بورصة الدار البيضاء تنهي تداولاتها بأداء سلبي    احتضان "جيتكس إفريقيا" نتاج عمل متواصل لجعل المغرب قطبا رقميا إقليميا (وزيرة)    إير أوروبا تستأنف رحلاتها بين مدريد ومراكش    بسبب العاصفة "نوريا".. تعليق جميع الرحلات البحرية بين طريفة وطنجة المدينة    انقلاب شاحنة عسكرية بمنطقة تغسة بإقليم شفشاون وإصابة جنود    تراجع أسعار النفط بأكثر من 6 بالمئة متأثرة بالرسوم الجمركية الأمريكية الجديدة    الصين ترد على الرسوم الأمريكية بإجراءات جمركية مشددة تشمل جميع الواردات    "البيجيدي" يطلب وزير التجارة إلى البرلمان بهدف تحديد تأثير رسوم ترامب التي بقيت في حدها الأدنى على صادرات المغرب    تصنيف "فيفا" لكرة القدم داخل القاعة.. المنتخب المغربي للرجال يرتقي للمركز ال 6 عالميا ومنتخب السيدات في المركز ال 18    تعادل أمام زامبيا في ثاني مبارياته بالبطولة .. منتخب للفتيان يقترب من المونديال ونبيل باها يعد بمسار جيد في كأس إفريقيا    أخبار الساحة    ثمن نهائي كأس العرش .. «الطاس» يحمل على عاتقه آمال الهواة ومهمة شاقة للوداد والرجاء خارج القواعد    حكيمي "الفوز مع المغرب بلقب كبير سيكون رائعا"    تفاصيل الحد الأدنى لراتب الشيخوخة    عشرات الوقفات الاحتجاجية بالمدن المغربية للتنديد بحرب الإبادة الإسرائيلية في غزة    عزل رئيس كوريا الجنوبية    الاضطرابات الجوية تلغي رحلات بحرية بين المغرب وإسبانيا    متهم في قضية "إسكوبار الصحراء" يكشف تسلمه مبالغ مالية من الناصيري داخل البرلمان    الصحراء وسوس من خلال الوثائق والمخطوطات التواصل والآفاق – 28-    الملك محمد السادس يهنئ رئيس جمهورية السنغال بمناسبة الذكرى ال65 لاستقلال بلاده    زيارة رئيس مجلس الشيوخ التشيلي إلى العيون تجسد دعماً برلمانياً متجدداً للوحدة الترابية للمغرب    مطالب لتدخل السلطات لمحاصرة وجود "كنائس عشوائية" في المغرب    دي ميستورا يحل بالعيون المغربية    باريس تجدد موقفها الثابت: السيادة المغربية على الصحراء تحظى باعتراف رسمي في خريطة فرنسية محدثة    هجوم مسلح على مقهى.. الأمن يوقف أحد المشتبه فيهما ويواصل البحث عن شريكه    صانع الألعاب الأسطوري دي بروين يطوي صفحة مانشستر سيتي بعد 10 أعوام    على عتبة التسعين.. رحلة مع الشيخ عبد الرحمن الملحوني في دروب الحياة والثقافة والفن 28 شيخ أشياخ مراكش    الإعلان عن فتح باب الترشح لنيل الجائزة الوطنية للثقافة الأمازيغية برسم سنة 2024    "أتومان" رجل الريح.. في القاعات السينمائيّة ابتداء من 23 أبريل    الرباط: انطلاق اللحاق الوطني ال20 للسيارات الخاص بالسلك الدبلوماسي    برلين: بمبادرة من المغرب..