عصيد، الناشط الأمازيغي المعروف بدفاعه عن العلمانية، رد قائلا "لما يقول الأخ من العدل والإحسان أن الإطار الذي يجب أن تكون الديمقراطية داخله هو الإسلام، فهذه نظرة استبدادية ولا يمكن أن تؤدي إلى الديمقراطية لأنها تحدد نسقا مسبقا. الديمقراطية لا تتحدد داخل إطار ديني معين بل هي الضامنة لتعايش الأديان المختلفة باعتبارها متساوية في قيمتها الإنسانية وبغض النظر عن عدد معتنقيها". ويضيف عصيد "إذا أصبحت الديمقراطية الإسلامية مثل الديمقراطية المسيحية يحل المشكل، لأن الديمقراطية المسيحية لا تتدخل باسم الدين في إعاقة الحريات والحقوق، بينما تعارض عندنا الحقوق والحريات باسم الدين. في الديمقراطية المسيحية هناك ما يعلو على الدين وهو القيم والمبادئ الديمقراطية الكونية وليس الغربية كما يقول الإسلاميون معبرين بذلك عن عدم استعدادهم للحوار والتفاهم". في نفس السياق يذهب سعيد لكحل قائلا في حواره مع دويتشه فيله "لا يمكن أن يستمر الحوار بين الطرفين لأن الموازين ستختل حينما تطرح سؤال ما الهدف من المرحلة المقبلة؟ هل هي دولة الخلافة كما تريد العدل والإحسان أم شيء آخر؟". دويتشه فيله