الإعلان عن إحداث شبكة إفريقية للإدماج الاجتماعي والتضامن والإعاقة    مقاطعة السواني تنظم مسابقة رمضانية في حفظ وتجويد القرآن الكريم    العقوبات البديلة في القانون الجديد تشمل العمل للمنفعة العامة والمراقبة الإلكترونية والتدابير التأهيلية والغرامة اليومية    تسجيل رقم قياسي في صيد الأخطبوط قيمته 644 مليون درهم    الصفريوي وبنجلون يتصدران أثرياء المغرب وأخنوش يتراجع إلى المرتبة الثالثة (فوربس)    الكيحل يشدد أمام منتدى مستقبل البحر الأبيض المتوسط على أهمية العمل المشترك بين المنظمات البرلمانية    أمين الراضي يقدم عرضه الكوميدي بالدار البيضاء    مقتل قيادي في "حماس" وولديْه    30 قتيلاً في غزة إثر ضربة إسرائيلية    بعد إدانتها بالسجن.. ترامب يدعم زعيمة اليمين المتطرف الفرنسي مارين لوبان    أسعار صرف أهم العملات الأجنبية اليوم الجمعة    بنعلي تجري مباحثات مع وفد فرنسي رفيع المستوى من جهة نورماندي    بشرى حجيج رئيسة الكونفدرالية الإفريقية للكرة الطائرة تشرف على حفل افتتاح بطولة إفريقيا للأندية في أبوجا    السياسي الفرنسي روبرت مينار يصف النظام الجزائري بالفاسد واللصوصي    النيابة العامة تقرر متابعة صاحب أغنية "نضرب الطاسة"    الصين تطلق قمرا اصطناعيا جديدا    تكريم المغرب في المؤتمر الأوروبي لطب الأشعة.. فخر لأفريقيا والعالم العربي    طنجة.. النيابة العامة تأمر بتقديم مغنٍ شعبي ظهر في فيديو يحرض القاصرين على شرب الخمر والرذيلة    دراسة: الفن الجماعي يعالج الاكتئاب والقلق لدى كبار السن        دراسة: استخدام المضادات الحيوية في تربية المواشي قد يزيد بنسبة 3% خلال 20 عاما (دراسة)    خبراء الصحة ينفون وجود متحور جديد لفيروس "بوحمرون" في المغرب    بلجيكا تشدد إجراءات الوقاية بعد رصد سلالة حصبة مغربية ببروكسيل    العيد: بين الألم والأمل دعوة للسلام والتسامح    أجواء روحانية في صلاة العيد بالعيون    طواسينُ الخير    تعرف على كيفية أداء صلاة العيد ووقتها الشرعي حسب الهدي النبوي    الكسوف الجزئي يحجب أشعة الشمس بنسبة تقل عن 18% في المغرب    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



في نقد مفهوم "هاراري" للإنسان (1)
نشر في هسبريس يوم 03 - 08 - 2021

كثيرا ما ننسى أن كل بحث في "الإنسان" والظواهر المرتبطة به (من الديداكتيك صعودا إلى الأنتروپولوجيا الفلسفية) يستبطن تصورا لطبيعة "الإنسان"، أي ما يجعله "إنسانا" وليس كائنا آخر. بهذا المعنى، فإن البحث في كل علم من العلوم الإنسانية هو فرع لتصور الباحث عن ماهية الكائن المدروس الذي يسميه العوام ب"الإنسان" ويشير إليه علماء الأنتروپولوجيا ب"الهوموساپيان".
"غايتنا من هذا المقال هي أن نعرض بعض عناصر التحديد الأنتروپولوجي المعاصر ل"الإنسان" من خلال كتاب أصبح مشهورا للمؤرخ والأنتروپولوجي: هاراري"، وأن نخضع تصوره لتحليل نقدي نعمّق به فهمنا لظاهرة "الهوموساپيان"، لندعو، بناء على نتائج تحليلنا النقدي، إلى ضرورة بناء أنتروپولوجيا ارتقائية أشمل وأعمق.
أسلوب في النقد
الإنسان العاقل: تاريخ مختصر للإنسانية" (Sapiens: a brief history of humankind) هو عنوان كتاب شهير للمؤرخ الإسرائيلي الشاب يوڤال نوح هاراري. كتب هاراري كتابه هذا سنة 2011 باللغة العبرية ليصدر ترجمة إنجليزية له سنة 2014 قام هو نفسه بإعدادها بمساعدة John Prucell و Haim Watzman.
سأقترح عليكم في هذا المقال قراءة نقدية لهذا الكتاب، انطلاقا من متابعة دقيقة لكل المسلمات الأنتروپولوجية التي ينبني عليها فهم هاراري لنشوء الهومساپيان (الإنسان العاقل) .منهجي في النقد بسيط، ويمكن التمثيل له بالحالة التالية:
لنفترض مثلا بأن الكاتب يقول: "اكتسب الإنسان العاقل القدرة على تقليد أصوات الطبيعة باستعمال جهاز النطق، بينما لم تكتسب الأجناس الإنسانية الأخرى ذلك. وهو اكتسب هذه القدرة لأنه كان يحتاج إلى إبلاغ أعضاء المجموعة التي يتعاون معها عن حالة الطقس خارج المغارة".
منهجي في النقد هو أن أتساءل: لكن ماذا يعني "تقليد" أصوات الطبيعة؟ ما هو "التقليد"؟ فالأصوات التي يصدرها الهوموساپيان ليست "إعادة إنتاج حرفية" لأصوات الطبيعة. إنها مجرد "تقليد"، فما معنى "التقليد"؟ سأبين أن المشكلة الجوهرية في فهم هاراري، والأنتروپولوجية المعاصرة بصفة عامة، لظاهرة "الإنسان العاقل" هي أنه يفترض أن المفاهيم التي يستخدمها في الحديث عن الهوموساپيان واضحة في نفسها وبينة في ذاتها ولا تحتاج لأي تحليل.
سأبين أننا إذا ما انتقدنا المسلمات الأنتروپولوجية نقدا جذريا من خلال مساءلة معنى المفاهيم التي نستخدمها (مفترضين أنها بديهية)، سنصل إلى نتيجة مهمة؛ وهي أن الآليات الأساسية التي يستعملها الأنتروپولوجيون المعاصرون لفهم ارتقاء النوع الإنساني، كآليات "التكيف" و"البقاء للأصلح"، تصبح مجرد آليات وصفية لا ترتقي إلى مستوى الآليات التفسيرية. هذا يعني أن "الكائن العضوي" (الإنسان في حالتنا) يتكيف بالفعل، وينقرض إذا لم يكن مكيفا بشكل جيد مع محيطه بالفعل؛ ولكن هاتين الآلتين مجرد تعميم حول ما يحدث بالفعل، وليست تفسيرا له: فالتفسير لا يمكن أن نكتشفه إلا من خلال تحليلنا للمفاهيم التي نستخدمها في حديثنا عن هذه الأحداث كمفاهيم "التقليد" و"المعلومات" و"الانتشار" و"المعرفة" وغيرها.
هاراري نقطة انطلاق جيدة لنقد الأنتروپولوجيا المعاصرة؛ لأنه يظهر كل جوانب قوتها وكل جوانب ضعفها. لذلك، أتمنى أن يكون نقدي له نقطة انطلاق جيدة لبناء أنتروپولوجيا نقدية تنطلق من فهم نقدي جذري للمفاهيم التي نستخدمها في الحديث عن الإنسان العاقل.
لماذا هاراري؟
لماذا أنا مهتم بكتاب هاراري "الإنسان العاقل: تاريخ مختصر للإنسانية"؟.. أنا مهتم به لأكثر من سبب واحد:
1 مهتم به لأنه يتضمن نظرية (غير مكتملة حول ظهور اللغة). وهذا موضوع يهم مجال تخصصي الضيق ويصب في اهتماماتي الأكاديمية.
2 مهتم به لأنه لأني معجب بأسلوب هاراري المثير في التعبير عن أفكار في منتهى التعقيد بطريقة مرحة وشفافة.
3 مهتم به لأنه يقدم قراءة مثيرة لتاريخ الإنسانية بشكل يجمع شتات تفاصيل تاريخ الإنسانية بشكل مفهوم.
4 ومهتم به لأنه يقدم صيغة أنيقة لتصور الإنسان المعاصر لنفسه! ...
لقد حقق كتاب هاراري أعلى المبيعات لسنوات متتالية، وتُرجم لأكثر من ثلاثين لغة، وأصبح هاراري بفضله مطلوبا في كل القنوات الدولية. هذا يعني أن أفكار هاراري الأنتروپولوجية تلاقي تجاوبا كبيرا وانتشارا واسعا في عالم اليوم.
5 أنا مهتم بكتاب هاراري أيضا؛ لأن هاراري عالم ومفكر ذكي جدا. فهو يمثل بالنسبة لي نوع المثقف العالم الذي يفكر أولا، ثم يكتب ثانيا. يبحث أولا، ثم يعبر عن نتائج بحثه كتابة بعد ذلك. يحقق أولا، ثم يعلن عن نتائج تحقيقه بعد ذلك.
6 إلا أن أهم سبب جعلني أهتم بهاراري هو أنه مثال جيد عن (وصيغة ذكية ل) الأساطير المؤسسة تصور الفكر المعاصر (بمختلف تلاوينه) للإنسان!
والحقيقة أن غايتي من هذا المقال (التي أتمنى أن يكون خفيفا على القارئ الكريم) أن أبين بأن مشكلة فهم الأنتروپولوجيا الارتقائية المعاصرة للإنسان ليست مجرد مسألة "تدقيق" (كأن نتساءل حول دقة وسائل التحقيب)، وليست مجرد مسألة "تحيين" (كأن نتساءل حول توفر هاراري على المعطيات الجديدة بخصوص اكتشاف إغود)، وليست مجرد مسألة "تعريف" (كأن نتساءل عن دقة تعريف النياندترال)، بل هي مسألة أكثر جذرية لأنها تتعلق بالسؤال: ماذا ينبغي أن ندرس في الأنترپووجيا؟ ما هو موضوع الأنتروپولوجيا؟ ماذا يعني أن يكون موضوع الأنترروپولوجيا البيولوجية الارتقائية هو "الإنسان"؟ ما هي هذه الظاهرة التي تُسْتَقدَمُ لوعينا "إنسانا"؟
أعظم درس نتعلمه من هايدڭر هو أن نضع مسافة فينومينولوجية كافية بيننا وبين حزمة الأبعاد المختلفة لإنسانيتنا (التي يسميها هايدڭر ب"الدازاين") التي يتضمن كل تفكير لنا حولها تصورا قبليا لها.
التفكير في الوجود الإنساني ينبغي دائما أن يحرر نفسه من تصورات الإنسان القبلية حول نفسه. فمعظم المفاهيم التي نستخدمها في خطاباتنا اليومية (مثل: النفس والروح والجسد واللاوعي والرغبة والإرادة والحرية والعقل والمعرفة، إلخ) تنطوي على مسلمة قوية، تصعب مقاومتها، وضمنية، يصعب استصراحها، وغامضة، يصعب توضيحها، وهي المسلمة التي مقتضاها: "أن أفهم هذا!". مثلا: عندما يحاول المفكر أن يصنف أنواع المعرفة عند الإنسان، فإنه يفترض أنه يفهم معنى "المعرفة". وإذا كان مضطرا إلى تعريفها، فإنه يعرفها بدلالة مفاهيم لا تقل غموضا والتباسا (مثل مفاهيم "التمثل"، "الاستيعاب"، "التجريد"، وغير ذلك من المفاهيم التي كثيرا ما لا تخضع للنقد الفلسفي الدقيق.
تصنيف المعرفة إجراء نظري قد يكون مفيدا؛ لكنه لن يرقى أبدا إلى مستوى تفسير المعرفة باستقلال عن تأويلاتنا الضمنية لها. التفسير هو عندما نصل بفهمنا إلى مستوى تنفتح به المعرفة علينا كما هي كما تنغرس في تربتها الوجودية الخاصة بها.
منطلقات
ينطلق هاراري من مجموعة من الملاحظات تدور كلها حول الوضعية الغريبة للإنسان العاقل عبر التاريخ:
هي وضعية غريبة لأن نوع الإنسان العاقل لم يكن قبل سبعين ألف سنة من اليوم سوى جنس واحد من أجناس إنسانية أخرى انقرضت، كجنس "الإنسان المنتصب" وجنس "الإنسان النياندارتالي" وغيرهما؛ ولم يكن يشكل سوى جماعة نادرة الوجود على الأرض يعيش في بقعة من قارة إفريقيا لا يتجاوز عرضها عرضَ مدينة القاهرة اليوم. لكن هناك أمرا ما حدث ما بين سبعين ألف و13 ألف سنة من اليوم حوّل هذا الكائن الضعيف النادر إلى قوة عقلانية وحضارية سيطرت على الأرض بكاملها وتحكمت في مصير الكائنات الأرضية كلها بما فيها الأجناس الإنسانية الأخرى (غير الإنسان العاقل).
يسمى هاراري هذه النقلةَ النوعية التي عرفها الإنسان العاقل في ما بين سبعين ألف سنة و13 ألف سنة من اليوم ب"الثورة المعرفية" The cognitive revolution. فما هي "الثورة المعرفية" عنده؟
يلاحظ هاراري أن هناك علاقة واضحة بين ظهور "الثورة المعرفية" ونسبة حجم دماغ الإنسان العاقل بالنسبة إلى جسده.
فعلى الرغم من أن دماغه لا يتجاوز 2 في المائة إلى 3 في المائة من كتلة جسمه كاملا، فإنه يستهلك بمفرده ما يقارب 25 في المائة من طاقة الجسم عندما يكون في حالة راحة، بينما لا يستهلك دماغ القرد سوى 8 في المائة من طاقة الجسم؛ فقد تعلم الإنسان العاقل أن يكافئ دماغه بطريقتين متكاملتين: أولاهما التغذية (تخصيص ربع طاقة الجسم له)، وثانيتهما بالتخلي التدريجي عن المجهود الذي يبذله الجسد؛ فهو بذلك أشبه ما يكون بحكومة قررت التخلي عن استثماراتها المخصصة للقوات المسلحة لصالح منظومة التربية والتكوين.
بهذا، فقد عرفت الفترة الممتدة بين سبعين ألف سنة و13 ألف سنة من الآن ثورة معرفية مرت من ثلاث مراحل:
المرحلة الأولى هي المرحلة التي اكتسب فيها الإنسان العاقل (الهوموساپيان) القدرة على "جمع المعلومات" وتخزينها. والوظيفة الأساسية لهذه القدرة هي وظيفة حيوية بامتياز: تخزين المعلومات عن مكان النباتات المغذية، توخي الحذر من الحيوانات المفترسة المحيطة به، تذكر أوقات تغيرات الطقس، إلخ.
المرحلة الثانية هي المرحلة التي اكتسب فيها الإنسان العاقل القدرة على التواصل باستعمال اللغة. والوظيفة الأساسية للغة والتواصل هي "إحداث الضجيج التواصلي" الذي يحتاج إليه الإنسان في بناء وتقوية علاقته مع أفراد مجموعته التي لا يتجاوز عدد أفرادها 150 فردا. من خصائص هذا "الضجيج التواصلي أنه اجتماعي وأنه يدور حول احتياجات الجماعة والعلاقات التي تربط بين أفرادها. من آثار هذه "الوظيفة التواصلية الاجتماعية البدائية" التي بقيت غريزة ثابتة في حياة الإنسان المعاصر ميلنا الغريزي إلى النميمة ونشر الشائعات والفضول الاجتماعي، وغير ذلك من أشكال التواصل الذي تدور رحاه داخل جماعة محدودة من الناس.
المرحلة الثالثة في "الثورة المعرفية" هي عندما بدأ عدد الجماعة البشرية الواحدة يتجاوز 150 فردا، فصار من المستحيل أن تبقى الجماعة متضامنة ومتماسكة بالاعتماد على التواصل اليومي الحميمي. لذلك، فقد تعلم الإنسان العاقل في هذه الفترة أن يركب "قصصا" خيالية يبرر بها تماسك الجماعة ووحدتها. من الأدلة التي استعملها هاراري اكتشاف تمثال بجسد إنسان ورأس أسد بقرب مغارة ستاديل بألمانيا يعود إلى حوالي 32000 سنة من الآن؛ فهذا التمثال من أقدم الآثار الدالة على الإنسان العاقل اكتسب في هذه الفترة قدرة على تركيب معلوماته ومداركه (رأس أسد + جسد إنسان في هذه الحالة) في إطار "قصص خيالية" ابتدعها ليبرر بها وحدة الجماعة وتماسكها. من هذه "القصص الخيالية" في نظر هاراري الأديان والميثولوجيات التي كانت تهدف بالأساس إلى توحيد الجماعة بجعل أفرادها يؤمنون أنهم من "عائلة واحدة"، وأن لهم "أبا" واحدا أو "جدا" واحدا أو "أما" واحدة أو "جدة" واحدة. وهؤلاء "الآباء" و"الأمهات" و"الأجداد" و"الجدات" هم الذين تحولوا في فكر الجماعة إلى إلهة تعبد وأبطال وطنية تمجد.
الغريب في هذا التطور المذهل الذي اكتسبه الإنسان (من اكتساب القدرة على جمع المعلومات وتخزينها إلى اكتساب القدرة على "الضجيج التواصلي" إلى اكتساب القدرة على تركيب المعلومات والمدركات في إطار "قصص خيالية") أنه حصل بشكل سريع يعترف الكاتب أنه لا يملك تفسيرا له. فهل حصل بسبب "تناول الإنسان من شجرة المعرفة" (وهي الفكرة التي يتناولها الكاتب بنوع من السخرية، لأنه إنسان ملحد يعترف بإلحاده)؛ لكن لماذا لم يكتسب الإنسان "المنتصب" والإنسان النياندارتالي على هذه القدرة؟ وهل حصل هذا التطور بسبب تراكم التغيرات الجينية التي أدت في نهاية المطاف إلى تغيير بنيوي شامل على مستوى الجهاز العصبي النيورولوجي؟
يعترف الكاتب بأنها لا يملك أي تفسير، وأن مهمته ليست هي "تفسير" ما يحدث بل فقط أن "يصِف" ما يحدث. فحصول "الثورة المعرفية" بمراحلها الثلاث حدث تاريخي حقيقي يقوم عليه الدليل الحفري والأنثروپولوجي أم سبب حدوث هذه الثورة فيعترف الكاتب بأنه لا يعلمه.
تعاون
بعد أن ناقش هاراري أطروحته في "الثورة المعرفية" التي مفادها أن الهوموساپيان (الإنسان العاقل) عرف "ثورة معرفية" cognitive revolution بين سبعين ألف و13 ألف سنة من اليوم وأن هذه الثورة مرت من مراحل ثلاث (مرحلة اكتساب القدرة على جمع المعلومات، ومرحلة اكتساب القدرة على "الضجيج التواصلي"، ومرحلة اكتساب القدرة على تركيب المعلومات لتشكيل معتقدات خيالية) بعد أن ناقش هذه الأطروحة وثبّتها بما استجمعه من أدلة حفرية أنتروپولوجية، أضاف فكرة أخرى مقتضاها أن "الثورة المعرفية" عرفت تشكل "جماعات بشرية تعاونية".
الجماعة البشرية التعاونية ليست مجرد "خلية" يتعاون أفرادها بشكل غريزي محدد المهام كما يفعل النمل والنحل؛ بل هي جماعة تتميز بخصائص جديدة تنسجم مع "الطبيعة الإنسانية" الجديدة التي اكتسبها الإنسان في ثورته المعرفية. من هذه الخصائص ما يلي:
1 الجماعة البشرية التعاونية هي جماعة "بشرية" بامتياز، بمعنى أن الإنسان لم يكن يسكن ويتعاون إلا مع جنسه فقط. فلم يدجّن الإنسان في هذه المرحلة بعد حيواناتٍ تسكن معه؛ فتدجينه للحيوانات لم يتم إلا بشكل تدريجي بطيء. لذلك، فإن أول أثر حفري اكتشفه العلماء يوثق للعلاقة "الحميمية" بين الإنسان والحيوان يعود إلى حوالي 13000 سنة قبل الآن، وهو هيكل عظمي اكتشف في شمال فلسطين لامرأة في الخمسينيات من عمرها يبدو عليها أنها قد ماتت وإلى جوارها هيكل جرو تضع يدها اليسرى عليه. هذا يفسر في نظر هاراري خاصية "الوفاء" التي يحملها الكلب اليوم اتجاه الإنسان، والتي تعني أن هذا النوع الحيواني قد تكيف عبر العصور ليقوم بالأشياء التي "تُرضي الهوموساپيان (كجري الكلب وراء كرة يلقي بها طفل صغير وإحضارها له).
2 الجماعة البشرية التعاونية جماعة هرمية تخضع ل"قائد" تحترمه الجماعة دوره حماية الجماعة والدفاع عنها وفك النزاعات. لاحظ هاراري أن هذا السلوك ظهر بشكل بدائي عند قردة التشامپانزي أولا؛ فقد لاحظ علماء الزوولوجيا أن قائد الجماعة من التشامپانزي يتنقل بين أفراد جماعته يربت على كتف شبابها، ويمازح أطفالها، ويمنع النزاع والصراع داخلها. وهذا جزء مما يفعله قائد جماعة الهوموساپيان (الإنسان العاقل) أيضا.
3 الجماعة البشرية التعاونية جماعة رحالة تنتقل من مكان إلى مكان، ليس لها وقت منتظم للأكل، تنتقل بشكل مستمر نحو الأماكن التي يقل فيها الخطر ويكثر فيها القوت. لذلك، لم يكن الهوموساپيان يحتاج إلى أدوات كثيرة. وهذا هو السبب الرئيسي، في نظر هاراري، في كوننا لا نتوفر على آثار كثيرة من هذه المرحلة من تاريخ الإنسانية. مثلا: لا نتوفر على أدلة واضحة نحسم بها في شأن النقاش حول ما إذا كانت الجماعة البشرية التعاونية الأولى مبنية على أسر نووية (يعاشر فيها الرجل امرأة واحدة) أو تعددية (يعاشر فيها الرجل نساء كثيرات، أو تعاشر فيها المرأة رجالا كثيرين).
خلاصة هذا الجزء من تحليل هاراري، إذن، أن النوع الإنساني تطور في ما بين سبعين ألفا و13 ألفا قبل اليوم في اتجاهين اثنين:
(1) في اتجاه القدرة على اكتساب المعلومات وتخزينها، واستعمالها في التواصل الجماعي، وتركيبها بشكل خيالي
(2) وفي اتجاه "العمل التعاوني".
لكن ماذا يعني "تخزين اكتساب المعلومة وتخزينها"؟ وما معنى "تركيبها بشكل خيالي"؟ وماذا يعني "العمل التعاوني"؟ لماذا نحتاج إلى الإجابة عن هذه الأسئلة؟.. نحتاج إلى الإجابة عن هذه الأسئلة للسببين التاليين:
1 "جمع المعلومات وتخزينها" و"الضجيج التواصلي" و"تركيب المعلومات في إطار معتقدات خيالية" و"العمل التعاوني" هي المفاهيم التي تؤسس لكل ملاحظات هاراري في "ارتقاء" الهوموساپيان؛ فجوهر أطروحته أن الإنسان لم "يكن يجمع المعلومات ويخزنها" ولم "يكن يصدر ضجيجا تواصليا" و"لم يكن يركب معلوماته في معتقدات خيالية" ولم "يكن يتعاون"، وها هو الآن يفعل ذلك!.. فإذا لم نتوفر على تأويل واضح لمعنى "جمع المعلومات وتخزينها" و"الضجيج التواصلي" و"المعتقدات الخيالية" و"التعاون"، فإن كلامنا سيكون غير ذي معنى ولن نستطيع التمييز بين ما هو "جمع وتخزين للمعلومات" وما ليس كذلك، وما هو "تعاون" وما ليس كذلك، إلخ.
2 معايير "القدرة على جمع المعلومات وتخزينها"، إلخ هي أمارات ارتقاء بيولوجي؛ لأنها تجعل النوع البيولوجي (الهوموساپيان في حالتنا) أكثر تكيفا مع محيطه، وبالتالي، أقدر على البقاء. لذلك، إذا جمعنا كل الأمارات الدالة على الارتقاء البيولوجي للهوموساپيان وأولناها تأويلا دقيقا، سنتمكن من فهم المعنى الجوهري ل"الارتقاء البيولوجي".. سنفهم ماذا يعني أن يرتقي الهوموساپيان بيولوجيا. بتعبير آخر: فهمنا الجيد لمعنى معايير الارتقاء ومظاهره سيمكننا من تفسيره تفسيرا جيدا.
البحث في معنى المفاهيم المتعلقة بالإنسان ك"جمع المعلومات وتخزينها" و"التواصل" و"الخيال" و"التعاون" هو عين مشروع الفيلسوف الألماني هايدڭر وغايته ونقطة قوة منهجه الدقيق الذكي في التحليل.
يتبع..


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.